المثقف - قراءات نقدية

تشيخوف وخادمته المغفلة والوضع في العراق

طلبت مني السيدة كفاح عبد المحسن السوداني زوجة صديقي الحبيب الاستاذ الدكتور على يحيى منصور – رفيق عمري في كلية اللغات بجامعة بغداد ان اكتب مقالة عن قصة قصيرة لتشيخوف معجبة بها جدا وعنوانها – (الخادمة)، وها انا ذا اقوم بذلك بناء على طلبها، واول شئ اود ان اسجله هنا، ان عنوان القصة القصيرة  تلك لا زال غير مستقرا في الترجمات العربية، فقد جاء عند صديقي المترجم المصري القدير الدكتور ابو بكر يوسف في الجزء الاول من  ترجماته الشهيرة لمؤلفات تشيخوف هكذا – (المغفلة) و ليس (الخادمة)  كما تشير بعض الاصدارات العربية لتلك القصة، اما بوريسوف، مؤلف القاموس الروسي – العربي المعروف فانه يترجم تلك الكلمة الروسية التي استخدمها تشيخوف عنوانا لقصته هكذا – (رخو العود // بارد الدم // فاتر الهمٌة) وهي اجتهادات جميلة وصحيحة ولكنها لا تصلح طبعا ان تكون عنوانا لتلك القصة القصيرة بتاتا، ومع ذلك فان هذا يعني ايضا ان العنوانين المذكورين  (الخادمة والمغفلة) لا يتناسبان مع الشئ المطلوب ولا يعبٌران عنه بشكل دقيق، وباختصار -  لا توجد كلمة عربية واحدة تقابل تلك الكلمة الروسية، وهكذا بدأت حيرتي بشأن عنوان القصة هذه، فأخذت ابحث عن اجتهادات اخرى، لعل وعسى أجد فيها جوابا، على الرغم من قناعتي الكبيرة والتامة تقريبا في ان ترجمة صديقي الدكتور ابو بكر يوسف هي الاهم والاصلح، اي هي ال (حكم)، ولكن الموقف هذا ذكٌرني  - مع ذلك - بتعبير المتنبي  العظيم حول (الخصم والحكم)، وهكذا بقيت حائرا، خصوصا وان الروس حولي يقولون ان معنى الكلمة تلك هو – الانسان الذي لا رأي ولا موقف محدد لديه، والذي لا يستطيع حسم اي أمرمن امور الحياة الانسانية المتشابكة حوله، او الانسان الباهت والساذج، وقال لي احدهم ضاحكا  انه  الانسان الذي يمتلك خصائص الماء – (لا لون ولا طعم ولا رائحه) له، وقد زادت كل هذه التفسيرات  من حيرتي، ومع ذلك فانه من المؤكد حتما ان ترجمتها بكلمة – (الخادمة)  هو اجتهاد غير دقيق بتاتا، خصوصا وان البطلة في تلك القصة لم تكن خادمة بالمعنى الحرفي للكلمة بل كانت مدبرة شؤون البيت ، اما ترجمة الدكتور ابو بكر يوسف – (المغفلة) فانها تتناسب وتتناسق الى حد – ما بشكل أو بآخر مع المعنى الذي قصده تشيخوف في مضمون قصته تلك، اذ كيف يمكن ان نسمي ذلك الانسان الذي لا رأي له بتاتا عندما يتهمه الاخرون باتهامات كاذبة وباطلة، ولا يعرف حتى كيف يدافع عن مصلحته الشخصية البحتة في هذا المجتمع الذي (يأكل) القوي فيه الضعيف بلا شفقة ولا ضمير سوى ب  (المغفل)؟؟؟ ولكن هناك – مع ذلك - من يعترض على هذه التسمية ويقول – ان هذا الانسان ليس مغفلا وانما مسكين طيٌب او ساذج  بائس  وبسيط جدا او ضعيف الشخصية او مسحوق اجتماعيا، وغالبا ما يتعاطف الناس مع هؤلاء النماذج ويكونون الى جانبهم، اما المغفل فانه ذاك الذي لا يستطيع اداء دوره او وظيفته  في المجتمع الانساني كما يجب، وبطلة القصة لم تكن كذلك، بل كانت مسكينة وطيبة وتؤدي واجبها كما يجب ولكنها لا تستطيع باي شكل من الاشكال الدفاع عن ابسط حقوقها ولو بالكلمات لانها مسحوقة من قبل المجتمع الذي تتعامل معه وخانعة لهذه العبودية الاجتماعية كليا وجذريا، بل ان سيدها نفسه كان متعاطفا معها واراد ان يقول لها بضرورة ان تنهض وتنتفض وتدافع عن حقوقها المشروعة، او كما قال هو نفسه لها، انه اراد ان يعطيها درسا للتخلص من هذا الخنوع، وهو جوهر مضمون هذه القصة القصيرة  وهدفها، والذي يعرضه تشيخوف بشكل وجيز وحيوي عبر حوار بينها وبين سيدها الذي استدعاها لانه يريد ان يتحاسب معها بشأن راتبها كي يسلمه لها لانه يعرف انها حتى لا تتجاسر على طلبه كما يقول لها هو نفسه، ويختلق سيدها الاسباب والحجج المفتعلة وحتى الاكاذيب لقطع اجزاء من راتبها عقابا على كل ذلك في محاولة منه لاستفزازها كي تتكلم وتعترض وتحتج وتنتفض ولكن بلا فائدة، لانها لا تعرف اصلا كيفية القيام بذلك، وهكذا ترضخ لكل تلك التلفيقات المفتعلة و الاكاذيب وتوافق على كل تلك الاستقطاعات من راتبها رغم انها تعرف انها غير صحيحة، وتنتهي القصة هذه باعطاء السيد كل المبلغ المطلوب دون اي استقطاعات ويقول لها انه اراد ان يعطيها درسا ويعلمها كيف يجب ان تدافع عن مصلحتها، ولكنه يفشل، اذ انها تشكره حتى على منحها هذا الجزء الصغير المتبقي من المبلغ في اول الامر، ويطرح عليها سؤاله – لماذا وعلى اي شئ تشكريني وانا سرقت من راتبك ؟ فتقول له ان الآخرين لم يكن يعطوها حتى هذا، وفي نهاية القصة يقول رب البيت جملته الختامية عن سهولة ان يكون الانسان قويا وسط هؤلاء النماذج الضعيفة من البشر في هذا العالم .

هذه القصة أعجبت الكثيرين من القراء العرب، والعراقيين خاصة، و بالذات في الوقت الحاضرهذا،عندما اشتدٌت أزمة الحياة اليومية في العراق الجريح ووصلت الى حد الاختناق، ولهذا أخذ بعض قراء الادب الروسي في  العراق يتقبلون هذه القصة على انها دعوة صارخة لشجب روحية الخنوع الكامنة في اعماق الكثيرين من البشر حولهم، وكذلك دعوة للتمرد على هذا الواقع ورفضه كليا  بل و حتى الثورة ضد هذا الظلم  والتعسف وهذه العلاقات الجائرة في ذلك المجتمع وهذا الاستسلام الكامل والاستعداد الدائم لتقبل هذا الواقع المرير  لان الخنوع  كامن في اعماق نفوس هؤلاء الضعفاء والمساكين البسطاء، وقد انعكس هذا الاعجاب الكبيروالواسع حتى في صفحات التواصل الالكتروني بين العراقيين، و استلمت  انا شخصيا عدة رسائل الكترونية من اصدقاء  مختلفين  تتضمن الترجمة العربية لهذه القصة وتعليقات القراء حولها بهذا المعنى بالذات، و لو قرأ تشيخوف نفسه  هذه التعليقات لتعجب أشد العجب منها، اذ انها تقارن هذه القصة مباشرة حتى بالوضع السياسي السائد في العراق حاليا وتشير الى ان تشيخوف و كأنه قد صوٌر في تصرفات بطلته خصائص بعض الشرائح الاجتماعية العراقية الموجودة عندنا بالساحة العراقية في الوقت الحاضر، هذه الشرائح التي يتجذر في اعماقها الخنوع والمشبعة بالعبودية والتي لا تعرف الحرية ولا تفهم معناها ولا تستوعب حتى قيمتها الحقيقية وضرورتها لمقومات الحياة الطبيعية الانسانية، بل انها لا تستطيع العيش بدون تلك العبودية، و تستنج هذه التعليقات  بالتالي  ان تشيخوف في قصته تلك  يعتبر كاتبا (ثوريا !!!) بكل معنى الكلمة وان هذه القصة تدعو بكل وضوح الى شجب سيطرة الظلم والاستبداد في العلاقات الاجتماعية والى التحرر من العبودية المتجذرة في اعماق الكثيرين من البشر وان هذه القصة بالذات تتناغم وتنسجم مع الوضع القائم في العراق فعلا. ان هذه الاستنتاجات قد ذهبت أبعد مما يجب كما يقال،فقد كتب تشيخوف قصته القصيرة هذه في بواكير مسيرة ابداعه ، وتوجد فيها بالطبع ملامح عبقريته الفنية وخصائص ادبه الابداعي بلا شك، والتي ستتبلور لاحقا، بل ان احد الباحثين الروس اشار الى ان هذه القصة بالذات تبين فلسفيا بداية التحول الجوهري الذي سيحدث لاحقا في مسيرة ابداعه الادبي، ولكن كل ذلك لا يعني بتاتا صحة تلك الآراء عند القراء العراقيين حول هذه القصة القصيرة، والتي أشرنا اليها أعلاه، اذ ان تشيخوف لم يكن ابدا كاتبا ثوريا بهذا المعنى المباشر للكلمة ابدا، ولكنه استطاع ان يعكس في نتاجاته معاناة الانسان الاعتيادي في المجتمع الانساني بغض النظر عن قوميه ونظام ذلك المجتمع او البلد، لهذا فان ابطاله (رغم كونهم روس) يتقبلهم كل الناس في كل بلدان العالم، وقد أشار الى ذلك جميع النقاد، وفي هذه الخاصية بالذات تكمن عظمة تشيخوف واهميته ومكانته في دنيا الادب العالمي واهتمام كل الشعوب به، ومن الواضح تماما ان ردود فعل القراء العراقيين بشأن هذه القصة القصيرة (رغم كل ما ذكرناه من ملاحظات) خير دليل على ذلك، واختتم هذه السطور بجملة كتبها الكاتب السوفيتي الشهير ايليا ايرنبورغ عن تشيخوف وهي كما يأتي – (انطون تشيخوف، هذا المتواضع، هزٌ العالم بكتاباته التي اسماها الصغائر. لقد سمعت من شباب فرنسيين وطلبة انكليز وكثير من الامريكيين الذين تفزعهم تفاهة الحياة، سمعت تصريحات كهذه – تشيخوف فتح العيون ..تشيخوف ساعدنا .. تشيخوف أدخل الدفء الى قلوبنا ..)

 

 

المشاركون في هذه المحادثة

تعليقات (2)

This comment was minimized by the moderator on the site

مرور رائع على صفحة من صفحات الأدب الروسي الغني لأستاذي د ضياء نافع. و كعادته أبدع و قرب الصورة الحالية لعراقنا المتشرد بما قصده چيخوف قبل قرن من الزمن في روسيا القيصرية... انا أرجع أسباب الخنوع الحالي الساري في كل أوردة كيان عراقنا الحالي و السابق إلى الجهل الذي عم على بلادي و أرداه خنوعا خادما مغفلا صامتا جاهلا... بل إن إحتضان الجهل الأسود ما زال ينادي: هل من مزيد؟؟؟... تحياتي لكل أساتذتي و زملائي في اللغة الروسية، أخوكم: د ابراهيم شريف، بيرمينكهام، بريطانيا

This comment was minimized by the moderator on the site

بصفتي حاصلا على شهادة الدكتوراه في الأدب الروسي من جامعة موسكو , ارى من واجبي المشاركة في اختيار الأسم المناسب ليكون عنوانا لهذه القصة وهنا أتفق كليا مع ما اقترحته الأخت فاطمة الكوتاني بتسميتها المستسلمة . ولكوني اعيش في موسكو لفترة تزيد على خمسين سنة وتعاملت مع كلمة размзняكثيرا وسمعتها في معان مختلفة واستعمالات متنوعة ارى ان هذه التسمية هي الأدق .

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 2821 المصادف: 2014-05-27 14:48:37