المثقف - قراءات نقدية

المقامات الزاحمية في أزمنة الحرامية

saleh altaeiإيصال المعلومة إلى المتلقي نحى منحى الترغيب والترهيب عبر التاريخ، ولذا تنوعت أساليبه وطرائق تقديمه، فولدت الحكاية والقصة والقصيدة والمقال والخبر المذاع وغيرها، لكن زاحم جهاد تجاوز كل التقليد المعروف، وكل ما ركن على الرفوف، وحتى المقلي والمسكوف، ليرينا الحتوف، ويدخلنا معه دنيا الغرابة والخوف، في عالم المقامة، ويأخذنا بالأحلام لا بالحقيقة إلى أرض نجد وتهامة، وقد اختار زاحم جهاد المقامة لتكون وسيلته في بث الاستقامة عند الخاصة والعامة.

والمقامة فن ولد في زمن البطر العربي، زمن الكرش المحشى والرأس المنتشي، ليؤشر مواطن المتعة والخطر بين الفقر والبطر، ثم مات من كثرة الأزمات، أو ذهب في سبات، إلى أن جاء زاحم جهاد، فحمل سيف الجهاد بتحد وعناد؛ ليعيده إلى الحياة أو ينقذه من بين الصحوة والممات، ليلبسه ثوبا جديدا ويصبح في بنائه وحيدا فريدا، لا يدانيه فارس، ولا يوقفه حابس، محكما مقولبا كما هي المحابس، وصار في دنياه سيد الفوارس يحلق كالنوارس

المقامة لغة: المجلس، وهي فن من فنون الأدب العربي السردي المسجوع المطعم أحياناً بالشعر، تدخل المقامة ضمن فن الفكاهة الهادفة الساخرة، أو ما يعرف بالكوميديا السوداء، وهدفها الأساس: إما تعليم الفتية أصول اللغة، وتدريبهم على القدرة على النظم وفن القول، أو للاعتراض على المسكوت عنه، الذي يوجع النفس، ويتم الحديث عنه بالهمس. تبنى المقامة عادة من خلال التفنن في الإنشاء، والاهتمام باللفظ والأناقة اللغوية وجمال الأسلوب والمحسنات اللفظية والبديعية.

وللمقامة ثلاثة أركان بنائية لا تكتمل المقامة إلا بوجودها، هي:

الراوي: الذي يتكرر اسمه عادة، وهو عند الهمداني عيسى بن هشام وعند الحريري الحارث بن همام، وعند زاحم جهاد عبد الله بن بهلول.

البطل: وهو مثل الراوي يتكرر دوره في المقامات، وعلى لسانه يدور محور المقامة، وهو عند الهمداني أبو الفتح الأسكندري، وعند الحريري أبو زيد السروجي.

النكتة: ولكل مقامة نكتة توصل من خلالها وعن طريق البطل الفكرة المطلوب إيصالها.

يعتمد بناء المقامة وأسلوبها على السجع عادة، مع توظيف مكثف للمحسنات البديعية كالطباق والجناس، فضلا عن التهويل في استخدام الكنايات والاستعارات والتزويق، فضلا عن توظيف غريب اللغة ونادر الاشتقاقات، بما يدعو إلى الإغراق في الصنعة إلى درجة التكلف الشديد، ولكنها بالرغم من ذلك تبدو كحجر المغناطيس تجتذب إليها كل الأصناف من حديد أو نحاس أو خشب صفصاف، ولاسيما من اكتملت به الأوصاف وأصبح من سكان عالمها الضعاف.

وأن تجد المقامة في عالمنا المزدحم المملوء بالضجيج مكانا لها، ثم تجد من يتابعها، ويهتم لشأنها، ويشتاق إلى متابعتها، فتلك ليست مؤثرات الموروث القديم من زمن السلاطين والحريم؛ بقدر كونها تلبية لاحتياجات نفوسنا التي نشعر أنها محاصرة من كل الجهات في عالم من المتاهات.

وفي عالم مثل هذا الذي نعيش مأساته لا شيء أكثر إمتاعا من أن يتسكع المرء في عوالم مسكونة بالدهشة، ومملوءة بالحكمة والوحشة، وغاصة بالسخرية والفطرية والسذاجة والتورية واللجاجة والأحجية، وكل ما عثر عليه الأولون من طباق وجناس وانطلاق واحتباس، ليكتشف بعد فوات الوفيات أنه يمخر عباب نهر هائج مائج، متلاطم الأمواج، منتفخ الأوداج، يُجذف عكس التيار في زورق من نار، لا يجد منه فرار، مخروم الجوانب منتوف الحواجب، تنفذ إليه السهام من كل صوب، وتأتيه الرياح من كل حدب، وتقوده الأيام في أصعب درب، وهو منهك القوى، خائر العزيمة، ضعيف الشكيمة، ولكنه مملوء بالإصرار والتحدي إلى درجة الانصهار، ليتحول إلى كائن تجتمع فيه كل نقائض وتناقضات الدنيا ، في عالمه المسكون بالآهة والوحشة والوحدة والوجع، وقليل من بقايا فرح قديم، عديم الملامح، غائر القسمات، فاقد البسمات، يعاني الشتات.

إن التسكع في عوالم زاحم جهاد يصيب الإنسان بالخور والإعياء، فيتحول إلى كائن من طين وماء، يبدو من شدة دهشته وكأنه يبحث من بين كل الأشياء عن إبرة في كومة قش في ليل مظلم لا يهش به ولا ينش، وذلك لأن زاحم جهاد وظف كل تجربته الحسية وخبرته الحياتية وقواه العقلية في عمل من صنف الأعمال الفنطازية، أطلق عليه اسم (مقامات معاصرة) ودفعنا عنوة لخوض غمراته والتدافع في لجج حيثياته بحثا عن أنفسنا، وعن أصدقاء تربطنا بهم متعة الفكر المضنية، وعيش اللحظات المنسية، والذكريات المطوية، حيث وجدتني في الصفحة الثامنة والتسعين أنا والثريد، دون أن أبحث عن مزيد، أو أعرف ما أريد، ووجدت فيما وجدت الصديق الدكتور بهجت عباس هو والشكوى، والأخت والزميلة الدكتورة هناء القاضي هي وعسل المظ، والأخوين العزيزين يحيى السماوي وسلام كاظم فرج هما والنسج والحلج، والأخ الأديب عبد الستار نور علي هو ومأساة الكرد الفيلية، والصديق الطيب عبد الفتاح المطلبي هو والمطلبية، والزميلة ياسمينة حسيبي هي والآبدة، وشاعر البجع سامي العامري هو وأطواق البركة، والزميلة سلوى فرح هي وعيد الميلاد، والأخ موسى فرج هو وحطاط المسموط، والصديق عمار المطلبي هو والكرسي، والصديق جواد كاظم غلوم هو وسلام الرحمانية، والزميلة ميادة أبو شنب هي والشقشقة، ووجدت آخرين لم يسعفني الحظ بالتعرف عليهم من قبل، ولم يكونوا معنا في جلسة المسموطة أو الثريد، ولكني شعرت بهم وكأني أعرفهم منذ زمن طويل.

كانت بداية اطلاعي على مقامات زاحم جهاد بعد المقامة التي كتبها يصف بها ومن خلالها جلسة المسموطة التي جمعتنا في بيت الأخ والصديق العزيز الأستاذ موسى فرج في السماوة العزيزة، وقد دهشت من قدرته على التلاعب بالكلمات والجمل، ودهشت من حجم خزينه اللغوي؛ الذي أمده بكلمات وجدتها غريبة عن العربية، ولكن بعد البحث عنها في قواميس اللغة؛ بدت عربية خالصة، ثم تكررت كتابة المقامات إلى أن جمعتنا سفرة المثرودة في بيتي المتواضع، لتولد من خلالها مقامة (مثرود الطائي) التي تأخرت ولادتها حينا من الدهر، ثم لما تذكرها جاءت رائعة موشاة، وفي خاتمتها اعتذار جميل عن التأخير، قال فيه: "لذلك فإن القلب في هم وكنود، والعقل في شرود أو ركود، لم أتبلدح ولكني نسيت عهودي، وتأخرت عن انجاز وعودي بالكتابة عن المثرود، جعل الله رزقك بالممدود، وأبعدك عن ثمود"[ص100] بعد ذلك رجوته أكثر من مرة أن يبادر إلى جمع المقامات في كتاب، لكي تأخذ مكانها بين النتاج الأدبي المعاصر، لأفاجأ اليوم بالأخ صالح مطروح رئيس اتحاد الأدباء السابق في واسط؛ وهو يحمل لي نسخة من كتاب أخبرني بأنه هدية من زاحم جهاد، وحينما فتحت الظرف وجدت (مقامات معاصرة) بحلة قشيبة، ففرحت بها أشد الفرح:

لأن المقامات تحولت إلى مطبوع جميل جدا سيأخذ مكانه في المكتبة العربية.

ولأن مقامة المثرودة التي تخصني وهي من بطولتي؛ كانت من ضمن الكتاب.

ولأن زاحم جهاد تذكرني وأرسل لي إحدى النسخ هدية ولا أغلى.

ولأن مشاغل زاحم الكثيرة وكثرة أسفاره بين البصرة وبغداد؛ لم تأخذه من عالم الأدب ودنيا المقامات.

وقد دفعني الفرح الغامر لأجلس، وأقرأ كل المقامات دفعة واحدة، وأكتب عنها هذا الموضوع بدون مقدمات في جلسة واحدة، حوت المتعة والفائدة، لممت من خلالها بالشاردة والواردة، ولم تبد معاندة، فأرسلته إلى النشر والتوثيق دون تجميل أو تزويق وأنا أبلع الريق خوف مقامات الصديق.

 

صالح الطائي

بغداد المنصورة أبدا

6/6/2014

المشاركون في هذه المحادثة

تعليقات (4)

This comment was minimized by the moderator on the site

الكاتب والباحث الكبير
لقد نطقت الحقيقة والصواب , باستخراج صنف ادبي كاد ان يندثر في سلة المهملات , ويكون سلاح فعال لمحاربة شوائب الزمن الاسود , ويتحول من صنف ادبي للبطرانين , الى صنف ادبي معاصر , للذين يبحثون عن روح الوطن , ويقف على الجراح التي توجع الوطن , ان ابدع ( زاحم جهاد مطر ) فاق الاعجاب ومزق والمحظور , ان المقامة الادبية تلبس رداءها الجديد والحديث , على يد صانعها ورائدها الاديب القدير زاحم جهاد مطر , وانه فتح الباب للاخرين ان يقتحموا هذا الفن الصعب .
اتمنى لكم الموفقية والصحة والعمر الطويل

جمعة عبدالله
This comment was minimized by the moderator on the site

صالح الطائي
كيف يمكن لتلميذ يوفي حق استاذه الذي علمه ثم مرنه و مرسه و تابعه و قومه وقيمه ثم بعد ذلك اكرمه بهذا الكرم الطائيي الباذخ.
اي كلم اختاره لاشكرك وقد اخترت الاجمل ؛ واي حرف احسان اختاره وقد اخترت الارق و الاروع.
هل اصف لك شعوري استاذي؟؟ اعذرني لا استطيع لانك اكبر من ومن حروفي. و كرمك اعظم من كلمات الممنونية و الشكر؟ اعذرني با ابن الكرم و الطيب و الفضل ان عجزت و عجز لساني و قلمي.
وان كنت اعتز بشيء في حياتي و افتخر به هو وجودي و ترعرعي بينكم ايها الاحبة فانتم اصحاب الفضل في الارشاد و التقويم و التقييم في صحيفتنا المجاهدة وروادها المخلصين الباحثين عن الحروف الاصيلة.
الفضل للمدرسة الثقافية التي ترعى و ترشد وتعلم وتوجه من خلال المبدعين من امثالكم
فانا و الاخرون نتاج عملكم المخلص و الواعي.
سيدي
اقف كتلميذ صغير امام استاذه و معلمه و مؤدبه و مرشده خجلا و جلا و رهبة و احتراما.
لك الصحة الدائمة و العمر المديد.
تقبل احتراماتي و شكري الذي لا ينقطع

زاحم جهاد مطر
This comment was minimized by the moderator on the site

أخي الكريم الأستاذ جمعة عبد الله المحترم
تحية طيبة
الذي اعتقده أن السخرية فن وليد المأساة ولذا تمتاز الشعوب المضطهدة بروح السخرية ربما لأنها تعتقد أنها وصلت إلى حالة ميئوس منها ولا حال أسوا منها، ولذا تتهكم على واقعها بالسخرية المليئة بالوجع والآهة كما هو الشعب المصري.
أما المقامة التي ولدت في العصر العباسي فقد جاءت في نفس السياق يوم انقسم المجتمع إلى قسمين غني بطران وفقير جوعان، ثم اختفت من حياتنا ربما لأنها تحتاج إلى جهد خاص وصنعة فنية عالية يعجز عن الإتيان بها من لا يلم بفنون اللغة وشواردها وطباقها وجناسها، ومن هنا جاءت دهشتي وتعجبي من تحمل الأخ والصديق زاحم جهاد هذه المهمة الصعبة والتي تبدو مستحيلة للبعض، ليس هذا فحسب بل وبروزه فيها كواحد من أفضل المهتمين بها والمجيدين لخلقها، وأعتقد أنك تابعت بعض مقاماته على صحيفة المثقف.
الجميل في زاحم انه يصور اللحظة بالكلمة الغريبة كما في تصويره لليوم الذي جمع ثلة كبيرة من المثقفين في داري المتواضعة وغيرها من المقامات التي احتواها الكتاب الرائع ولذا أرى ان يوجه الشكر له لا لغيره لنه هو المبدع المتفرد الذي يز الآخرين خلفه بأشواط
خالص تحياتي وودي ومحبتي لك أيها الصديق النبيل

صالح الطائي
This comment was minimized by the moderator on the site

أخي وصديقي الرائع زاحم جهاد المحترم
عفوا أخي النبيل فنحن منكم نتعلم وبكم نكبر ونتقدم
أنت صنعت فنا معجزا، يستحق الإشادة والتقدير، وما ذكرته في موضوعي البسيط لا يفيك حقك مطلقا، فلماذا هذا التواضع وأنت شيخ كتاب المقامة، كنت ولا زلت وستبقى مرفوع الهامة، تأتي بكل جميل وتصنع المستحيل، فتقبل تحياتي أيها الأديب الجميل، وخالص اشتياقي لشخصك النبيل بعد أن صار اللقاء شبه مستحيل في بلد اختلط فيه المدغوش بالأصيل، وفجر وبغى وعاظ سلاطينه، وكأنهم ينتظرون طائرا يرميهم بحجارة من سجيل.
دمت متألقا مبدعا ممتعا بكل جديد تأتي به
وعسى أن تجمعنا الأيام في ظل ملتقى المثقف الذي تكور وتقفف بسبب الهجر والنسيان وهذا ديدن الإنسان في الرفاه والحرمان

صالح الطائي
لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 2832 المصادف: 2014-06-07 05:34:18