المثقف - قراءات نقدية

سعد جاسم يُضئُ ذاكرة وطن .. قراءة نقدية في قصيدة "عراقُ الروح ...عراقُ الله"

nema alsodaniهكذا يؤثث الشاعرالمكلوم النص وفضاءاته بصور شعرية تتكيء على ألالم والمعاناة منذ العتبة الاولى التي تؤشر لنا العنوان

(عراق الروح ..عراق الله) متداخلاً في جدلية الصورة واللغة الشعرية

سعد جاسم من الشعراء الذين ينتمون الى عالم المسرح !

حينما قرأت هذا النص توقفت عند عتباته المهمة من حيث التشكيل في الصورة والسينوغرافيا والالوان واللغة والمشاعر من جهة،، والابداع والتألق والانطلاق في عالم كتابة الشعر وهو المتخصص ايضا في هذا المجال من جهة اخرى !!

شاعر يحمل الشعور الفادح بالالم والقهر على اقل تقدير في هذه الملحمة (عراق الروح .. عراق الله) بسبب انهيار مايراه امامه من تساقط في اوراق الحياة كمؤشرعتاب الى الله اكتوى به هو والوطن، وما افرزته الاوضاع من مأساة !

نص يرسم للواقع لوحات برؤى احلام واقعية وخيال مبدع مبتكر للتصوير،حيث بين الواقع والسريالية مرارة كانها قهوة العراقيين كما ذكر لي احد الادباء العراقيين هذا المصطلح الرائد .

شاعر يتبع منحنى مختلفاً خاصا به وبتجربته الشعرية، فهو حينا يضع حروفه ليسجل مشاعرَ فوق ورقة بيضاء كما هو يصف القميص، كانها قطرات دم قلب قد نزف، وهو لم يبالغ في تحميل الصورة ابدا .. فهو المشوق والمحب للوطن وهو العاشق الابدي له:

 

كلَّما أتذكّرُكَ

يرتبكُ دمي

وأصابعي تُصابُ بالإرتجافِ والذهولِ

وتَغصُّ حنجرتي بالحشرجةِ

أو بالسكوتِ المُر

وتسقطُ من قلبي

دمعةُ دمٍ

تُبَقّعُ وجهَ قميصي

فيتجعّدُ من فرطِ التذكّرِ

والأسى والحنين

 

يتكأ على ذاكرة لها ابعاد ماضوية يسود فيها الجمال والحب والسلام والوئام والمحبة، ذاكرة تحمل اشراقات الجمال والوعي واللغة وبنائها، والتعبير، بينما المرايا اليوم تعكس له لغة جديدة لم يسمعها من قبل، لم يألفها، فراح يحاكي الوطن بكل التفاصيل اليومية : وجع الوطن كبير جداً :

 

وكُلّما أحتاجُكَ

يضئُ وجهُكَ

في مرايا ذاكرتي

وروائحُ خبزِكَ

وطلعِكَ

وبنفسجِكَ

وقيمرِكَ

ورازقيِّكَ

وعنبرِكَ

وطينكَ الحنون ..

لغة الشاعر سعد جاسم تتميز بالدلالات المتغيرة (غير ثابته) لوصف الصورة التي تتشابك في ذهنه وخياله، وتعصف لنا صورا شعرية متحركة ..لان الصورة الشعرية و بحجم الشاعرية التي تحملها تكون جوهراً للشعر، كما هي روح القصيدة التي تمتد من اول عتبة الى اخرعتبة لتثبت للقارئ الصلة بين الواقع والتأثير المهم جداً، لذلك تأتي الصور قوية ! كل مفردة لها خصوصية في حواس القارئ وشعوره،لأن فن الصورة مرتبط بمفهوم الفن لدى الشاعر والفنان سعد جاسم !

والناقد بطبيعة الحال يبحث عن الجمالي في الصورة وعن التجربة الفنية والحالة النفسية للشاعر --الفنان الذي يجمع كل الاشياء في

(غروتسك) فني يحمل الجمال والقبح في ان واحد !

دائماً تفوحُ

من مساماتِ روحي

ومن جِلْدي الترابيِّ البسيط

وكُلّما اختنقتُ إشتياقاً إليكَ

وضاقَ بيَ الهواءُ

وأشتعلَ حنيني

وايضا يبحث الناقد في مستويات الشاعر المتميز من حيث كيفية تجددالصورة ونشاتها في فكره وخياله وعكسها للقاريء لان الحواس وحدها غير كافية بتوصيل ما نصبو اليه، بالاضافة الى بحثه عن الانزياح اللغوي وتحديث اللغة عند الشاعر، وبين الذاتية والموضوعية نتوقف كثيرا، لأن حجم الشاعرية والانزياح اللغوي، وتشكيل الصورة الجديدة، وسعة الخيال والمخيلة وسائل نكتشف بها معايير مهمة لجمالية الصورة الشعرية عند اي شاعر، وهي بصراحة مفاتيح للناقد مهمة لتفكيك اي نص شعري، حتى نصل الى جوهر النص وجمالياته الفنية !

الشاعر سعد جاسم لم يات بالصدفة ابدا انما هو ثمار تجارب عديدة حاولت ان تمزقه لكنه كان قوياً من الداخل، حيث يمتلك الذائقة الشعرية ليبوح يتكلم يصرخ، له الشغف الكبير والمعرفة في حب الوطن، لذلك جعل اهتمامه في الشعر في قلب اهتماماته ! وجعله صوته المنحدر من اي مكان يسكنه صوب الوطن .. وليس صدى .

الصوت والكلمة والطاقة التي يمتلكها الشاعر ضمان كبير في تركيبة الصورة وانعكاسا لحياته، وبنفس الوقت انعكاس لمفهوم المكان -الوطن - لان الزمان ماعاد يشكل شيئاً الآن .. فالذاكرة تعتمد المكان اولا ًثم تخوض في الازمنة لاحقاً لتثبت من قبل الاسماء كدلالات معروفة للقاصي والداني، ومن اهتم بشأن الادب والتاريخ . وهذا التقابل الفني بين واقع الشعر المعيش وبين ركام التاريخ يؤسس لوعي ولاحساس الشاعر في فكره ووجدانه بحب الوطن ومتابعة معاناة الناس . كما هنا في صرخته التي تبحث عن الحرية كموقف مشرف له في غربته المؤلمة :

أصيحُ:

حيثُ لامدى يتّسعُ لصيحتي ولوعتي

وجنوني فيكَ وعليكْ

عراق:

ع : عينٌ تتوهجُ فيها صورتُك القديمة

وأنتَ أخضرٌ ومعافى ورهيف

ر- روحٌ تتلالأُ بضوءِ مسلّاتِ الحكمةِ

ورقيماتِ الحرفِ الأولِ

وفتنةِ الجنائنِ الأرضيةِ وملاحمِ البسالاتِ

وإنوثةِ عشتاراتِ الخصبِ والحبِّ والمسرّاتِ

وأنوارِ حكمائِكَ وفرسانِكَ وشعرائِكَ وفنانيكَ ومُحاربيكَ ورواتِكَ

وقُضاتِكَ ومزارعيكَ ومعلميكَ النبلاء.

ا : آه منكَ وعليكَ .. ماأبهاكَ وأغلاكَ

وماأقساكَ أيها الملعونُ الجميل ..

ق: قلقي عليكَ وقلبي معكَ

حتى وأنتَ تطردُني وتقتلُني

وترميني الى الغامضِ والمجهول

لكنني وبلهفةِ المعشوقِ

أبقى عاشِقُكَ

ودمي رهانُكَ وقربانُكَ

ونهرُ خلاصِكَ الابدي ..

نص شعري تتدفق منه مشاعر خليطة من قوتين اساسيتين هما الفكر الانساني الذي يحمله الشاعر ونبضات قلب حساس رهيف شفاف، يشكلان قوة نابضة في دعائم النص، وهما في نفس الوقت الجسر الذي يعبر به الشاعر الى الانسان القاريء وبالتالي يضيف تفاعلاً عضوياً في المجتمع، وبالمحصلة يتحول النص الى ثمرة جميلة فيها من التكامل الروحي والانساني .. وتسكن في مخيلة القاري ويتدفأ بها وباحضانها ! كعاشقة، كحبيبة ! كمعشوقة،، كمعشوق ! فالنص يسري على المذكر والمؤنث بنفس التوجهات، لان الجميع يعيش داخل الاسوار:

ياأنتَ ياأغنيتي الأسيانة

وبيتَ أمي وأبي الحزين

وحبيبتي الأولى

وإخوتي وأخواتيَ الخجولاتِ

وأصدقائي الحائرين

الضائعين النازفين لأنَّكَ معضلتُهم وجوهرُ الأسبابِ

وإلتباساتُ ومآربُ البرابرةِ واللصوصِ

والخونةِ والعاهراتِ وحكّامِ الغفلةِ

والطوائفِ والكراهيةِ والقسوةِ السوداء

يااه ياأنتَ ياقبرنا الأخير

يااه ياأنتَ يافردوسنا الوحيد

يااه ياعراق ..

شاعر بالرغم من مرارة الغربة والابتعاد عن الوطن الا انه مازال مرتبط في التعبير عن الالتزام بقضايا الوطن والفكر، مواكبا للتطورات التي حدثت في السنين الاخيرة بما رافقها من ماساة كبيرة كان لايرجوها ابدا .. الا انه وحسبه كان يكتشف في مفرداته غايات تجول في خطابه وطاقته التعبيريةعن حبه في جوانياته وبرانياته . يحمل هم الوطن انى رحل وانى حل . ولهذه الخاصية مرارة لايلعقها الا من رضع حب الوطن من ثدي امه عند غربته التي تمثل الموت والفقدان لانه تربى داخل تقاليد شعرية اسس لها في وطنه وامتدت مع جسور الغربة. وفي كل المناسبات يسأل عن الوطن الذبيح ! كما هنا في هذه الصور:

أصيحُ فيكَ وأُناديكَ

وأنا أحتضرُ

أو أحلمُ

أو أعشقُ

أو أثملُ

أو أغني مجروحاً

أو مجنوناً ونشواناً

فيضجُّ العالمُ كلُّهُ

بالعطرِ والهديلِ

والغناءِ الحرِّ

وأدعيةِ الامهاتِ

الصابراتِ

النازفاتِ

النائحاتِ

الحالماتِ

الصائحاتِ فيكَ وعليكَ

ياعراق ..

فهلْ أنتَ حيٌّ

وحقيقيٌّ

وكريمٌ

ونبيلٌ

وطيّبٌ

كما نريدُك ونحتاجُكَ ونحبُّكَ؟

 

وانا هنا بصراحة لا اتساهل في مسؤولية الكتابة النقدية من حيث المحاباة في الاصدقاء، كوني ولسبب بسيط لااعرف الشاعر --الفنان المسرحي سعد جاسم عن قرب ابدا .. انما اعرفه عن بعد لمتابعتي اعماله الشعرية وما يكتب بالفن والادب وهذا من تخصصي انا ! وقد استحوذ علي هذا النص لان اسجل له ما يستحق من حق واستحقاق وكنشاط ابداعي له ولتجربته الشعرية وفي اصداراته المتعددة وهو ابن العراق ابن الشعر وابن السرد والحكايا ومكامن الوعي الجمالي في العلاقة بين السحر في اللغة والشعر وما بينهما من انتاج للوعي المتجدد في فضاء وروح سعد جاسم !

وآهْ

-ياعراقي

ياعراقَهم

ياعراقَ الخليقةِ

ياعراقَ اللهْ

 

2014-6-11

نعمة السوداني

شاعر وناقد عراقي- هولندا

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 2847 المصادف: 2014-06-22 03:11:52