المثقف - قراءات نقدية

رواية ساق البامبو .. إسكات، تمييز أم خوف من مجتمع هجين؟؟

alkabir aldasisiإطار متابعتنا لروايات الجائزة العالمية للرواية العربية (البوكر) وبعد سلسلة مقالات حول الروايات الفائزة، والمرشحة ضمن اللائحة القصيرة نعود اليوم لرواية (ساق البامبو) للروائي الكويتي سعد السنعوسي المتوجة بالجائزة سنة 2013 وهي أول رواية كويتية تفوز بهذه الجائزة، وثاني رواية خليجية بعد رواية ترمي بشرر للروائي السعودي عبد الخال التي سبق لها الفوز سنة 2010، وقد لقيت رواية ساق البامبو حظوة عند قرائها مما يفسر كثرة الطبعات التي طبعت الرواية في سنة واحدة (12 طبعة ما بين ماي ودجنبر 2013)...

قراءة خارجية للرواية: صدرت الرواية عن الدار العربية للعلوم والناشرين ماي 2013 في 396 صفحة، موزعة على خمسة فصول متفاوتة الحجم، كل جزء مقسم إلى مشاهد مرقمة ابتداء من واحد وهذه الأجزاء هي:

• الجزء الأول: عيسى قبل الميلاد من الصفحة 15 إلى الصفحة 51 موزع على ثماني مشاهد

• الجزء الثاني: عيسى بعد الميلاد . من الصفحة 53 إلى الصفحة 128 موزع على 20 مشهدا

• الجزء الثالث عنوانه عيسى ...التيه الأول . من الصفحة 129 إلى الصفحة 181 وهو موزع على 11 مشهدا

• الجزء الرابع عنوانه: عيسى .. التيه الثاني من الصفحة 183 إلى الصفحة 290 موزع على 21 مشهدا

• الجزء الخامس عنوانه: عيسى .. على هامش الوطن من الصفحة 291 إلى الصفحة 389 موزع على 16 مشهدا

• الفصل الأخير عنوانه: أخيرا عيسى إلى الوراء يلتفت من الصفحة 393 إلى الصفحة 396

لعل أهم ما يثير متصفح هذه الرواية في غلافها الخارجي هو عنوانها الغريب، وهو عنوان يكتشف مدى الدقة في اختيار(العنوان المناسب) وينم عن حسن اختيار عنوان معبر أصدق ما يكون التعبير عن حالة بطل يشعر أن لا جذور له، ليكون (ساق البامبو) عتبة كاشفة للمتلقي كلَ ما يحتمل أن يتضمنه المتن الحكائي للرواية، وبذلك يبرز لماذا اهتمت الدراسات الحديثة بالعناوين وجعلت منها أحد أبرز مجالات اهتماماتها . ترى فيه مدخلا قرائيا قد يختزل مضمون التجربة برمتها،إلى درجة أن البعض جعل الاهتمام بالعنوان علما خاصا موضوعا ومنهجا وجهازا مفاهيميا (TITROLOGIE) . فجيرار جينيت يعتبر العنوان عتبة ذات سياقات ودلالات ووظائف لا تنفصل عن بنية العمل الفني . والعنوان كما يرى رولان بارت هو صاحب الدور الأول في إكساب المتلقي معرفة بالنص . فإذا كان العنوان العلامة التي تسمي الكتاب وتميزه ،و بطاقة هوية الكتاب (فلا كتاب بدون عنوان). فإن اختيار العنوان لا يخلو من قصدية قد تكلف المؤلف وقتا وجهدا كبيرين قبل إخراجه ليصبح بنية دلالية وسميائية وتوجيهية... وإشهارية عامة للنص .

تميزت رواية ساق البامبو بكون عناوينها مشحونة بالدلالات الرمزية، سواء تعلق الأمر بعنوان الرواية أو عناوين أجزائها: ف (ساق البامبو) النبات الذي ينبث دونما حاجة لجذور كان تعبيرا دقيقا لوصف هوية البطل الذي ظل طيلة مسار أحداث الرواية يشعر أن لا جذور له .. وقد ورد هذا العنوان ضمن الرواية في مناسبتين:

الأولى في الصفحة 94 عندما عبر هوزيه عن إحساسه في أمنيته في إحدى لحظات فقد الأمل بموطن أمه: (ولكن، حتى الجذور لا تعني شيئاً أحياناً لو كنت مثل شجرة البامبو .. لا انتماء لها.. نقتطع جزءاً من ساقها.. نغرسه، بلا جذور، في أي أرض .. لا يلبث الساق طويلاً حتى تنبت له جذور جديدة .. تنمو من جدي د.. في أرض جديدة .. بلا ماضٍ.. بلا ذاكرة .. لا يلتفت إلى اختلاف الناس حول تسميته.. كاوايان في الفلبين.. خيزران في الكويت .. أو بامبو في أماكن أخرى ...

والثانية: في الصفحة 383 يعبر عن نفس الإحساس بموطن أبيه يقول (شعرت فجأة أن هذا المكان ليس مكاني، وأنني كنت مخطئاً لا بد حين حسبت ساق البامبو يضرب جذوره في كل مكان)

عنوان الرواية إذن ورد مرتين مرتبطا بنفس الإحساس، وإن اختلفت الأمكنة الجغرافية ( الفليبين/ الكويت) والأمكنة القرائية داخل الرواية (بداية الرواية / نهاية الرواية)

وكذلك كانت العناوين بين دفتي الكتاب تبدو حبلى بالإيحاءات والدلالات: ويكفي أن يقرأ القارئ – مسلما كان أو غير مسلم - عناوين مثل (عيسى قبل الميلاد، وعيسى بعد الميلاد) ليتناسل أمامه ما يكفي من الدلالات الدينية الثقافية والتاريخية ونحن هنا في مقال قصير لا يستوعب الوقوف عند كل دلالات العناوين وإيحاءاتها...

وعند الغوص في تفاصيل متن الرواية يلاحظ أنها تتناول موضوعا هاما بالنسبة لدول الخليج يشكل وصمة عار لكل من يسمع عن مواطنين من الدرجة الثانية، أو مواطنين دون أن يكون لهم الحق في الانتساب لوطنهم.. بالإضافة إلى انفتاح الرواية على مركزية أخرى تحوم حول التيمة المركزية كتيمات الجنس الهوية، الثقافة،السياسة، النظر للآخر، الدين ....

إن الرواية جعلت من البحث عن الهوية تيميتها المركزية من خلال سيرة السارد عيسى الذي كان نتيجة زواج مختلط بين الكويتي راشد الطاروف والفيليبنية جوزافين بنت مندوزا .. مما طوح بالابن في مسار حياة يعج بالتناقضات: جغرافيا( بين الكويت والفيلبين) دينيا (بين المسيحية، البوذية والإسلام) فكريا (بين التحرر والمحافظة) اقتصاديا (بين الفقر والغنى)، اسما (بين عيسى، هوزيه) ... بأسلوب مبني على التقابل بين النقيضين، بعيد عن التعقيد والخيال، ينحو إلى تعميق البسيط، والنبش في المسكوت عنه في هوية الخليجي والكويتي خاصة..

اتخذ المبنى الحكائي لأحداث الرواية مبنى دائريا . إذ انتهت الرواية بعد مسار طويل إلى نقطة النهاية: انتهت بنفس فقرة البداية (اسمي jose هكذا يكتب، ننطقه في الفيليبين،كما في الإنجليزية هوزيه. وفي العربية يصبح،كما في الإسبانية خوسيه، وفي البرتغالية يكتب بالحروف ذاتها ولكنه ينطق جوزيه،أما هنا في الكويت فلا شأن لكل تلك الأسماء باسمي حيث هو عيسى ...!)

بداية ونهاية متشابهتان، تجمع بينهما معاناة أسر وأشخاص مع الهوية في الكويت: فالرواية تختزل قصة شاب ولد من خادمة فليبينيّة (جوزافين) التحقت خادمة لدى عائلة كويتيّة تنحدر من أصول عريقة في البلد ؛ مكونة من أم (غنيمة) لها ثلاث بنات (عواطف نورية وهند) وابن وحيد هو المعول عليه في الاحتفاظ باسم العائلة واستمرار نسلها، أحب هذا الشاب فتاة كويتية جامعية، لكن أمه اعترضت ورفضت زواج ابنها الوحيد من الفتاة التي اختارها قلبه بدعوى أنها لا تناسب العائلة.. وأمام الفراغ العاطفي الذي وجد نفسه فيه وهو الإنسان المثقف، كانت كل الظروف مهيأة ليدخل في تجربة عاطفية مع الخادمة، انتهت بزواج عرفي موثق نتج عنه حمل، في محاولة لوضع الأم أمام الأمر الواقع، وعلى الرغم من كون الواقع لا يرتفع، فإن الأم (غنيمة) أصرت على إجهاض هذا الزواج، وأصرت على ضرورة تخلي الزوج عن زوجته وابنه، ومحاولة إسكات الأم بما تريد من المال، أو نسبة الابن لأحد الخدم من الرجال.وإغراء راشد بتحقيق كل طلباته بما فيها تزويجه بمن يحب قالت له الأم: (فتاة الجامعة .. تلك .. أخطبها لك .. يوم غذ لو أحببت..) ص 44 محاولة إقناعه بكون الاعتراف بالوليد يشكل وصمة عار للأسرة في مجتمع محافظ أبناؤه معروفون .. وأمام إصرار راشد على الاحتفاظ بزوجته وابنه ( لن تسافر وهي تحمل قطعة مني ..) اضطرت الأم (غنيمة ) إلى طردهما من البيت: (أخرج من بيتي.. خذ هذه السافلة .. وكتب المجانين التي أفسدت عقلك ..)

كان شهما، اكترى شقة صغيرة، وبقي إلى جانب زوجته إلى أن أنجبت عيسى، وساعدهما على العودة لوطنها الفلبين، ليعيش البطل "هوزيه" أو "عيسى" في مانيلا عاصمة الفلبين حياة فقيرة بين أفراد أسرة معظمها لقطاء على أمل أن يعود يوما إلى موطن أبيه الجنّة (الكويت) على حد وصف أمه فكانت حياته هناك مرحلة انتظار وبحث عن الذات والهوية فاختلطت عليه الأوراق ولم يعد يعرف لنفسه اسما واحدا. ولا ديانة واحدة ولا وطنا واحدا .. في أسرة شبه مفككة: الجد (مندوزا) لا يعرف أصله مهووس بمصارعة الديكة مستعد لصرف كل ما يملك من أجلها ولو دفع بناته للدعارة، أم سافرت للخليج من أجل تأمين مصاريف الحياة.. خالة من بائعات الهوى.. وحتى ميرلا ابنة خالته – التي لا تعرف أباها الأوروبي - والتي تعلق بها اكتشف أن الدين في الفيليبين يمنع زواجهما .. ويزداد حرصه على البحث عن جذوره الكويتية من خلال ترصد الكويتيين في الفليبين لينتهي به البحث إلى اكتشاف أن والده قد فارق الحياة بعد أسره في حرب الخليج عقب غزو العراق للكويت ... يتحقق حلمه وحلم أسرته الفيليبينية .. ويتمكن من العودة إلى الكويت بتدخل من غسان صديق والده .. ويجد نفسه في عالم مختلف تماما عما كان يحلم به،

وقد نجح السارد في جعل ظروف العودة مؤشرا على أن هذه العودة لن تكون وفق ما حلم به عيسى، فقد أعاده إلى الكويت يوم وفاة أمير البلاد .. وسجنه في شقة غسان ما يزيد عن الشهر .. ورغم شعور الجدة بقرب اندثار اسم الطاروف فإن ذلك لم يشفع لعيسى، وظلت الجدة على موقفها جاحدة رافضة انضمامه للعائلة وإن كانت تكنّ له في أعماقها حبا وهو الذي يذكرها بابنها الوحيد .. لذلك اختارت له منزلة بين المنزلتين: أعلى من مرتبة الإنكار ودون مرتبة الاعتراف ما دام للأعراف والتقاليد في الكويت سلطتها.. فرتبت له غرفة في ملحق البيت كالخدم .. بعد اختلاف عماته بين المؤيدة للاعتراف به (هند)، والداعية إلى إرجاعه إلى موطن أمه (نورية) والتي لا موقف لها (عواطف)، ويتم تغليب فكر الاحتفاظ به قريبا من الأسرة بعد اكتشاف أن له أختا من أبيه اسمها خولة، كان لها دورا إيجابيا في حياته استغلها السارد ف

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 2831 المصادف: 2014-06-06 00:39:43