المثقف - قراءات نقدية

رمزية اللغة في أدب الشاعرة مرشدة جاويش

reebar habonتكتب الشاعرة مرشدة جاويش بتماه مع الأشياء الجميلة المحيطة حولها، لسان حالها شكوى الطبيعة والروائح العبقة، ورحلة البحث في أدبها هي في إطار البحث عن الذات الساعية وراء حب الآخر الذي ينصهر في بوتقة الأحاسيس التي تتضوع في القصيدة التي لم تكتب بعد، فهي العقدة التي تلتف حولها الأحلام وتتسع لهول تلك الأحلام حدقات القلب، أدب الشاعرة مرشدة جاويش هو تنقيب جمالي مكثف باللغة، عميق في الإيغال بالحاضر سعياً إلى اكتشاف الأغاني العذبة، حتى لو كان الحلم متأخراً، بذلك فرؤية الشاعرة للكون والأنوثة والحب رؤية متماهية وواحدة تأبى التبعثر والتشظي وفعل الرؤية لديها قائم بكثافة الأشعة الضوئية التي تكسر في النهاية قيود العتمة، في مجموعتها هواجس الحنايا تسعى الشاعرة إلى استحضار الغياب وفق مكنونها الروحي الداخلي لتعبر عن مدى تماهيها بألوان البحر والسماء حيث تجمعهما الأنوثة المتسربلة بفوضى العاشقين عبر نمط من الموسيقى مختلفة ومؤتلفة وفق معيار التناقض الجميل لنتأمل هنا:ص5

كان ما يؤرق غرابتنا

صوتك وهو بصداه

يمسك ألوان قيامتي

ويرشقها

كان على الجدار المقابل لحنيني

نجم يتسربل بفوضى العاشقين

إنها تستخرج مفرداتها الحنينية من بين براثن القطيعة والغرابة، والغرابة تستشعرها الشاعرة من خلال المفاجأة التي تحملها الحياة إليها ,إن هذا التماهي مع الرجل ضمن اتصال كامل يأخذ أبعاداً تضج بألوان القيامة وفق هذا التشكيل المادي الروحي، تعتمد الشاعرة رصد البعد المكاني والعاطفي من خلال الشخصية التي توغل الشاعرة في تأملها وفق رؤية شفافة عميقة ومنسابة في التفاصيل المكانية –الجدار المقابل للحنين_هنا ألفة الإنسان مع المكان فالجدار يصل بنا للحنين وهذا تجسيد راقٍ وعميق لرمزية الجدار في وجدان الإنسان العاشق، لنتأمل هنا:ص7

هل ندمن الفراق ونبتكر له أعياداً

أم نشعل ألف شمعة لعودة النوارس

أراهن أن زمناً للازورد

سيرتكب ما غاب من اللغة عنّا

التساؤل لدى الشاعرة مبهم ومتصل برمزية الفراق وحلوله في ذات الإنسان المتوغل في الحرائق والأحاسيس المنتهكة، لقد اعتمدت الشاعرة مرشدة جاويش الرمز، ابتداع الغرابة، التكثيف التصويري ضمن وحدة النص المتعدد المناخات القائم بتآلفه، لتنسج نصاً عابقاً بمتانة اللغة في توغلها للأشياء وهنا ماذا نعني بالإيغال، يعني أن أدباً برمته يستخلص أزمات الإنسان ونفسه القلقة من خلال تنقيب الشاعرة عن ذلك هاجساً وروحاً وتأملاً، إنها تجتر الكآبات المتقطعة من أجل عودة النوارس، النوارس الجامحة بين الزرقة , زرقة السماء والبحر، إن الطبيعة متأصلة بقوة داخل كينونة الشاعرة وهذا ما يجعل القصيدة بين أناملها تتضوع بعبق اللغة وجمالية التساؤل، إنها تأخذنا لأبعاد وأماكن مجهولة ومستعصية على المرء اللجوج، لأننا هنا نتأمل الحالة التي تستجدي التأني، والتأمل للنص هو إحساس به، وتواصل مع إيماءاته وتماه مع حالته، إن فضاء المناجاة لدى الشاعرة مرشدة جاويش قصي ومليئ بالأحاجي والمفاجآت فهي هنا أنثى تقتات المستحيل لأجل رؤية بناء باسق ومتناسق لنتأمل هنا:ص23

أيا فسحة لذاك الذي يحمل المستحيل

هنيئاً لنا وأنت أتيت وردنا

باسقاً باسقاً

ثم نامت على عطرنا جوقة النار

أو جوقة الخصب

أو ما يسمى العناق الجليل

النص الشعري هنا يحمل طاقة من الحوار الذكي القائم مع المستحيل، هنا الرجل يحمل مزايا التفوق العاطفي الذي يحتوي الهناء المفعم بالراحة، وهذا تجسيد لمتطلبات داخلية لها اتصال بالمونولوج الأنثوي الذي يبعث على الغرابة والافتتان، إنها تأتي حيناً بصيغة الجماعة حين تقول:-أتيت وردنا- وما الورد سوى تعبير عن الجمال العميق الذي يتجلى بأبهى مفاتنه من خلال العطر، والطبيعة الحية في ذائقة الشاعرة مرشدة جاويش مدعاة لتأمل عنفوان الحالة العشقية في تصاعدها وتوترها نحو الذروة وتشظيها في كون يحمل يحمل جوقة الخصوبة، أدب الشاعرة جاويش منبعه من إيماءات الطبيعة الخارجية ومدى قدرتها على أن تكون انعكاساً للنفسية الاجتماعية التي تحمل هموم المجتمعات الساعية نحو وحدتها الروحية من خلال تعبير التوق الأخير المتجلي في العناق الجليل ,وجلالة العناق تعبير يحمل طاقة مضاعفة من التوحد بما يمكن أن نسميه بالوجود الواحد القائم على التوازن الجمالي والعمق الفلسفي الذي نستخلصه من أبعاد التفكير لدى الإنسان المتكامل

إن نصاً قائماً بفوضى الومض وتداعياته لجلي وجذاب يروق للنفسية الساعية إلى استنباط الدلالات الحية في تجربة الشاعرة مرشدة جاويش وقدرتها المفعمة على عقد تقابلات شتى بين الشخصية الباحثة والآخر الغائب والتفصيلات المنبثقة على الفضائين المكاني والزماني جعلا من النص الشعري غاية في التأصل والتألق بأزمات النفس الإنسانية التي تتوق للانعتاق من الاغتراب المزمن لنتأمل هنا طريقة الشاعرة في تجسيد فكرتها وتمريرها وفق هاجس ساحر متوغل في الرمز بتعبير شاف:

هو الحزن يا سيد العارفين

يؤرجح نخلي

و مازلت حتى هبوب النشيد

ورحلة ظني

أمسد جسم الكواكب فيك...

التعبير هنا مختلف يرصد إرهاصات مختلفة، يبرر عظمة الجرح من خلال الحزن الذي يزيل خيارات إيقاظ الأناشيد، فحيث يستدعي الحزن الظن يكمن الإصرار على خلق الجميل دائماً وهذه دلالة على جسامة الحزن وقدرته على أن يزيد الحياة ظنوناً وهواجساً ومشقة، رغم ذلك فالشاعرة تجد الحل لهذا التعقيد الذي يفتعله الحزن في طريقها إلى ذاك الرجل، الذي يتصف باليقين والمعرفة والفهم لما يعتري المسافة من مشقة ومطبات وبذلك فهي تؤسس لعشق خام ناضج ومتين

لننتقل إلى مجموعة الشاعرة وصايا الغيم سنستشعر فضاءاً آخراً، يتصف بتجاوزه الحالات المرهصة، تتآلف هذه المجموعة مع الروح المتكاملة الجوانب التي تتوج الأحاسيس المختلفة لأجل بناء آخر يتسع لكافة التشكيلات والرؤى وحيث أن الشعرية الحقة هو اتصال الرؤى بقيم الحياة، ضمن مزيج متآلف ينم عن اليقين والإدراك في الوجود، تعمد الشاعرة أخيراً إلى تحقيق ذروة شعريتها بنماذج جديدة تتسم بالجاذبية في تناولها للحالة والغرابة في تجسيدها للحدث الفني

والانزياح في جعل اللغة سريالية غريبة تبتدع داخل كينونتها اللغة الشعرية التي هي سليلة اللغة المحكية واللفظية ضمن اللغة التي توجد داخل اللغة القائمة، هذا ما يحققه التوتر الشعري بخاصة إذا كان درامياً يعكس التجريب، تجريب كافة الأطوار المختلفة للوصول إلى لغة خاصة وأثيرية

هذا التنوع الشعري القائم في مجموعة وصايا الغيم يكشف عن خطا تجربة جديدة لها العديد من الخصوصية على المستوى الفني والجمالي والفلسفي من خلال تنوع التشكيل اللغوي التكثيفي والرصد الطبيعي، حيث أن جمالية الخلق في الشعر هو غاية ما استخلصته التجربة المعاصرة، اعتمادها على اللغة والاستفادة من تقنيات الصعود، هذا كله شكل ما يسمى بالكينونة المعاصرة التي أكدتها الشاعرة في لفتة لها في غلاف مجموعتها وصايا الغيم، ما يلفت النظر هنا في هذه المجموعة ترتيب عناوين القصائد وفقاً لإيقاعيات شعرية متناسقة ومتراصة، فمن التجلي الذي يعكس البحث الخلاق عن لذات القرنفل، التجلي الذي يخط مساره إلى وصايا الغيم وإحدى وصاياه مجسدة في النشيد الذي ظل ينأى، حيث تعتمد الشاعرة في أسلوبها المؤثر السائر نحو اللغة الوسيطة بين الواضح والفاضح، تجنح أحياناً إلى التحليق بين النار لتصلي في محراب الدم، تنسج ألوان الفتنة في بساتين الغبار، وتعدو نحو ذاك الحبيب لتستشف فيه آيات الروح وتمحو أوهام السلام وما تلبث أن تصغي بهدوء لإيقاعان لأسطورة المطر، وهنا نتساءل هل المطر أسطورة، أسطورة قد تجسد حالات مختلفة عن التساقط والدخول لأيقونة السر الذي يوجز الحديث عن الخيانة وعن الوقت، والهيمان المعتم وأخيراً تنهي الشاعرة مجموعتها بالحصار ولعل الحصار هو احدى أهم المفاجآت التي تحيط طبائع البشر وطموحاتهم منذ بداية انطلاق التجمعات البشرية لننظر هنا:ص71

لديك..أنا..

وأنت هناك

هل ظلي يموت هنا

سألتك عن مدينتنا

وعن حلم تغرب بي

فأنزلت الطيور من الوضوح إلى الغموض

ودرت في الكلمات

ثنائية الأنا والأنت، إنها ثنائية لا تزال الشاعرة تجسدها في لحظات يكون فيها للموت الكلمة الفصل، والموت يمثل القفلة التي لا تحتمل التأخر والتأجيل، وبذلك فالمدينة التي تجسدها الشاعرة هنا هي عنوان للحظات مرت كالحلم الذي اغترب، وحديث الشاعرة هنا ذو شجون وحساسية، لقد أزالت الشاعرة قيود الرتابة هنا في نص يحمل طاقة الحوار والخطاب والتآلف مع النص بجمالية تدعو إلى مزيد من الخلق والتآلف، وإلى ذاك الإشراق المتوهج في نص يحمل الغرابة والنشوة معاً، وفق ثنائية الأنا والمخاطب، إشارة إلى المدينة التي تبدو للإنسان الهاجس الأكبر على مسرح الذاكرة والحياة والزمن الذي لا يتوقف, المدينة هي الأسرار التي تتمركز طويلاً في الداخل الإنساني

العشق في وصايا الغيم يأخذ أبعاداً ذو خفايا وشجون يكشف في البعيد الموغل في الجذور لغاية تحقيق التصاعد في إطلاق الطاقة الشعورية كما في قصائد في الأيقونة لنرى هنا:ص73

جسدي أنداء الروح

وروحي بشهيات النار

تقول: أحبك

هنا في هذه الومضة القصيرة جل الطاقة العاطفية المتوقدة تستعر في هضبات النار التي تتجسد في السحر الأنثوي والجسد الذي يعج بأسرار الجمال وخفايا الخصوبة ولوعة الإثارة، لذلك تخرج الشاعرة من غمار هذا الوصف المكثف لتجعل من كلمة أحبك الذروة المكملة لهذا الجمال ولتلك الإثارة حيث تقول في موضع آخر بقصيدة –وطنٌ أنا للزرع-:

هو لاذعٌ كالجمر أو كالخمر

كم نادى على عطري

وكم في شاطئي

تاهت رؤوس العشب في دمه

وكم يده الشفيفة غاصنت حلمي

وشعت في حريري

الوطن في نص الشاعر يحمل السؤال اللاذع فتارة يكون الوطن مؤنسناً بظل رجل، رجل تتماهى به الشاعرة بمنتهى الإيقاعية، تتداخل فيه عطراً وشاطئاً متماوجاً، الوطن لديها متجسد بالفتنة، الرجل الذي تحمل يده الشفيفة العديد من الآمال والأحلام، تجربة الشاعرة في خضم مجموعة وصايا الغيم العابقة الغائرة بالجرح بالذكرى بالفواجع والأحلام الشفيفة والأخيلات المفعمة بعناصر القوة والجمال والأنوثة المتوهجة المتجسدة بالطبيعة والبحر والسماء والغيوم، ولعل في تجربة الشاعرة مرشدة جاويش في مجموعتها ماء الضياء انقلاب شبه واضح وتجديد آخر يعتمد الإنجاز والبناء، دعوة لتحرير الانسان من قيود العتمة والاغتراب الداخلي، فمسيرة الشاعرة في ماء الضياء تتجلى بأبعاد جديدة وخلفيات فريدة فهي ترتدي النص الشعري من رأسه حتى أخمص قدميه وتبشر بولادات جديدة وخلفيات فريدة فهي ترسل احتجاجاتها وفق إيقاعيات متقطعة ففي أقانيم الوقت تتجلى الشاعرة من منحى آخر يبعث على السؤال عن الوقت عن حضور ذاك الإنسان المنفعل المتخبط في هواه القديم، المتشظي لحظة انبلاج الوقت فهي تقول:

كان مثل القصيدة

مثل دمي نافراً بالظلال

وكان بسيطاً ..

يخبئ في لحظة الانفعال

طيور السؤال

حضور الشاعرة في هذه المقطوعة دليل امتزاج في الرؤية التي تجمع الظلال النافرة بلحظة الانفعال، إنها في بعض من الحالات تكرر هيمانها وأحياناً تؤرخ تفاصيلاً لأماكن تقيم من خلالها رؤيتها المختلفة لنتأمل هنا أيضاً:ص19

أين الذي كان يداهمني

كنوارس النعاس

ويرتشفني جرعة جرعة

حين تدنو إلي السماء

هنا تتساءل الشاعرة عن شيء ذهب كالومض من حياتها وبذلك فتهويمات الشاعرة كانت بدافع هذيان شعري متناسق وممتع متأصل بالأشياء وغارق بالعديد من الرموز والفوضى المنتظمة، إنها تؤسس لحالة فنية راقية حين تقول:ص27

إنني والمجاز الذي لا يحد

إلى المحو يمضي

وما أدركته رياحي

أحاول أن أتهجى الذي يتحسس جسم صباحي

وفي لوعة يحتضنني

أحاول أن أسترد من الفقد ضوء جناحي

والعبرة تكمن في محاولة الشاعرة لإيجاد البديل عن ذلك الوجع الرابض والحيرة الصاخبة، فالموجود الشاعري موجود مسالم، تقوده الهواجس والأفكار حين تتحسس الصباح من خلال استحضار الذات المقابلة تلك التي تغوص في رياح المشاعر وتوغل في الضوء لكي تسترد شهوة التحليق فالشاعرة وفق ماء الضياء دائمة البوح عن ما يعتري مسيرة الأنثى في الحياة الزائلة التي تجسد الزيف والوقت المسرع، والصباح في عرف الشاعرة وطقوسها تمثل الرؤية الكامنة للحقيقة الشعرية الماثلة في محاكاة أطوار الإبداع وجمالية الخلق والابتكار وروعة الاكتشاف بعد تأن وطول إبحار

تجربة الشاعرة عموماً تنطلق من الرمزية المتعددة الأطوار والألوان التي يذهب فيض منها إلى الثقافة الدينية والقيم التراثية والرمز الذي نتناوله هنا ليس إشارة إلى القيم الأخرى بمقدار ما رأته الشاعرة تعبيراً كافياً عن شيء مبهم

وهنا ننتهي ببيان القول أن تجربة الشاعرة تطمح لتكوين لغة خاصة تؤسس لعالم لا معقول غريب ومألوف وواضح وضوح الغموض في إحجامه عن المعنى بعاديته وبذلك فخطا الشاعرة باتجاه رؤية حداثة يتناولها الرمز الذي يدخل في فلك الانزياح اللغوي لأجل صياغة العالم البديل عن العالم المعاش وفق أنموذج شعري حافل بالخيبات والمعاناة الانسانية بعيداً عن التجسيم لأن المعاناة هي برمتها معاناة الإنسان وليس المرأة فقط ونظرة الشاعرة للوجود برمته هو نظرة إلى سبل البحث عن طرائق وحلول تساعد الإنسان إلى التواصل مع الشبكات الاجتماعية التي يستقي الفرد منها عوالمه الشعورية والإدراكية ومن هنا فالشاعرة تتطرق إلى الحياة عموماً بروح تميل إلى الجنوح نحو الطبيعة والتصوير والخيال والابتكار الذي يوسع من مدركات الخيال وإلى نقل حصيلة التجارب الإنسانية بصورة واعية تتخطى قيود العقل المجرد ونعتقد كما يبدو لنا أن الرسالة قد وصلت....

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 2831 المصادف: 2014-06-06 00:33:35