المثقف - قراءات نقدية

المونودراما فرجة شاملة بصيغة المفرد

jamil hamdaouiتوطئة: عرف مسرحنا العربي مجموعة من الأشكال التعبيرية، مثل: مسرح الحلقة، والمسرح الدرامي، والمسرح الملحمي، والمسرح التاريخي، والمسرح التوثيقي، والكوميديا السوداء، والمسرح الكلاسيكي، والمسرح التجريبي، والمسرح الغنائي، والمسرح الفطري، ومسرح وان مان شاو، وغيرها من الأشكال المسرحية التي توسل بها للتعبير عن الذات والموضوع معا.

هذا، وتعد المونودراما من أهم الأشكال المسرحية التي استعملها على مستوى الكتابة والتشخيص والإخراج، وتعتمد على الممثل الواحد، والفرجة الشاملة والمتكاملة فنيا ودراميا. ويحيل هذا النوع من المسرح على دراما الممثل الواحد أو ما يسمى أيضا بالمسرح الفردي. وقد تعرف المسرحيون العرب هذا الشكل عن طريق الاحتكاك الثقافي بالغرب، وفعل الترجمة، والاطلاع على الكتابات والعروض المنودرامية الغربية، وكذلك عن طريق الدراسة في معاهد الغرب وجامعاته، مع تطوير التجارب الفردية الفطرية التي توجد في موروثنا العربي القديم (مسرح الحلقة نموذجا). وبعد ذلك، انتشرت المونودراما في الوطن العربي انتشارا كبيرا منذ سنوات السبعين من القرن العشرين.إذاً، ما المونودراما؟ وما مقوماتها الفنية والجمالية؟ وما تاريخها الغربي والعربي؟ وما أهم النماذج الممثلة لهذا النوع من المسرح الفردي؟ وما إيجابيات هذه التجربة وسلبياتها؟ تلكم هي الأسئلة التي سوف نحاول رصدها في موضوعنا هذا.

 

تعريـــف المونودراما:

يقصد بالمونودراما (Monodrame) المسرح الفردي، أو مسرح الممثل النجم، أو دراما الممثل الواحد، أو مسرح الشخصية الواحدة. وتعني كلمة مونو (Mono) الواحد أو المفرد الجامع.أما كلمة دراما (drame)، فتعني التمثيل أو المسرح. ودلالة الكلمة المركبة هي مسرح الممثل الواحد. وبالتالي، فهذا المسرح عبارة عن فرجة جامعة بصيغة المفرد، يشبه المنولوج الدرامي في انسيابه المستمر. ومن ثم، فهو يتداخل مع الميم أو المسرح الصامت. كما يتقاطع مع الكوميديا السوداء. ومن ثم، لم يبدأ استعمال مصطلح المونودراما إلا في القرن التاسع عشر الميلادي، مع الشاعر الإنجليزي ألفرد لورد تينيسون (Alfred Lord Tennyson) في مسرحيته (مود /Maud) سنة 1855م.ويعني هذا أنه مصطلح حديث ليس إلا.

ويعرف سمير عبد الرحيم الجلبي المونودراما بأنها" دراما الممثل الواحد، أو المسرحية ذات الشخصية الواحدة المتكاملة العناصر التي يؤديها ممثل واحد أو ممثلة واحدة، ويقدم فيها دورا واحدا، ويتقمص أدورا مختلفة."[1]

وتعرف المونودراما، في معجم أكسفورد كومبانيون (Oxford Companion)، بالصيغة التالية:" مونودراما: (بعض الأحيان تسمى ميلودراما حيث ترافقها موسيقا)، تبلورت هذه المقطوعة القصيرة الفردية لممثل واحد أو لممثلة واحدة مستندة بشخوص صامتة أو بكورس في ألمانيا بين 1773-1780م بواسطة الممثل برانديز"[2]

وقد عرفها حسين علي هارف بأنها المسرحية التي تطرح صوتا دراميا واحدا، وتعتمد على شخصية درامية وحيدة أو مستوحدة على مستوى البناء الفني. ومن ثم،" فهي تعاني أزمة أو عزلة أو اغترابا نفسيا أو اجتماعيا يفرز صراعا داخليا، وتنفرد تلك الشخصية بالجمهور ومساحة الفعل الدرامي شكل (طاغ) لتبوح أو تسرد تجربتها الدرامية وفقا لمنظور أوتوقراطي يعكس أحادية الصوت الموندرامي.وقد تتضمن المسرحية وجود أو دخول شخص أو شخوص ثانوية ذوي دور أو وظيفة هامشية – أو جوقة صامتة أو ناطقة مساندة."[3]

ومن هنا، فالمونودراما هي نوع من المسرح الفردي تمثيلا وكتابة وإخراجا وتأثيثا. وفي بعض الأحيان، يقتصر دور الممثل الفرد على التشخيص دون العمليات الأخرى التي يتكلف بها الأشخاص الآخرون. وبالتالي، فالمونودراما هي التي تقوم على الممثل النجم أو البطل أو الشخصية المحورية، من خلال الاعتماد على مجموعة من الآليات الفنية والجمالية، مثل: آلية التشخيص الفردي، وآلية تكسير الشخصية، وآلية التهجين، وآلية تفريع الحدث، وآلية التنويع، وآلية الاستطراد، وآلية الحكي، وآلية التضمين والتوليد، وآلية الالتفات، وآلية الارتجال، وآلية التقطيع، وآلية التركيب، وآلية الكولاج أوالإلصاق، وآلية البوح والاعتراف، وآلية النقد والتعرية، وآلية التجربة الشعورية الموحدة، وآلية الفرجة الشاملة...

وعليه، يرتبط المسرح المونودرارمي بشخصية واحدة.بمعنى أن الممثل الواحد، في المونودراما، هو ممثل شامل جامع، قد يكتب النص ويؤلفه بكلماته وجسده وخياله، فيرتجله تشخيصا وتمثيلا وأداء، ويقوم بعملية التأثيث والإخراج. وقد يكسر دوره إلى مجموعة من الأدوار الفرعية، ليجسد مجموعة من الشخصيات، بتغيير الصوت أو الرنة أو الكلام أو الملابس أو الإكسسوارات أو التموقع فوق الركح. وقد يشارك، في هذه المسرحية الفردية، ممثلون آخرون إلى جانب الممثل المحوري، بشرط أن " يظلوا صامتين طول العرض وإلا انتفت صفة " المونو" ...بمعنى واحد عن الدراما"[4]، وقد يكون هؤلاء تقنيين مساعدين أو شخصيات مكملة . وقد تتضمن المسرحية الحوارية المتعددة الأطراف منولوجات طويلة تقربها من المنودراما بشكل من الأشكال.

وعليه، " تعتبر المونودراما نوعا مسرحيا يستثمر المونولوج كوحدة متكاملة، ويستخدمه كإطار لتقديم حكاية ما، ويقوم هذا النوع من المسرح على مهارة الممثل في الأداء، فهو يتطلب منه أن يؤدي عدة أدوار في العرض الواحد، ويتقمص حالات متعددة في أمكنة وأزمنة متنوعة، ويوحي بوجود شخصيات أخرى غائبة يتعامل معها، كذلك يتطلب نوعا خاصا من الإخراج يتجسد في البحث عن نقاط ارتكاز للممثل ذات صفات دلالية عالية، ومؤثرات بصرية وسمعية معينة تعينه على الانتقال في الزمان والمكان، ولأن شكل العرض في المونودراما يلفت الانتباه لمتابعة أداء الممثل أكثر من عناصر المسرح الأخرى تعتبر المونودراما التعبير الأمثل عن مسرح النجم."[5]

وهكذا، فالمونودراما هي فرجة شاملة وكاملة بصيغة المفرد.بمعنى أن الممثل الواحد أو الفرد هو الذي يقوم بكل المهام التي يستوجبها العرض المسرحي كتابة، وتشخيصا، وتأثيثا، وإخراجا.

ومن جهة أخرى، تتميز المونودراما عن مسرح وان مان شاو، والكوميديا السوداء، والكوميديا الواقفة (Stand up)، والسكيتش الهزلي... بمقومات فنية وجمالية مميزة سنرصدها في العنصر الموالي.

 

مقومات المونودراما:

تستند المونودراما، على مستوى الكتابة والعرض، إلى مجموعة من المقومات الفنية والمرتكزات الجمالية التي يمكن حصرها في الخصائص التالية:

الممثل الواحد أو الشخصية المونودرامية:تنبني المونودراما على الممثل الواحد أو الشخصية الواحدة. بمعنى أن الممثل هو وحده الذي يقوم بالدور أو بمختلف الأدوار المسرحية داخل العرض الواحد. أما الشخصيات الأخرى، فهي صامتة أو مستحضرة غيابيا أو افتراضيا.أي: إن الممثل الواحد هو الذي يقوم بمجموعة من المواقف المتناقضة أو المتباينة فوق خشبة المسرح، بغية تجسيد الصراع النفسي أو الصراع الخارجي، انطلاقا من الذات المتكلمة أو المرسلة.

 

المونولوج الدرامي: يتحول العرض المسرحي المونودرامي إلى مونولوج طويل، يقوم على الاسترسال والانسياب والاستطراد، وتوظيف السرد والمحكي، وتشغيل تيار الوعي، واستجلاء اللاوعي أو اللاشعور، وفضح الذات وتعريتها، ونقد الواقع نقدا ذاتيا، وممارسة لعبة البوح والاعتراف والاستبطان والهذيان والتداعي الحر، وتوظيف الفلاش باك باسترجاع الذكريات، وإعادة الماضي، والانسياق وراء الأحلام.

 

الحكي أو السرد: يعتبر السرد أو الحكي من أهم الأركان الأساسية في المسرح الفردي؛ لأن الممثل يكسر حواره الداخلي أو المنولوج المسترسل، بسرد حكاية أو حكايات مختلفة ضمن عملية الاستطراد والانسياب لتكسير نمطية الحوار، واستبدالها بقصص وروايات متنوعة، معتمدا في ذلك على تقنية التضمين أو التوليد.بمعنى أن الممثل العارض يستنبط من القصة الأم قصصا فرعية، أو يخرج من قصة رئيسية إلى قصص مستقلة أخرى، ليشد بها انتباه المتفرج إلى الحبكة الدرامية التي يعتمد عليها هذا الفن. وقد يؤثر هذا سلبا على الجانب الدرامي في المسرحية؛ وهذا ما يجعل المونودراما فنا دراميا هجينا، تتداخل فيه الأجناس والأنواع والأنماط الأدبية، مثل: الحوار المسرحي، والشعر، والحكاية، والاعتراف، والنقد، والخطبة...

وأكثر من هذا، تعتمد المونودراما على السرد الدرامي أو الحكي الدرامي، متأثرا في ذلك بالمسرح الملحمي لدى بريخت.وبذلك، يصبح الجمهور واعيا بأحداث العرض، ليس مستلبا أو مندمجا في الفرجة اندماجا سلبيا قائما على التطهير، بل يشارك الممثل في بناء الفرجة الدرامية دلالة وشكلا ووظيفة، مع تقويم مواقفها ومشاهدها وأحداثها من خلال رؤية واقعية انتقادية . ويعني هذا أن المونودراما تقوم بوظيفة التنوير، وليس بوظيفة التطهير القائمة على الخوف وإثارة الرحمة والشفقة، كما يتبين ذلك جليا في المسرح التراجيدي الأرسطي.

 

الفرجة الشاملة: تتميز المونودراما بكونها فرجة شاملة ومتكاملة دراميا، حيث يقدم الممثل عرضه المسرحي بطريقة كلية شاملة، فالممثل هو الذي يكتب المسرحية في مشاهدها وفصولها ولوحاتها ومناظرها، ويخرجها ويشخصها ويؤثثها، ويختار الماكياج المناسب، وينتقي الأزياء والملابس الخاصة بكل مشهد أو موقف درامي.

 

تكسير الشخصية: لايحافظ الممثل الفردي على شخصية نمطية موحدة من بداية العرض المسرحي حتى النهاية، بل ينوع الأدوار الدرامية حسب المواقف والسياقات الاجتماعية والنفسية، فيمثل مختلف الشخصيات التي توجد في المجتمع. ومن ثم، يلبس أقنعة عدة.

 

وحـــدة التجربة النفسية أو الشعورية: وعلى الرغم من تعدد الأدوار والمشاهد والمواقف داخل المونودراما الواحدة، فإن العرض المسرحي يشي بالوحدة الفنية والموضوعية والبنيوية . بمعنى أن الفنان يستعرض مجموعة من المواقف والأدوار المسرحية المستطردة، ضمن تجربة فنية واحدة تتسم بالترابط العضوي، ويتحقق فيها التماسك الدلالي والشعوري والنفسي والبنيوي. وإذا كان كل مشهد في الدراما الملحمية يتميز باستقلالية خاصة على مستوى التحبيك السردي والتخطيب الدرامي، فإن المسرحية الفردية تجربة فنية وجمالية موحدة على مستوى الشعور والوجدان، إذ يمتد خيط الإحباط والفشل والاغتراب والعزلة من بداية المسرحية حتى نهايتها.

 

الارتجال الفردي: يستند المسرح الفردي إلى الارتجال والإبداع الذاتي، كما يظهر ذلك جليا عند ممثل الشارع أو ممثل الحلقة. بمعنى أن الممثل قد لايلتزم بنص ما، بل يخلق نصه ويرتجله بشكل عفوي وتلقائي وطبيعي. بيد أن هناك من الممثلين من يلتزم بالنص مطابقة أو تفسيرا أو إبداعا. وينطلق منه في عرض فرجته الدرامية .لكن حسين علي هارف يرى بأن " الارتجال الذي كان عنصرا من عناصر فن الممثل الواحد في القرون الوسطى، قد تخلت عنه المونودراما الحديثة التي تحولت إلى فن أدبي باعتمادها على الدراما المكتوبة والمخطط لها، مع الإبقاء على مساحة محدودة لاجتهاد الممثل الآني (في الارتجال المنظم) عند مواجهته الجمهور في أثناء العرض المسرحي.[6]"

ومن هنا، يتبين لنا بأن المونودراما تعتمد على الارتجال الفردي، حينما يستبد الممثل بالحوار النفسي الداخلي، قصد تطويعه في سياقات درامية مختلفة ومتنوعة.

 

تعدد الأدوار: يتقمص الممثل الواحد أدوارا متعددة في عرضه المسرحي، ويكسر الشخصية ليتحول إلى شخصيات متعددة ومختلفة.بمعنى أن الممثل يحاكي شخصيات متعددة افتراضا وغيابا واحتمالا وإيهاما، مثل: الممثل العراقي سعيد يونس الذي شخص مسرحية جلجامش، فأدى أدوار مجموعة من شخصيات الملحمة (جلجامش- أنكيدو- البغي- خمبابا-إلخ...)، مستخدما أزياء متعددة وأقنعة مختلفة تمثل شخصيات الملحمة.

 

الصراع النفسي الداخلي: إذا كان المسرح الدرامي العادي يتميز بالصراع الخارجي، كصراع الشخصية مع واقعها أو قدرها، فإن المسرح الفردي يتسم بالصراع النفسي الداخلي، أو بصراع الذات مع نفسها استبطانا وتأملا وبوحا واعترافا وهذيانا وتساميا. ويعني هذا أن الممثل يعبر عن تمزقه الشعوري الداخلي. وبطبيعة الحال، هذا التمزق ناتج عن الصراع الخارجي. ويعني هذا كله غلبة الصراع النفسي على باقي أنماط الصراعات الأخرى: الصراع الخارجي، والصراع الميتافيزيقي، والصراع الاجتماعي... ويمكن أن تتأرجح المونودراما بين الصراع الراكد والصراع المتوثب.

 

غلبة المواضيع الذاتية والنفسية والمأساوية: لقدتناول المسرح الفردي مواضيع وقضايا مختلفة، مثل: المواضيع السياسية والاجتماعية والاقتصادية والتاريخية والثقافية والنفسية والإنسانية. بل انصبت مواضيعه أيضا على القضايا المحلية والجهوية والوطنية والقومية أو قد يتجاوزها إلى ماهو إنساني وكوني. ومن ثم، تشخص المنودراما الذات والموضوع والكتابة المونودرامية نفسها في إطار ما يسمى بالميتاتياترو أو الميتامسرح.

هذا، ومن أهم التيمات التي اهتمت بها المونودراما تيمة الاغتراب، وتيمة الثورة، وتيمة التمرد، وتيمة التحرر، وتيمة البوح والاعتراف، وتيمة النقد وتعرية الذات والواقع معا، وتيمة الجنون، وتيمة الفساد، وتيمة القيم، وتيمة العزلة، وتيمة الاستلاب، وتيمة السخط،... ويعني هذا طغيان التوتر والعزلة والاغتراب على مجرى أحداث المونودراما.

 

التهجين البوليفوني: تستند المونودراما إلى خاصية التهجين على مستوى اللغات، من خلال المزج بين العربية الفصحى والدارجة العامية، واستعمال اللغات الأجنبية، والتأرجح بين لغة الماضي ولغة الحاضر. علاوة على الجمع بين لغة ذاتية وانفعالية مشحونة بالتأزم والانفعال والقلق والتوتر والاضطراب النفسي، ولغة حركية بصرية لتجسيد هذا التأزم النفسي والشعوري والانفعالي. بله عن المزج بين الخطابات والأساليب والأصوات المتحاورة افتراضا واستحضارا، ويقربنا هذا من عمليات الإلصاق والكولاج الدرامي.

 

السرد والدرامية: تجمع المونودراما بين فعل الحكي والتشخيص الدرامي، أو الجمع بين التمثيل الدرامي والسرد الروائي، أو الجمع بين الوظيفتين: السردية والدرامية. بمعنى أن المنودراما قد تتعدى الحوار المونولوجي الفردي إلى استعمال السرد والحكي والقص في ذكر الأحداث. ويعني هذا بوضوح المزج بين القصة والمسرحية.

 

تكسير الإيهام: يهدف المسرح المونودرامي إلى تجاوز التطهير والتمثيل الخارجي الكوكلاني إلى فضح اللعبة المسرحية من خلال المنظور البريختي، عبر تكسير الجدار الرابع، وتغيير الأزياء فوق الخشبة الركحية، وإزالة غشاوة الإيهام والاندماج عند الممثل، من خلال تنويره وتوعيته واستدماجه في العرض المسرحي لانتقاد مضامينه، وتبيان مدلولها، واستكشاف مقاصدها الواعية واللاواعية.

 

شخوصية المنودراما: المنودراما مسرحية شخوصية أكثر مما هي حدثية.أي: إن الشخصية هي التي تقود الأحداث، وتتميز بدورها الدياليكتيكي الفعال من خلال الصراع مع الذات والواقع معا.

بيد أن الشخصية المونودرامية تتميز بضعفها الإنساني. وبالتالي، فهي محبطة ومتأزمة وعاجزة عن إنجاز الفعل بشكله الكامل،وهي كذلك شخصية إشكالية في ترددها بين الذات والواقع، على الرغم من وعيها المتقدم . لذلك، تنساق وراء اللاوعي، والهذيان، والاستبطان، والاستبصار، والتأمل، والجنون، والكابوس، والوهم، والتداعي الحر، والسرد، والاسترسال في الاستذكار والبوح والاعتراف، واستعمال ضمير المتكلم، والمزاوجة بين المنولوج والديالوج، واستخدام البناء المعماري النفسي والشعوري.

وعلى العموم، تتأرجح الشخصية المونودرامية بين الوعي واللاوعي، أو بين الشعور واللاشعور، أو بين التوازن والاضطراب.

 

تداخل الأزمنة وتشابكها: إذا كانت أمكنة المونودراما تتأرجح بين التشخيص الواقعي والبعد الافتراضي السريالي والعجائبي والعبثي، فإن الزمن النفسي هو الطاغي على المونودراما بامتياز.أي: يهيمن الزمن الذي ينطلق من الذات، ويتخذ أبعادا انفعالية ووجدانية وعاطفية وتعبيرية. ومن هنا، تكثرالانحرافات الزمنية أو ما يسمى كذلك بالمونتاج الزماني(استرجاع الماضي، واستشراف المستقبل، ورصد الحاضر)، والاعتماد على الزمن الذاتي النفسي البعيد عن الزمن المنطقي التعاقبي. ومن ثم، فالمنودراما إعادة للماضي وفق الحاضر والمستقبل. ويعني هذا أن زمن المونودراما يوجد في المنطقة الوسطى بين الماضي المعاش والمستقبل المشوش غير المرئي. ويعني هذا كله ارتباط المونودراما بزمن كينونة الشخصية (كما كانت) في صراعها مع الحاضر والمستقبل. كما يسعى الممثل إلى تكسير الزمن السردي بوسائل فنية مثيرة، مثل: استخدام الشاشة، والمرآة، والعاكس، واستخدام الصحف والهاتف والرسائل... وتشغيل سينوغرافيا مساعدة ووظيفية تتلاءم مع المشاهد الفردية.

 

البناء النفسي والشعوري: إذا كانت المشاهد مستقلة في المسرح الملحمي البريختي، ومترابطة ترابطا سببيا ومنطقيا في المسرح الدرامي، فإنها مترابطة شعوريا ونفسيا في المونودراما. بالإضافة إلى هيمنة المنظور الذاتي على المنظور الحدثي الخارجي. ويدل هذا كله على وجود بناء درامي دائري ونفسي مغلق، ينبني على بنية الهذيان وبنية اللاوعي.

وعلى العموم، تذهب نهاد صليحة إلى أن من أهم مرتكزات المسرح الفردي هو التركيز على الممثل الواحد، واستجلاء العزلة التي تفصل البطل عن محيطه الاجتماعي، والتشديد على الكثافة الشعورية الشديدة النابعة من تركيز الحدث الدرامي في شخصية واحدة تلح على وجدان المتفرج طول العرض[7].

وبناء على ماسبق، فالمنودراما هي المسرحية التي توظف الشخصية المغتربة، والمكان الافتراضي، والزمن النفسي الانفعالي، والبناء الدائري، والسرد المشهدي، والمنولوج، والمؤثرات المسرحية الدرامية الصوتية والضوئية الوظيفية ذات الطابع الانفعالي، والارتكاز على خاصية التمسرح من خلال منظور التذويت، والتأرجح بين الماضي والمستقبل (الحلم)، والارتكاز على الفعل غير المكتمل، والعزلة فوق الخشبة، وفقدان الحس النقدي، والاهتمام بالخلاص الفردي على حساب الخلاص الجماعي.

  

المنودراما ومسرح وان مان شاو:

هناك فرق كبير بين المونودراما التي بينا مقوماتها الفنية والجمالية ومسرح وان مان شاو الذي يعتمد على السرد الفكاهي المباشر بصفة خاصة، دون توظيف البعد الدرامي والمسرحي في الفرجة. ومن ثم، فمسرح وان مان شاو أو مسرح وومان شاو one-man-show / one-woman-show بمثابة فرجة درامية هزلية فكاهية وانتقادية، يقوم بعرضها شخص واحد مفرد، سواء أكان ممثلا أم ممثلة، أو كان فنانا وفنانة، من بداية الفرجة المشهدية حتى نهايتها، حيث يحتكر فيها الممثل المقدم حصة العرض كلها لنفسه، دون استدعاء الشخصيات الأخرى، كما يبدو ذلك جليا في المسرح العادي والمألوف.

وقد تستغرق هذه الحصة التقديمية مدة من الزمن في توصيل الرسائل المباشرة وغير المباشرة، بغية تحقيق التواصل بين المؤدي والمتلقي . ومن ثم، يصبح ممثل وان مان شاو مؤلفا وممثلا ومخرجا وسينوغرافيا على حد سواء، فيعتمد في عرضه على العفوية والتلقائية والارتجال، ثم يتأرجح بين خطاب المتعة والفائدة، مع تشغيل الخطاب النقدي في التفاعل مع الراصدين من جمهور الصالة أو قاعة المسرح. ومن هنا، فإن مسرح وان مان شاو في الحقيقة يتموقع بين السكيتش الهزلي والمسرح الفردي. أي إنه يجمع بين الجد والهزل، وبين الكوميديا والتراجيديا.

ومن هنا، يتميز مسرح العارض الواحد(One Man show) بأنه مسرح فكاهي كوميدي، يقدمه شخص واحدفوق خشبة المسرح أو في أي مكان آخر . وغالبا ما يكون هذا المسرح عبارة عنمنولوگات فردية أو حوارات منودرامية ساخرة، تتوجه إلى الجمهور بشكل مباشر، ينتقد فيها العارض المسرحي، بفكاهته المضحكة العادية والمباشرة، واقعه الذاتي والموضوعي.ويعني هذا إذا كانت المونودراما مسرحية جادة بامتياز لتداخل السردي والحواري، فإن مسرح وان مان شاو مسرحية هزلية يغلب عليه السردي كثيرا.

 

عـــوامل ظهـــور المـــونودرامـــا:

يمكن الحديث عن مجموعة من العوامل التي كنت سببا في ظهور المونودراما، منها تطور المسرح الأرسطي الذي تفرع إلى فنون واتجاهات فنية رئيسية مراعاة لسنة التطور، مع أخذه بعين الاعتبار خاصيتي التجريب والـتأصيل. ناهيك عن العوامل الاقتصادية التي تجعل كثيرا من المبدعين يلتجئون إلى المسرح الفردي تفاديا للتكاليف الباهظة التي يستلزمها المسرح على مستوى التأثيث، والسينوغرافيا، ودفع أجور الممثلين في ترحالهم وإقامتهم. علاوة على تأثر المونودراما بالتحليل النفسي الفرويدي والدراسات النفسية التي ركزت كثيرا على اللاوعي، وتأثرا كذلك بالسريالية والرومانسية والتعبيرية.كما تأثرت برواية تيار الوعي لدى جيمس جويس، وكافكا، وفيرجينا وولف، ودون باسوس، وصمويل بيكيت، وجوزيف كونراد... علاوة على تأثرها بالرواية المونولوجية كما لدى مارسيل بروست في روايته(بحثا عن الزمن الضائع). بله عن تمثل فلسفات العبث وتيارات اللامعقول التي تعبر عن الضياع والاغتراب والاستلاب؛ مما قربها، بشكل من الأشكال، من الكوميديا السوداء، والسيكودراما، والمسرح العبثي، والمسرح الوجودي، والمسرح الملحمي ... ناهيك عن العوامل والظروف السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية والحضارية التي يعرفها عصرنا اليوم.

وقد ذكر حسين علي هارف مجموعة من الأسباب التي كانت وراء نشأة المونودراما، مثل: ظهور الممثل الواحد منذ المسرح اليوناني مع ثيسيبس، ودعوة الاتجاه الرومانسي إلى تقديس الفرد، واعتماد المسرح الإنساني على تقنية المونولوج في عرض الفرجة الدرامية، وما قدمه الممثل الألماني يوهان برانديز من تجارب مونودرامية في القرن الثامن عشر، والتأثر بالدراسات النفسية كما عند فرويد، وتمثل مكتسبات الاتجاهات الفلسفية والفنية، مثل: التعبيرية، والرومانسية، وتيار الوعي، وتأثرا كذلك بالمسارح الصغيرة التي كانت تقدم فيها مونودراميات قصيرة، بشخصيات محدودة، وبفصل واحد. بالإضافة إلى الطابع التجريبي للمسرح الروسي منذ مطلع القرن العشرين، خاصة مع المنظر الأول للمونودراما نيكولاي أفرينوف، ومبدعها أنطوان تشيكوف.[8]

 

تاريــــخ المونودرامـــــا:

نستعرض، في هذا المبحث، تاريخ المونودراما الغربية والعربية معا، بغية رصد ماهية هذا الفن الدرامي، وتبيان فلسفته الجمالية والفكرية، واستجلاء مواضيعه الموضوعية وقضاياه الفنية والجمالية، مع ذكر أعلامه ومبدعيه وفنانيه، على النحو التالي:

 

المونودرامــــا الغربيـــة:

من المعروف أن المنودراما قد ارتبطت، في بداياتها الأولى، بالممثل النجم ثيسيبس الذي يعد أول ممثل يوناني مثل التراجيديا بطريقة فردية، مستخدما في ذلك الحوار الدرامي مع رئيس الجوقة. ومن هنا، يمكن الإثبات بأن " المسرحيات الإغريقية المبكرة – وهي الرائدة في مجال الفن المسرحي عالميا- كانت مسرحية أحادية تعتمد الصوت الواحد الذي يلقى بمشاركة الجوقة القصائد والأشعار التي تسرد لنا الحكايات والقصص الأسطورية.وإذًا، فإن الفن المسرحي قد بدأ في مرحلته التأسيسية بما يشبه (المونودراما) التي مرت بمراحل وأشكال متعددة حتى وصلت إلى ما استقرت عليه من شكل في العصر الحديث، ووفقا لهذا فإن المونودراما الحديثة ربما كانت محاولة فنية واعية أو غير واعية للعودة إلى أصول المسرح ومنبعه الأولي من حيث الشكل الفني."[9]

ويعني هذا أن ثيسيبس قد جسد عدة أدوار مسرحية مختلفة بتنويع الأقنعة والأزياء والماكياج. ولا أتفق مع الدكتور حسين علي هارف الذي أثبت بأن ثيسيبس رائد المونودراما الأول، وأن مسرحياته هي الأشكال الأولى لهذا الفن؛ لأن مسرحياته، وإن كانت مشخصة من قبل ممثل واحد، هي بمثابة حوار تراجيدي ودرامي ثنائي؛ لأن رئيس الجوقة حاضر باعتباره شخصية أخرى لها حضور كبير في عملية التواصل والتفاعل الحواري[10].

وبعد الممثل الواحد، وظف أسخيلوس ممثلين في مسرحياته. في حين، استعمل سوفكلوس ثلاثة ممثلين. وبعد ذلك، غاب الممثل الواحد بشكل كلي، ليظهر من جديد في القرن الثامن عشر مع الألماني يوهان كريستيان برانديز (1775-1780م).

وهكذا، يمكن القول بأن المونودراما فن مسرحي قديم، قد ظهر مع اليونانيين، والدليل على ذلك أيضا انشغالهم بالميم أو المسرح الصامت، بغية تقديم عروض مسرحية فردية ساخرة تتعلق بنقد الشخصيات والمواقف والأهواء في ضوء رؤية كوميدية، مع جذب انتباه المتفرجين، ودغدغة عواطفهم، واستمالة نفوسهم، وإثارة ضحكهم. ويعني هذا أن الميم شكل من أشكال المونودراما الهزلية.علاوة على ذلك، كانت المونودراما عبارة عن قصائد شعرية شعبية تتخذ بعدا كوميديا ساخرا. ومن أهم كتاب المنودراما اليونانية سوفرون (Sophron) الذي كان معاصرا ليوربيديس، وقد كتب ميمات الرجل والمرأة. وقد أثر على كثير من كتاب المونودراما الآخرين خاصة تيوقريطيس(Théocrite). وقد وجدت مسرحيات ميمية نثرية حوارية، مضامينها مبنية على استعراض الشخصيات والمواقف والقيم. وقد اطلع أفلاطون على مجموعة من الميميات، خصوصا ميميات سوفرون التي تتضمن حوارات سقراطية توليدية وساخرة، وقد أورد منها أفلاطون بعض المقاطع والشذرات.[11]

ومن جهة أخرى، يمكن الحديث أيضا على الكورس أو الراوي (Le choeur) الذي كان يقدم منولوجات طويلة للحكي أو تقديم الشخصيات، واستعراض الأحداث. ومن هنا، نثبت بأن هذا يشكل بداية تفتق المونودراما أو ظهور الممثل الواحد، قبل أن يظهر ذلك جليا في المنولوج الدرامي الذي كان يتخلل المسرحيات التراجيدية أو الكوميدية، حيث كان الممثل يسترسل في الحوار، ويتوسع فيه، إلى أن يتحول هذا المنولوج إلى مقطع درامي مستقل بنفسه، يكون بمثابة مونودراما خاصة بالممثل الواحد.

هذا، وقد أصبحت المونولوجات، في المسرح الروماني، بمثابة خطب طويلة أشبه بالمونودراما الفنية في استرسالها وانسيابها الفني والجمالي. وفي هذا السياق، تقول الباحثة المصرية نهاد صليحة:" ولكن في المسرح الروماني، وخاصة في تراجيديات الكاتب اللاتيني سينيكا الذي قلد التراجيديات اليونانية على الرغم من اختلاف البنية الثقافية اليونانية عن الرومانية- في المسرح الروماني انقلب الوضع، ولم تعد المقاطع المنفردة تعبر عن فردية البطل وصراعه مع التقاليد الثابتة، بل أصبحت تعبر عن القيم الموروثة بجميع أنواعها، واتخذت- كنتيجة طبيعية- صورة الخطب البلاغية الطويلة التي تعرقل مسار الحدث الدرامي وتعطله."[12]

وتضيف الباحثة قولها:" واستمرت المقاطع المنفردة- أي السولو(SOLO) أو المونو- على هذا الحال في التراجيديات الأوروبية في عصر النهضة، تلك التي تأثرت بحركة إحياء الكلاسيكيات، والتزمت بالقواعد الجامدة التي استنها نقاد فترة عصر النهضة استنادا إلى التقاليد الكلاسيكية.فنجد أبطال هذه التراجيديات يحتكرون المسرح فترات طويلة ليلقوا على مسامع الجمهور الخطب العصماء التي تحوي المواعظ الأخلاقية التي لاتتصل بمواقف حية من واقع المجتمع أو واقع المسرحية."[13]

هذا، وقد ارتبطت المونودراما بالميم أو البانتوميم في المسرح الروماني، حيث " يبرز للجمهور ممثل واحد يلبس قناعا ومن ورائه كورس يحضر فيجلس، وتجلس معه فرقة موسيقية.ويأخذ الممثل يشخص وحده، يرقص ممثلا مسرحية أسطورية، بينما الكورس ينشد نصوص هذه المسرحية".[14]

وهذا يقرب المونودراما الرومانية من أختها اليونانية لوجود الجوقة، والممثل الواحد، واستعمال المسرح الصامت، مع الاستعانة بالماكياج والموسيقا والرقص.

وفي عصر النهضة، ارتبطت المونودراما بفن الارتجال الشعبي في إيطاليا، وكان المهرجون المسرحيون يؤدون فرجاتهم الشعبية بطريقة فردية أمام الجمهور في الشوارع والساحات العمومية وفي القصور أيضا، مع الاستعانة بالتمثيل الصامت. ومن هنا، " فإن فن الممثل الواحد قد انتشر في غرب ووسط أوروبا في المدة بين القرنين الثاني عشر والخامس عشر من خلال عروض تهريجية تهكمية، كان يقوم بها ممثلون صار يطلق عليهم المهرجون (Giullari)، والذين كانوا يشيعون في عروضهم الفرح والضحك في نفوس الجمهور ليحصلوا على قوت يومهم عن طريق تقديم هذه العروض التي كانت تمزج في كثير منها بين (المنولوج) وبين التمثيل الإيمائي التهريجي (الصامت)، ومن هؤلاء المهرجيين المهرج روتوبوف (Rutebeuf) 1285، وهو ممثل فرنسي تهريجي مضحك."[15]

وعليه، فلقد ارتبطت المونودراما بكوميديا دي لارتي أو ما يسمى بفن المرتجلات، إذ كان الممثل يعتمد على الارتجال والإبداع الذاتي في أداء عروضه المسرحية الفردية. وبالتالي، ففن الممثل الواحد" قد تبلور بوصفه فنا مستقلا وخاصا وشعبيا في المدة من القرن الثالث عشر وحتى نهاية القرن الخامس عشر، إذ نشط على يد مجموعة من الممثلين الذين كانوا غالبا يكتبون أو يرتجلون نصوص عروضهم بأنفسهم بقصد الإضحاك والإمتاع، ذلك أن تلك العروض (عروض الممثل الواحد) لم تكن تستند إلى نصوص درامية (أدبية) بالمعنى الحقيقي لها، بل كانت تعتمد في معظمها على الارتجال الحركي والتمثيل الإيمائي (الصامت) والحركات البهلوانية المضحكة والمنولوجات والأشعار التهكمية، وبهذا فإن تلك العروض قد ارتبطت بالتسلية و(الفرجة) هدفا وبالتهريج والمايم والمونولوج والأشعار الشعبية وسيلة."[16]

هذا، وقد وجدت في المسرح الإليزابيثي بعض المنولوجات الدرامية الصغيرة المتميزة التي تشبه المونودراما، كما يبدو ذلك جليا في مسرحيات شكسبير سيما هاملت والملك لير..." لكن باستثناء شكسبير وقلة قليلة من الكتاب، ونظرا لسيادة التيار الكلاسيكي المحافظ- خاصة بعد فشل الثورة الجمهورية في إنجلترا، وعودة الملكية في عام 1660م، ظلت المقاطع المنفردة في التراجيديات خطبا بلاغية جامدة لامونولوجات درامية حية تهدف إلى استبطان الفرد لذاته وإلى ربط الحركة النفسية الفردية بالحركة الاجتماعية الجماعية.فقد حارب التيار الكلاسيكي النزعة الفردية التي أتى بها عصر النهضة، إذ رأت المؤسسات الحاكمة في أوروبا آنذاك في هذه النزعة خطرا على استقرار أنظمتها، وأصبح التيار السائد في الفن والفكر هو وجوب التزام الفرد بالأنظمة والأشكال السائدة، وخنق نزعة التفرد والثورة والتجديد."[17]

وأكثر من هذا، يمكن القول بأن المونودراما قد ظهرت مع انبثاق الحركة الرومانسية التي أعادت للفرد مكانته الكبرى في الإبداع، واعتبرته مصدرا للكتابة والخلق والابتكار، وممثلا نجما قادرا على التشخيص المفرد، وتقديم الفرجة الفنية الشاملة. وفي هذا الصدد، تقول نهاد صليحة:" وعلى الرغم من أن المونودراما لم تظهر بشكلها المكتمل إلا إبان الحركة الرومانسية التي بدأت تجتاح أوروبا منذ النصف الثاني من القرن الثامن عشر إلا أن بذورها وجدت منذ بدايات الدراما الأولى، ونلمحها في المشاهد التي كان البطل فيها في المسرحيات اليونانية القديمة ينفرد بالحديث مدة طويلة بينما ينصت الجمع له في صمت حتى ينتهي. ولكن الكاتب اليوناني كان يحرص على استيعاب الحديث الفردي في إطار جماعي، فكان الكورس دائما حاضرا يستمع ويجيب ويعلق مهما طالت المقاطع المنفردة، بحيث احتفظ المسرح اليوناني إلى حد كير بمعادلة متزنة بين الفرد في فرديته والجماعة والمجتمع، وأقام جدلا ناميا، أي حوارا دراميا حقيقيا بين القيم الثابتة التي يمثلها الكورس وبين دوافع اللحظة وواقع الفرد الملح الذي يمثله البطل."[18]

وإذا كان كريستيان يوهان برانديز الممهد الأول للمونودراما في القرن الثامن عشر الميلادي، فإن جان جاك روسو أول من كتب مسرحية مونودرامية – حسب الدكتورة نهاد صليحة-، وهي تحت عنوان (بيجماليون) سنة 1760م[19]. و" في الفترة نفسها- أي في النصف الثاني من القرن لثامن عشر- احتلت المونودراما خشبة المسرح الأوروبي لأول مرة، وروج لها- آنذاك- الممثل الألماني الشهير(يوهان كريستيان برانذز)[20]، الذي وجد في هذا الشكل الفردي الذي يخول للممثل احتكار خشبة المسرح دون منازع، فرصة لإطلاق مواهبه التمثيلية الفذة...ولكن بعد هذا الازدهار المؤقت توارت المونودراما عن خشبة المسرح إبان القرن التاسع عشر، وكان لذلك أسباب."[21]

ومن بين تلك الأسباب طغيان المدين: الواقعي والطبيعي من جهة، وظهور الأدب الرمزي من جهة أخرى، ولم يظهر المونولوج إلا في الشعر الدرامي كما عند الشاعر الإنجليزي (روبرت براوننج) على وجه الخصوص. ولم تعرف المونودراما انطلاقتها الثانية إلا في أواخر القرن التاسع عشر الميلادي مع تشيكوف في مسرحيته(مضار التبغ)1886م، ومسرحية (أغنية التم) 1887م، وأيضا مع نيكولاي إيفرينوف، وغوغول، وجان كوكتو الذي كتب مونودراما بعنوان (الصوت الإنساني) في فرنسا عام1930م.

ويعني هذا أن المسرح المونودرامي قد تشكل فنيا وجماليا في نهايات القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين، وكان امتدادا للمسرح الدرامي والميلودرامي[22]، وقد تمثل - بشكل جيد- مكتسبات علم النفس مع سيجموند فرويد، مستلهما في ذلك أيضا التجربة الرومانسية، والاستفادة كذلك من مكتسبات تيار الوعي [23]، خاصة مع جيمس جويس، وفرجينيا وولف، وجوزيف كونراد، وصمويل بيكيت... وأيضا نتيجة حركة المسارح الصغيرة في فرنسا وبريطانيا والولايات المتحدة الأمريكية التي ساعدت على إبداع مسرحيات منودرامية قصيرة تتلاءم مع خصوصية المكان وحجمه...

هذا، وقد انتشرت المونودراما في منتصف القرن العشرين انتشارا كبيرا في أوروبا وأمريكا، وأصبحت من أهم الاتجاهات الفنية الرئيسية في عصرنا هذا.

هذا، ومن أهم كتاب المونودراما الغربية نذكر: الروسي أنطوان تشيخوف في (ضرر التبغ) 1886م، و(في أغنية التم)1889م، والروسي نيكولاي أفرينوف في (الجدار الرابع) 1912م، و(خلف كواليس الروح) 1912م، و(المرأة المقعرة)، و(مهزلة السعادة)، والروسي فلاديمير ماكايوفسكي في (مأساة) 1913م، والألماني رينهارد زورجة في (الشاعر) 1910م، والألماني ديوروكس في (الكبت)، والألماني بايرل في (فخور بثماني عشرة ساعة) 1973م، والألماني بيتر هاكس في (حوار في بيت شتاين حول السيد الغائب غوته) 1976م، واليوناني يانيس ريتوس في (سونت في ضوء القمر)1985م، والإنجليزي أيان فروست في (اعترافات الشاعر اللورد جورج بايرون) 1987م، والإسكتلندي رينو سيتنا في (نبي)، والفرنسي جان كوكتو في (الصوت البشري) 1957م، والفرنسي باتريك سيمون في (سقطة حرة) 1982م، والإيطالي داريوفو في (الاستيقاظ) و(المرأة المستوحدة)، والمكسيكي غولدروز في (شريشماتوري))، ووالروماني يونيسكو في (القاتل)، والبريطاني هارولد بينتر، والسويسري أوغست سترندبيرغ في مسرحية (الأقوى)، والبرازيلي بدرو بلوخ [24] في مسرحية (الأعداء) و(لاترسل الأزهار) و(إيدي يوريدس) 1950م، والإيرلندي صمويل بيكيت (Samuel Beckett) الذي يعد من أشهر كتاب المنودراما في العصر الحديث، إذ كتب مجموعة من المسرحيات المنودرامية، مثل: (فصول بلا كلمات) 1957م، و(شريط كراب الأخير) 1958م، و(الأيام السعيدة) 1961م، و(ارتجالية في أوهايو) 1987م، و(الجمرات)، و(أليس كذلك ياجو؟) وغيرها... و"لقد وجد بيكيت في المونودرما أصلح الأشكال المسرحية لصياغة رؤيته العبثية التي تقوم على عزلة الفرد، واستحالة التواصل، واليأس من الحلول الاجتماعية."[25]

أما على مستوى التنظير، فقد كان الروسي نيكولاي نيكولايفيتش أفرينوف (1870-1953م) سباقا إلى التنظير للمونودراما في دراسته التي كتبها عام 1908م بعنوان (عذرا للمسرحة)، بعد أن قدم مجموعة من المونودرامات، مثل: (الجدار الرابع) 1915م، و(فيروز) 1912م، و(المستبد اللطيف)، و(الشيء الرئيسي) 1919م، و(مسرح الروح) 1912م...و" قد تضمنت أفكاره فيما ينبغي أن يكون عليه المسرح فوضع لها عنوانا ثانويا هو (دراما أحادية)، وتوضح على نحو هزلي عموما ما تنوع الشخصيات التي يمكن لشخص أن يتقمصها في نظر مراقبين مختلفين"[26]

ويتضح من هذا كله بأن المنودراما لم تنشأ إلا في حضن الثقافة الغربية وحضارتها. وبعد ذلك، انتقلت إلى باقي مناطق العالم في صيغ درامية شتى.

 

المــونــودراما العربيــــة:

يمكن القول بأن الراوي الشعبي في السامر والحلقة والأسواق والمواسم القديمة بداية للمونودراما العربية، وامتداد طبيعي لها؛ لأن هذا الراوي كان يمثل بمفرده، ويسرد القصص والحكايات المتنوعة إسهابا وحكيا واسترسالا، ويخرج عرضه الدرامي ميزانسينيا، ويجذب الجمهور الذين كانوا يتحلقون دائريا لرصد تلك الفرجة الشعبية النابعة من وجدانهم الفطري والأصيل. وتعد الحلقة المغربية كما في مراكش وفاس ومكناس والدار البيضاء نماذج حية لهذا النوع من الفن المونودرامي . ومن ثم، نجد كثيرا من كتاب المونودراما قد تأثروا بالحلقة أو الراوي الشعبي، مثل: عبد الكريم برشيد، وعبد الحق الزروالي، والمسكيني الصغير، وغيرهم.

وإذا كانت المونودراما قد ظهرت في أوروبا في القرن التاسع عشر، فإنها لم تنشأ في الوطن العربي إلا في سنوات السبعين من القرن الماضي، وذلك لعوامل ذاتية وموضوعية عدة، مثل: التأثر بالراوي الشعبي القديم، وتمثل المونودراما الغربية، والارتكان إلى العامل الاقتصادي الذي دفع الكثير من الممثلين إلى اختيار هذا الأسلوب؛ بسبب غلاء الديكور والسينوغرافيا؛ ناهيك عن التكاليف الباهضة التي تستلزمها المسرحيات الدرامية المتعددة الشخوص. ويمكن الحديث عن عامل فني آخر يتمثل في ممارسة التجريب من جهة، والتأصيل من جهة ثانية، علاوة على سهولة كتابة المونودراما مقارنة بكتابة المسرحية الحوارية المتعددة الفصول.كما أن الإقبال على المونودراما راجع إلى الظروف السياسية والفكرية والاجتماعية والاقتصادية والثقافية التي عرفتها وتعرفها الدول العربية. وهذا ما جعل نهاد صليحة تتساءل :" أتكون دلالة الإقبال على المونودراما هي أن الإنسان العربي قد يئس من قدرته على السيطرة على قدره، والالتحام مع هيئاته ومؤسساته في صراع بناء، والإمساك بتلابيب التاريخ، فالتف بفرديته، وانزوى داخل ذاته يبحث عن خلاص فردي، بعد أن يئس من الخلاص الجماعي؟"[27]

بيد أن هناك تجارب فردية ارتبطت بالسكيتش أو المسرح الكوميدي الهزلي مع مجموعة من الأصوات العربية، مثل: نجيب الريحاني، وعزيز عيد، وعلي الكسار، ومحمد تيمور، وزكي طليمات، ويوسف وهبي، والشيخ حامد مرسي... الذين مارسوا هذا النوع من الفن منذ بداية حياتهم الفنية.

وإذا أخذنا على سبيل المثال سوريا، فلم يظهر المسرح الفردي إلا في سبعينيات القرن الماضي مع أسماء ثلاثة هي: سعد الله ونوس، والمخرج فواز الساجر، والفنان أسعد فضة في مسرحيته الفردية (يوميات مجنون) المأخوذة عن نص للكاتب الروسي غوغول بالعنوان نفسه، وقد قدم العرض خلال الدورة السابعة لمهرجان دمشق المسرحي عام 1977م.

ومن أهم المنودراميات العربية نستحضر: (بيت الجنون) للفلسطيني توفيق فياض، و(النقشة) للطيب الصديقي، و(الوجه والمرآة) و(ماجدولين) و(جنائزية الأعراس) و(رحلة العطش) و(عكاز الطريق) و(سرحان المنسي) و(برج النور) و(زكروم الأدب) لعبد الحق الزروالي، و(الناس والحجارة) لعبد الكريم برشيد، و(أوفيليا لم تمت) و(شريشتاموري) و(يوميات مجنون) و(بلوبالبوف) لنبيل لحلو، و(السباق) و(افتحوا النوافذ) و(الزغننة) لحوري الحسين، و(اندحار الأوثان) لمحمد قاوتي، و(بشار الخير) لمحمد الكغاط، و(حميدو) لشفيق السحيمي، و(صمت له كلامه) لعبد الرحمن بن زيدان، و(تارت) للمصري السيد محمد علي، و(الحصان) للمصري كرم النجار، و(يوم جديد) و(الإشاعة) و(من العطس ما قتل) و(ويوميات عصفور) للمصري أمين بكير، و(لحظة صدق) للمصري مجدي فرج، و(فنفان الصياد) للمصري رحمين ياسين، و(عديلة) للمصري نهاد جاد، و(بقبق الكسلان) للمصري ألفرد فرج، و(الأيدي البيضاء) و(نادي النفوس العارية) للمصري محمد الباجس، و(القيامة) و(الزبال) و(حال الدنيا) للسوري ممدوح عدوان، و(لقمة الزقوم) للسوري وليد إخلاصي، و(شيء يهبل) للتونسي رؤون بن يغلان، و(حبة رمان) لناحية الورغي، و(سراب) للتونسي محمد عفيف اللقاني، و(رسالة التربيع والتدوير) للتونسي عز الدين المدني، و(حكاية بلامعنى) و(ليلة دفن الممثلة جيم) للأردني جمال أبو حمدان، و(الشارع العام) للأردني عايد الماضي، و(غرفة بمليون دولار ) للسوداني النعمان حسن أحمد، و(ريش النعام) للسوداني خالد المبارك مصطفى، و(صفعة في المرآة) للسعودي عبد العزيز الصقبعي، و(بم) للإماراتي مؤيد شباني، و(الجاثوم) للبحريني يوسف الحمدان، و(النظارات) للبناني بول شاؤول، و(مجنون يتحدى القدر) للعراقي يوسف العاني، و(أصوات من نجوم بعيدة) للعراقي صباح عطوان، و(منقار من حديد) و(ماري) و(مذكرات ميم) و(لن أقلع أسنان أبي) للعراقي سعدون العبيدي، و(مرحبا أيتها الطمأنينة) و(ومضات من خلال موشور الذاكرة) و(انهزامية حزينة) و(مساء السلامة أيها الزنوج البيض) لجليل القيسي إلى جانب منودراميات عراقية أخرى لمحي الدين زنكنة، وقاسم محمد، وعواطف نعيم، وفلاح شاكر، وسعدي يونس، وإسماعيل أكبر محمد، وعلي حسين، وعلي عبد النبي الزيدي، ومحمود أبو العباس، ويعرب إبراهيم طلال، وعبد الله السراج، وناجي كاشي، وكاظم الحجاج، وبنيان صالح، وعبد الحسن ماهود، وضياء سالم، وعلي المطوع، ورياض كاظم، وكاظم النقدي، وعلي حداد، وخليفة، وكريم جمعة، وعباس الحربي، ورحمن عبد الحسين، ومحمد الجوراني، وخزعل الماجدي، وعبد الكريم السوداني، وحنين منع، وحسن موسى، وجبار صبري العطية، ومثنى صبري، ورحيم العراقي، وشوقي كريم، ومنال غازي...[28]

 

مهرجانات وملتقيات خاصة بالمونودراما:

ثمة مجموعة من المهرجانات المنودراميةالعالمية، مثل: المهرجان العالمي للمنودراما والبانتوميم ببلغراد بيوغوسلافيا، وقد انطلق في سنة 1973م، ومهرجان الحكي والمونودراما بفرنسا الذي انطلق مع الألفية الثالثة (2000م)، وينظمه مسرح مونو (Monnot)، وقد وصل إلى النسخة الخامس عشرة، وقد شارك فيه مجموعة من الحكواتيين، مثل: حليمة حمدان من المغرب، وكوراليا رودريجيز (Coralia Rodriguez) من كوبا، ونتالي لوبوشي (Nathalie Leboucher) من فرنسا، وحسن كوياتي(Hassane Kouyaté) من بوركينا فاصو، وجهاد درويش من لبنان.

وعلى الصعيد العربي،يمكن الحديث أيضا عن مجموعة من الملتقيات والمهرجانات الخاصة بالمنودراما، مثل: المهرجان الأول للمسرح الفردي بالرباط عام 1976م، والملتقى الأول للمسرح الفردي المنظم من قبل جمعية الفن السابع سنة 1977 بالرباط، والمهرجان الثاني للمسرح الفردي بفاس سنة 1983م. علاوة على مهرجان الفجيرة الدولي للمونودراما الذي انطلقت دورته الأولى سنة 2003م، ومهرجان الكويت للمونودراما، ومهرجان بيروت للحكايا والمونودراما، ومهرجان اللاذيقية للمونودراما، ومهرجان القاهرة لفنون المونودراما ... وأخيرا، مهرجان الناظور الدولي الأول للمونودراما سنة 2014م...

 

دراســـات حــــول المـــونـــودراما:

قليلة هي الكتب التي تناولت المونودراما أو المسرح الفردي بالتحليل والدرس على الصعيد العربي، وهي إما دراسات متخصصة في الموضوع من البداية حتى النهاية، مثل: دراستي الدكتور حسين علي هارف، وإما دراسات خصصت بعض فصولها للمسرح الفردي موضوعا وشكلا ووظيفة، مثل: دراسات نهاد صليحة، وجميل حمداوي، وتهامة الجندي، وأديب السلاوي، ولحسن قناني ... وفي هذا الصدد، يمكن الإشارة إلى كتاب (المسرح المغربي: البداية والامتداد)، لمحمد أديب السلاوي (1986م)[29]، وكتاب(المونودراما) للدكتور حسين علي هارف (1979م)[30]، وكتاب (التيارات المسرحية المعاصرة) لنهاد صليحة (1999م)، وكتاب (الاتجاهات الحديثة في المسرح السوري) للدكتور تهامة الجندي (2006م)، وكتاب (المسرح المغربي: جدلية التأسيس) لمحمد أديب السلاوي(2011م)[31]، وكتاب (فلسفة المونودراما وتأريخها) للدكتور حسين علي هارف (2012م)، وكتاب (المفاهيم الإجرائية للنقد المسرحي في المغرب) للحسن قناني (2012م)[32]، وكذلك الكتب التي ألفها جميل حمداوي، مثل: (أنواع الممثل في التيارات المسرحية الغربية والعربية)(2012م)[33]، وكتاب (الفضاء في المسرح المغاربي) (2014م)[34]، وكتاب (المسرح المغاربي والتراث) (2014م)[35] ...

أما في ما يتعلق بالمقالات الورقية والرقمية المتعلقة بالمونودراما أو المسرح الفردي، فهي كثيرة وعديدة ومتفرقة في الجرائد والمجلات هنا وهناك، يصعب جمعها وحصرها بشكل علمي دقيق؛ نظرا لضيق الحيز المخصص للمونودراما.

 

مواقف نقدية مختلفة من المونودراما:

ثمة مجموعة من المواقف المختلفة حول المونودراما. فهناك من يؤيد حركية هذا الفن، ويدرجه في خانة التجريب والتأصيل. وهناك من يرفض هذا الفن لفرديته، ومنولوجيته، وعزلة شخصيته المحورية؛ لأن المسرح فن جماعي بامتياز.ومن ثم، فالممثل الفرد عاجز عن إنجاز عرض مسرحي متكامل بمفرده من البداية حتى النهاية.

والآن، إليكم مجمل مواقف المؤيدين والمعارضين.

 

مواقف المؤيدين:

يعد الباحث العراقي حسين علي هارف من المدافعين عن فن المونودراما باعتبارها من أهم الاتجاهات الرئيسية في مسرحنا المعاصر، وقد قال:" إن للمونودراما بوصفها شكلا دراميا خاصا ومتميزا خصائص فنية وتقنية تجعل منها مشروعا يحمل في داخله عناصر النجاح أدبيا وفنيا أحيانا."[36]

ويرى فاضل ثامر معقبا على إحدى التجارب المونودرامية:" أنا أرى أن تجربة المونودراما ليست تجربة ملفقة وغريبة على الدراما، كما يخيل للبعض، فلقد كان العرض المسرحي منذ بداياته الأولى يكشف في داخله عن مشاهد مونودرامية متكاملة...

إن فن المونودراما فن يمتلك شرعيته داخل حقل الدراما الحديثة، وإنه ليس نبتة شيطانية طارئة يجب استئصالها."[37]

وعليه، فالمونودراما فن درامي جليل يستجمع كل الآليات والتقنيات المسرحية في يد الممثل الواحد. وبالتالي، فالمونودراما شكل صالح للحاضر والمستقبل معا، مادام يحمل رؤى فلسفية انتقادية ثرية، ويصيغها الممثل الفرد أو الممثل النجم ضمن منظوره الذاتي، من خلال الانتقال من حدث إلى آخر أو من مشهد إلى آخر، مع استغلال آلية التنويع، وآلية الالتفات، وآلية التقطيع، وآلية المونتاج، وآلية التهجين...لذا، لايمكن للفرجة المونودرامية أن تحقق لنفسها النجاح الجماهيري إلا إذا تحققت فيها الجودة الفنية والجمالية. وبالتالي، استطاعت أن تحقق، لدى الراصد، نوعا من الإشباع والارتواء الشعوري واللاشعوري، مستخدمة في ذلك كل الإمكانيات والوسائل التجريبية والتأصيلية لإفادة الراصد وإمتاعه.

 

مواقف المعارضين:

ترى الباحثة المصرية نهاد صليحة بأن المونودراما تعبير عن العزلة الفردية، إذ تضع الخلاص الفردي فوق الخلاص الجماعي. وبالتالي، تقترح حلولا فردية أنانية لايمكن أن يقبل بها المجتمع .كما يفتقد هذا الفن الجدلية الديناميكية والنقد الموضوعي البناء. وفي هذا الإطار، تقول الناقدة:" ولكن المونودراما كشكل فني اكتمل في أحضان النزعة الفردية، التي وصلت بها الحركة الرومانسية إلى مرحلة التقديس، تحمل في طياتها رسالة خفية تضع الخلاص الفردي فوق الخلاص الجماعي، وتنقل بؤرة التركيز من جدل الفرد والجماعة إلى النفس في انغلاقها على نفسها وجدلها العقيم مع ذاتها.

وحتى عندما تحاول المونودراما أن تطرح نوعا من النقد الاجتماعي الساخر عادة ما تصطدم هذه المحاولة بحدود الشكل المسرحي المونودرامي الذي يصل بالنقد إلى طريق مسدود- فهي حدود تعزل الفرد عن محيطه التاريخي، وتسجنه في دائرة الحلم واجترار الأحداث الماضية بدلا من التفاعل الحي عن طريق الفعل الحالي.لذلك، لاتطرح المونودراما كشكل فني إمكانية التغيير الاجتماعي، وأقصى إنجاز إيجابي يتحقق من خلالها هو تعرية البطل الفرد (الذي يصبح بحكم الشكل الذي يطرحه وحده على المسرح لمدة ساعة أو أكثر رمزا للإنسانية جمعاء)، دون أن تستشرف طريقا لرأب الصدع الذي تعريه.

والمونودراما بطبيعة شكلها تفتقر إلى العنصر النقدي في تناولها لمادتها مهما حاول المؤلف تأكيد هذا العنصر. إن إلحاح الممثل الواحد والمنظور الواحد على وجدان المتفرج طول فترة العرض يخلق نوعا من التعاطف تنتفي في إطاره إمكانية النقد، خاصة وأن المونودراما تتيح للممثل فرصة نادرة لشد الجمهور بقدراته الفذة بحيث تضيع الرسالة النقدية أو تبهت."[38]

ومن جهة أخرى، يرى لطفي فام بأن المسرح جماعي بامتياز، وليس فعلا فرديا. وفي هذا السياق، يقول الباحث:" إن المسرح أصلا فن جماعي، بل هو جماعي بصورة مزدوجة إن جاز هذا التعبير، جماعي بين الممثلين أنفسهم، ثم جماعي بين الممثلين والجمهور، فمن العسير أن نتخيل مسرحية يقوم بها ممثل واحد.وإن اتفق أن انفرد ممثل واحد بالجمهور، فإن ما يقوله أو يتحدث عنه هذا الممثل يوحي بأشخاص آخرين، ويشير إلى شخصيات متعددة"[39].

ويعلن المخرج حاتم السيد موقفه السلبي من المونودراما بأنها غير ديناميكية بقوله:" أنا ضد المونودراما، لأن المسرح حركة وحياة، وشكل المونودراما لايمكن دائما من تقديم حياة بكامل أبعادها وعرضها على المسرح"[40]

ويرى الناقد عواد علي بأن المونودراما نوع من السيكودراما التي تقوم على الاستبطان الداخلي والتحليل النفسي للشخصية:" إن عنصر الحكاية ملغى تماما، إذ ليس ثمة حدث درامي بالمفهوم الأرسطي، ولا حبكة ولا تعقيد ولا أزمة، وإنما كل ما تقوم عليه المسرحية هو : الشخصية والصراع الداخلي، والحوار، ولذلك فهي تقترب كثيرا إلى ما يسمى بالسيكودراما."[41]

ويرى لحسن قناني بأن المسرح لايمكن أن يكون فرديا، بل هو مسرح جماعي، حيث يحضر الآخر دائما في مخيلة الذات والأنا. بمعنى ألا وجود للذات في غياب الآخر. وفي هذا الصدد،يقول الباحث:" إذاً، لاوجود لمسرح فردي، بل سيظل المسرح جماعيا، لأنه حتى في المونودراما وحيث يتم الاعتماد على قدرات الممثل الواحد، فإن هذا الممثل لايعيش الحدث كظاهرة تأمل.أي: لايعيشه معتكفا على ذاته في أقصى درجات العزلة عن الآخرين، سواء كفواعل(Actants) حاضرين أو غائبين في النسق الدرامي للحكاية التي يسردها، أو كمتلقين لهذا النسق داخل القاعة، وذلك على اعتبار أنه في مجال التأمل، وكما يذهب إلى ذلك سارتر" لايستطيع المرء أن يجد سوى الشعور الذي هو كحضور عيني مباشر، فإنه موجود في شعورنا، فهو الذي يجعلنا نعيش الحدث وننميه، وذلك باستحضار هذا الآخر فنحدثه أو نشخصه، أو نتقمص شخصه، أو نحتج عليه أو نوافقه، أو نضحك معه أو نضحك عليه، أو نبكي له أو نبكي عليه...وفي كل هذه الحالات لايمكن للحدث الدرامي أن يترك لهذا الآخر فرصة التماهي بشعورنا، بل إنه يخرجه من قعر الشعور ليلقى به على سطح الركح، فيصبح معنا، ذاتا أخرى لها الحضور الفعلي المباشر، تعيش معنا الصراع اللازم لتنامي الحدث.وحتى إذا عرض لهذا الممثل أن يعوض الذوات الإنسانية بالأشياء الجامدة فيتوجه لها بالكلام، فإن هذه الأشياء تكون حينئذ قد اكتست بالنسبة لهذا الممثل شكلا جديدا لــ" أنا" قائم مقام الإنسان، لأن الشيء يكون قد شخص ليصير آخر وطرفا محببا في الحوار وفاعلا في الصراع، إنها النزعة الإحيائية إذاً (Animisme)، وقد صارت قابلة للتجسيد العملي على الخشبة."[42]

وهكذا، يتبين لنا بأن المسرح، في عمومه وجوهره، لايمكن إلا أن يكون فعلا جماعيا قائما على التواصل والمشاركة الجماعية الحية. وبالتالي، فالممثل الفرد عاجز عن إنجاز الفرجة الدرامية الشاملة بمفرده.

 

الخاتمــــة:

تلكم - إذاَ- نظرة مقتضبة حول مفهوم المونودراما، ونشأتها التاريخية في الغرب والشرق، وعوامل ظهورها، وأهم خصائصها الفنية والجمالية والفكرية. وتلكم أيضا أهم الدراسات النقدية التي تناولت المونودراما بالتحليل والدرس والتقويم ورقيا ورقميا. وتلكم كذلك أهم المواقف النقدية السلبية والإيجابية التي انصبت حول المونودراما إما بالرفض وإما بالتشجيع.

.....................

[1] - نقلا عن د.حسين علي هارف: فلسفة المونودراما وتأريخها، منشورات دائرة الثقافة والإعلام، الشارقة، الإمارات العربية المتحدة، الطبعة الأولى سنة 2012م، ص:24-25.

[2]- Hartnoll,Phllis,Sd: The Oxford Companion to the theatre ,Oxford University press,London,1957.

[3] - د.حسين علي هارف: فلسفة المونودراما وتأريخها، ص:30.

[4] - د.نهاد صليحة: التيارات المسرحية المعاصرة، هلا للنشر والتوزيع القاهرة، مصر، الطبعة الأولى سنة 1999م، ص:144-145.

[5] - د.تهامة الجندي: الاتجاهات الحديثة في المسرح السوري (1995-2005م)، نينوى للدراسات والنشر والتوزيع، دمشق، سورية، الطبعة الأولى سنة 2006م، ص:111.

[6] - حسين علي الهارف: نفسه، ص:105.

[7] - د.نهاد صليحة: التيارات المسرحية المعاصرة، ص:150.

[8] - حسين علي هارف: نفسه، ص:217-218.

[9] - د.علي هارف: نفسه، ص:33.

[10] - د.علي هارف: نفسه، ص:34.

[11] - A regarder: De la littérature classique ancienne, De Ficker,Traduit de l’allemand par M. Theil, Hachette, Paris, France, première partie, 1937, p : 93-94.

[12] - د.نهاد صليحة: نفسه، ص: 145.

[13] - د.نهاد صليحة: نفسه، ص: 145-146.

[14] - شلدون تشيني: تاريخ المسرح في ثلاثة آلاف سنة، الجزء الأول، ترجمة: دريني خشبة، المؤسسة المصرية العامة للتأليف والترجمة والطباعة والنشر، القاهرة، مصر، الطبعة الأولى 1963م، ص:139.

[15] - د.حسين علي هارف: نفسه، ص:37.

[16] - د.حسين علي هارف: نفسه، ص:37-38.

[17] - د.نهاد صليحة: نفسه، ص: 146.

[18] - د.نهاد صليحة:نفسه، ص: 145.

[19] - د.نهاد صليحة: نفسه، ص: 147.

[20] - في الأعوام 1775-1780م.

[21] - د.نهاد صليحة: نفسه، ص: 147.

[22] - الميلودراما صراع مسرحي بين الخير المطلق والشر المطلق.

[23] - يستخدم تيار الوعي المنولوج والهذيان والفلاش باك.

[24] - بدرو بلوخ كاتب مسرحي برازيلي من أصل روسي ولد سنة 1914م، هاجر روسيا إلى البرازيل لتدريس الموسيقا في إحدى الجامعات البرازيلية.

[25] - د.نهاد صليحة: نفسه، ص: 149.

[26]- د.نهاد صليحة: نفسه، ص:149.

[27] - نهاد صليحة: نفسه، ص:153.

[28] - راجع: د.حسين علي هارف: نفسه، صص:346-355.

[29] - محمد أديب السلاوي:المسرح المغربي: البداية والامتداد، دار وليلي للطباعة والنشر، مراكش، الطبعة الأولى سنة 1986م.

[30] - د.هارف حسين علي: المونودراما، دار الحرية، بغداد، العراق، الطبعة الأولى سنة 1997م.

[31] - محمد أديب السلاوي: المسرح المغربي جدلية التأسيس، دار مرسم/ الرباط، الطبعة الأولى سنة 2011م.

[32]- لحسن قناني: المفاهيم الإجرائية للنقد المسرحي في المغرب، سلسلة الكوميديا الصادمة، مطبعة الجسور، وجدة، المغرب، الطبعة الأولى سنة 2012م.

[33] - د.جميل حمداوي: أنواع الممثل في التيارات المسرحية الغربية والعربية، مطبعة الجسور، وجدة، المغرب، الطبعة الأولى سنة 2012م.

[34] - د.جميل حمداوي: الفضاء في المسرح المغاربي، منشورات المعارف، الرباط، المغرب، الطبعة الأولى سنة2014م.

[35] - د.جميل حمداوي: المسرح المغاربي والتراث، منشورات المعارف، الرباط، المغرب، الطبعة الأولى سنة2014م.

[36]علي هارف: نفسه، ص:18.

[37] - نقلا عن حسين علي هارف: نفسه، ص:99-100.

[38]- د.نهاد صليحة: نفسه، ص:150-151.

[39]- لطفي فام: المسرح الفرنسي المعاصر، الدار القومية للطباعة والنشر، د.م، 1964م، ص:77.

[40]- خيرة الشيباني: (الموندراما (كذا) حالة مسرحية متكاملة)، مجلة الرافد، الشارقة، الإمارات العربية المتحدة، العدد الرابع، شتاء1985م، ص:75.

[41]- عواد علي: (المونودراما في المسرح العراقي)، القسم الثاني، جريدة القادسية، بغداد،بتاريخ20/12/1986م، ص:4.

[42]- لحسن قناني: المفاهيم الإجرائية للنقد المسرحي في المغرب، ص:217-218.

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 2847 المصادف: 2014-06-22 03:16:30