المثقف - قراءات نقدية

وقفة عند مجموعة "اوراق من يوميات حوذي"

تتكون المجموعة القصصية: "أوراق من يوميات حوذي"، المطبوعة في القاهرة عام 2014م ، للقاص العراقي رحمن خضير عباس، من ثماني قصص قصيرة. هي على التوالي: (اسوار– اللوحة – المقامة الكاريكاتيرية – النهر– اوراق من يوميات حوذى– شقة في المنعطف – جذور ملت من الوقوف – مدن ومتاهات). يوحّد بين معظم هذه القصص من الناحية الشكلية صوت القاص الذي ياتي بصيغة ضمير المتكلم غالبا. ويوحّد بينها من الناحية المضمونية فكرة هجرته عن الوطن التي تسير في حركة دائرية تنطلق من نقطة سفره دائما لحل التعارض القائم بين النفس والواقع بغية الوصول الى صورة واقعية خارجية توافق الى حدما الصورة النفسية الداخلية له. وبتعبير آخر الوصول الى عالم موضوعي يوافق حلمه الذاتي. غير أن هذه الحركة الدائرية ترجع به دائما الى نفس النقطة التي انطلق منها وهي نقطة السفر ليهاجر من جديد في دورة حياتية سيزيفية متكررة يشتد فيها الضجر ويضيع فيها العمرعبثا. وحسبي دليلا على هذا ما يقوله في ص9: "أجد نفسي باحثا عن شيء مبهم لا ادرك كنهه هاربا من حالة مضنية بحقيبة صغيرة تضم بعض الكتب والملابس القديمة" وما يقوله أيضا في ص17": "تملكتني حالة من الضجر وانا أعيش في تارودنت (في المغرب). فلم تعد الأشياء تملك بهجتها وحتى وهج اللحظة الأولى فقد بريقه والأسوارالتي عشقتها يوما لم تعد تغريني "أو ما يقوله بصيغة ضمير الغائب في ص21: "موجة من الضجر تنتابه وهو يطوف في الشوارع المهجورة (في كندا) ". فكلما وصل القاص الى مكان ما انطفأ بريق المكان عنده بعد الوصول إليه وشعر بالضجر منه ليستأنف الهجرة عنه الى مكان آخر. لعله يصل الى مايريد أن يصل إليه ولا يكاد يصل. لقد جرب الهجرة عن الوطن طويلا واكتشف بتجربته الشخصية حقيقتها المرة التي لم يكن طعمها كما كان يتصوره من قبل وهاهو يتساءل خائبا في ص20: "أهي تلك الهجرة التي تمناها وحلم بها وانتظرها لحظة غجرية بعد اخرى؟ ".. هاجر القاص من العراق تحديدا كما ورد في قصة"مدن ومتاهات" منتصف سنة 1976م الى سوريا فليبيا فالجزائر فالمغرب ثم كندا. ولم تكن هجرته عن الوطن اختيارا بل كانت قسرا كما يصرح في ص14: "وانا البراني الذي أبعد قسرا عن عوالمه الأليفة ليبحث عن سقف يؤيه أو غطاء يتدثر به ". لقد ضيقت -على مايبدو- سلطة الدولة في العراق عليه الخناق بالمراقبة والمطاردة لميوله اليسارية من خلال تأمل هذه الكلمات في ص61: "وفي تلك اللحظات رأيت ظلين يتعقبان خطواتي يغرزان نظرتهما الحاقدة في لون قميصي ". فقرر الهجرة مكرها لا بطلا كما يقال لأنه لم يعد يطيق مايجري في وطنه–الأم كما يقول في ص73: "لأنني فقدت القدرة على البقاء في هذا الجو الخانق والمزدحم بالأضداد". ومن أهم هذه الأضداد التي دفعته الى الهجرة كما دفعت الآلاف من المثقفين العراقيين اليساريين إليها هي حالة التعارض السياسي والأخلاقي بين ماكانت تقوله قيادة الحزب الشيوعي العراقي لقواعدها أثناء تحالفها الجبهوي الرسمي مع حزب البعث الحاكم يومذاك وبين ما كان يمارسه ذلك الحزب البعثي الحاكم ضد اعضاء الحزب الشيوعي وأصدقائه من سلوك قمعي يومي وضغط تسقيطي مخالف لشروط الجبهة المبرمة بين الحزبين. ولكي ندرك ذلك أكثر، تعال وتأمل معي مايقوله في ص59: "حينما احتفلنا بعيد الحزب (الشيوعي) على سطح شقتنا .. واذا بحجر كبير يهوي علينا كنيزك متوحش .. وحينما اشرأب أحدنا لرؤية الجاني رأى ثلاثة أشخاص ذوي ملامح قاسية يرتدون البدلات الزيتونية.. قال وهو يضحك ساخرا: انها مجرد رسالة رقيقة من الحلفاء! "أوتأمل معي ما جاء في حوارهامس بينه وبين بعض اصدقائه الشيوعيين في ص58: " ــ: اعتداءات متكررة على الرفاق . . ــ: مجرد سلوك فردي لايمثل الموقف الرسمي للسلطة. . ــ: الجبهة في خطر. . انهم يغتالون القواعد ". وغير هذه الحالة من حالات التضاد السياسي الخارجي التي تعكس مايناقض وعي القاص الوطني ومفاهيمة الإنسانية المتمردة على واقع المجتمع التقليدي لتغييره وتطويره. لذا حاول ان يقهر ذلك التضاد. وما من شيء يقهره بعد أن خرج على مسار القطيع غير ان يهاجر مكرها عن الوطن هجرة تحاكي عنده خروج ادم من الجنة لتعلقه بترابه وحبه إياه اذ يقول في ص73: "بأني مزمع على ارتكاب خطيئة هجرة طويلة "غير ان هذا العراق ــ الوطن الذي يغيب بالهجرة القسرية شكلا لايغيب جوهره لديه بل يظل حاضرا في أعماقه حضورا وجدانيا مستمرا بحيث يجري في عروقه وهو في (تارودانت) في المغرب كما يقول في ص12 : "وكانني أحتضن هذا العراق من خلال تقمص اسمه بل انه يجري في عروقي وأنا أرتمي في حقول سوس النائية ". ويظل معه شاخصا امامه أبدا. وكلما ازداد التناقض بين صورته الذاتية وصورة الواقع الموضوعية ازداد حضور الوطن لديه أكثر. ياتي اليه الوطن في الشئ المعقول عبر الذاكرة مرة. إذ يقول في ص50: "في تلك اللحظة تذكرت اضواء نارية تقتحم بغداد ولكنها تحمل الموت والدمار". وياتي اليه في الشئ اللامعقول عبر التخييل مرة اخرى كما يقول عن صورة جسد انثوي مرسوم على لوحة في ص24: "جسد ثري بلون الطين والماء الخابط وسموم الرياح اللافحة التي تهب في جنوبنا العراقي صيفا .. خصلات شعرها المدلهمة كليل بغداد ". ولقد بلغ التناقض بين الصورتين: الذاتية للقاص والموضوعية للواقع أقصى درجاته الإغترابية واخطرها في المهجر الكندي الذي لجأ اليه القاص لجوءا سياسيا بعد أن شحّت عليه الأرض العربية حتى بسقف يحميه على حد تعبيره حين يخاطب نفسه في ص45: "الموانئ العربية وتخوم مدنها التي بخلت عليك حتى بسقف يحمي زمهرير الخوف الذي يجري في دمائك الملوثة بالحزن ". وتكمن خطورة ذلك التناقض الذي ذكرت في ان حالة إغترابه طفرت نوعيا من حالة اغتراب اجتماعي كان يلازمه حين كان مدرسا في العراق والجزائر والمغرب في ص8 وص57 الى حالة اغتراب ذاتي حين صار سائق سيارة أجرة (تكسي) في كندا. فلئن كان اغترابه في العراق والدول العربية إغترابا سياسيا ــ ثقافيا، فإن إغترابه في كنداــ رغم تامين مالم يتأمن لوجوده الشكلي من حقوق في العراق وفي الدول العربية – هو اغتراب اقتصادي مقرون بتهديد وجوده الجوهري بالتهميش والإلغاء. فهو لايكاد يجد لعمله الجديد هذا أي معنى او مغزى يؤكد جوهره الإنساني سوى ان يبقى بدنا يتحرك حيا لاأكثر ولاأقل. وما يثبت هذا قوله عن إحدى زبوناته في ص45: "منحتني الأجرة وهي تغادر السيارة.. عندذاك التقطت نفسا عميقا وكأنني أحملها على ظهري.. ". ومن أجل ذلك البقاء البدني عليه أن يبيع روحه. يقول في ص44: "فانا حوذي إبتداء من هذه الليلة بل من اللحظة التي وضعت على سقفها إشارة (تاكسي) وليس علي سوى الإمتثال لأوامر الزبائن ونقلهم أينما يشاؤون. . وعلي من هذه الليلة أن أنسى كل شئ: أحلامي أو اوهامي طموحاتي العتيقة. . "إنه نوع من أنواع العبودية التي يعانيها العامل الواعي بذاته وواقعه غير ان العبد الحقيقي اقل شقاء منه لأنه لايشعر بوجع عبوديته أما العامل هنا فإنه يشعر بها تماما و يشعر بنقيضها بنفس الوقت أي الحرية ومن هذا الشعور المزدوج يوميا تبدأ الماساة الإنسانية في العمل ولهذا أخذ يفكر بالتنازل عن قيمته البشرية الخاصة ليصبح اكثر إنسجاما مع عمله الجديد إذ يقول في ص45: "كنت أغذي في نفسي روح الإصرار. مشيئة الحياة تحتم علي أن اتنازل عن طبيعتي ، مشاعري. . أن أتحول الى شخص آخر.. " ولكن التفكير بالتنازل عن طبيعته يعبر عن صراع نفسي خطير لديه لأنه يحاول أن يثبتها دائما ويحاول ان يؤكد وجوده في الحياة لكي يضع روحه في مكانها و ينقذ ذاته من وحشية الواقع الجديد إذ يقول بصيغة ضمير الغائب في ص21: "وكأن خطواته الوحيدة الشاحبة المتعبة هي فقط من تؤكد وجوده.. أين يضع روحه المتعبة بين هذين القطبين؟هل ثمة فرصة لإلتقاط الذات من هذه الفوضى الداكنة التي تجتاح الروح بوحشية؟أين هي النوافذ التي يطل منها الى هذا الواقع العسير والممتنع؟". ومايزيد هذا الصراع النفسي اكثر هو شعوره باستغلال نظرائه له حيث يقول في ص47: "تلمس استغلالا بشعا من أخوتك المهاجرين أمثالك والذين يحتالون على القيم الرائعة للقوانين الكندية. . ما العمل؟. . "هنا يطرح القاص تساؤلا بعد أن تغير معنى فراق الوطن من غربة مهاجر الى اغتراب إنسان. وهذا التساؤل هو انعكاس لحالة إغترابه في عمله. إن مشكلته الرئيسة في مهنته الطارئة سياقة (التاكسي) هي أنها تشعره في تفاهة حياته اليومية باستمرار. لقد كان في وطنه العراق وفي الدول العربية مهددا جسديا بالقتل والسجن والجوع والنفي وصار بعمله الجديد في كندا مهددا روحيا بالبلادة والتهميش والإلغاء. وإن معاقبة ذي الوعي باعدام بدنه او حرقه لأهون عليه بكثير من أن تعاقبه بتشويه روحه وتزييفها . إنها لمأساة إنسانية حقا أن يضطر الإنسان أحيانا إلى إلغاء روحه ليحقق استمرار جسده مؤقتا. فلئن كان الإنسان شجرة فإن الروح هي اللب والبدن هو القشرة. إني أرى في تساؤل القاص: "ما العمل ؟" استفزازا حادا لعقله لكي يتميز مساره عن مسار عقول القطيع القانع بمصيره في الحياة ولكي يخرج من مهنة قد قلصت غايته الفكرية والتربوية في الحياة الى وسيلة انتاجية استهلاكية ليس فيها مايدل على تاكيد إنسانيته وانما فيها ما يدل على سلبها ونفيها. . لذا شرع يتساءل بحثا عن البديل. عن شيء آخر ينتمي الى عالمه الروحي الداخلي وليس الى عالم الواقع المادي الخارجي. وهذا الشئ الآخر يكتشفه في فن الرسم صدفة حين يأتيه على هيئة اشكال غريبة مخيفة وهو بين الحلم والواقع . إنه يصف ذلك في 26: "تجمدت عيناي من الخوف حتى زاغتا من محجريهما . . وسبب فزعي ودهشتي المفجاةهو بروز اشكال غريبة كانها اخيلة ناتجة عن عين عليلة.. أذان كبيرة ترفرف كالطيور.. أنوف مختلفة الأشكال.. أفواه بكل المقاسات.. تتجمع وكانها كيانات هلامية لتكون بالتالي وجوها شبه بشرية.. ". ولكن سرعان مايتحول الخوف عنده من غرابة الأشكال الى رغبة في استعادتها حين تغيب لكي يرسمها وكانه يحاول أن يعري الحقيقة باللاوعي مزيلا عنها غطاءها العقلي لكي يرفع الواقع الى مستوى الحلم ويحل مابينهما من تناقضات بعد أن أخذ يشتاق مخلوقاته السريالية كما يقول في ص27: "وفي اليوم التالي كنت متلهفا الى قدوم الليل بل انني افتعلت قيلولة نهارية كي اسهر مع مخلوقاتي". غير ان مخلوقاته الجميلة في نظره قد اختفت ولم تظهر ولكنه لم يستسلم لقدره هذه المرة بل قرر ان يتعلم فن الكاريكاتير بديلا لكي يستعيدها بارادته وتصميمه حيث يقول في ص30: " قررت في تلك اللحظة الموغلة في الإحباط ان اتعلم فن الكاركتير" وقرر أيضا ان يحول مخلوقاته الى واقع رغم كبوات خطواته الفنية التي اخذ يتحمل فشلها تحديا بغية الوصول الى ضفة النجاح . ولقد عبر عن ذلك المعنى في ص31: "لكن التحدي هو الذي جعلني اتحمل مرارة الفشل . . وشيئا فشيئا؛تم رأب الصدع الروحي وقهر الياس. . أدركت بعد أشهر من التعب المر أنني قادر على ممارسة هذا الفن"وهكذا اصبحت هذه الهواية الفنية عملا له وارتفعت به فوق الظروف لتصبح مهنتة التي وطن نفسه على الإستمرار فيها. واعتقد أنا أنه قد وجد في الفن تحديا للرؤية المادية لواقع الإغتراب الذي لايكون فيه الإنسان إلا هامشيا ونسبيا؛ووجد فيه حرية روحية أيضا حيث لايستخدم إلاخبرته الإبداعية الخاصة مستغنيا عن خبرة الآخرين وحاجته إليهم . واذا كانت خبرتهم شرطا حياتيا مهما في العمل المهني فانها في الفن وجه من وجوه الموت. وهل هناك شئ اشد موتا للإبداع الفني من اتباع الآخرين ومحاكاتهم؟.. وبعد هذا كله أود أن اقول الآن صريحا: إن مادفعني الى أن أقف عند مجموعة"أوراق من يوميات حوذي" للقاص المتميز رحمن خضيرعباس وأكتب عنها؛ ليس فكرة الإغتراب وصلتها بجوهر الإنسان المهاجر وحسب ولكن ما في المجموعة من جمالية فنية تخالف مفاهيم القصة السائدة وتضادها. والفن الذي لايخالف المفاهيم السائدة ويضادها ليس بفن. فالقاص في مجموعته القصصية لايستنسخ جماليا صورة الواقع كما هي على حقيقتها ولا يحاكي نموذجها الإفلاطوني في عالم المثل أيضا وانما هو يحاول أن يعيد خلق الواقع من جديد بصياغة أخرى على ضوء رؤيته الفنية له كما فعل ــ على سبيل المثال ــ في قصته المقامة الكاريكاتيرية ص25 بحيث جعل الواقع مركزا إبداعيا لإثارة الأسئلة الحارة عما يعانيه هو بالذات وعما يعانيه جيله كذلك لا مركزا قصصيا للتسلية وما يتعلق بالتسلية من سرد تشويقي وعقدة وبطولة وغير ذلك من خصائص القصة التقليدية المعروفة. إن القاص لايريد أن يخبر المتلقي ما لايعلمه من احداث ووقائع ولكن يريده أن يتأمل ماوراء تلك الأحداث والوقائع وأن يبحث معه عن أجوبة لما تطرحه القصص من أسئلة جادة بل أن يشاركه في عملية الخلق والإبداع وأن يتمم ما أشار إليه وما لمح به من الإشارات والتلميحات الكثيرة التي اكتنفت مجموعته القصصية فلو أخذنا مثلا قصة النهر ص35 نرى ان النهر في النهاية قد جف ومات وأن حجي اسماعيل هو وحده الذي ثارعلانية على سلطة الدولة وحملها مسؤولية موت الناس من العطش بينما انسحبت الجماهيرعنه بين لائم ساخر وبين لائذ بالدعاء لإحياء النهر ص41. إن لغة القصة هنا تبدأ من خلال التساؤل عن نتيجة المواقف المتناقضة التي انتهت بها القصة ولم تنته. إن نهاية القصة اصبحت مفتوحة لاحتمالات عديدة. لم يجب عنها القاص بل ترك الجواب للمتلقي. إني أرى القاص بهذا يتخطى المحدود والنهائي في العمل القصصي المألوف عربيا ويتجاوزه الى اللامحدود واللا نهائي. كما أني لا اكاد أجد زمنا فيزيائيا في قصصه يؤطر الفكرة بتاريخ معين ويقيدها ماعدا مافي قصة "مدن ومتاهات" التي تعمد فيها القاص على الأرجح أن يؤرخ سنة هجرته من العراق 1976م ليدين النظام الدكتاتوري في العراق من جهة وليميز موقفه الوطني عن مواقف أعوان النظام الذين انفضوا عنه بعد إفلاسه وهاجروا من جهة اخرى. إن الزمن في القصص هو نفسي يطول ويقصر كقوله: "بينما كان الوقت يمر ثقيلا ص15"وهو كثيرا ما يتداخل فيه الماضي بالحاضر بحيث يصبحان زمنا نفسيا واحدا ومثال ذلك حين تداخل زمن عيسى بن هشام بزمن القاص ص25 وكل واحد من زمن مختلف وحين تداخل ماضي ركوب الأب الجواد بحاضر سياقة الإبن السيارة في زمن نفسي واحد وفي لوحة رائعة من المقارنة بين ما يعبر عن الجيل العراقي السابق والجيل اللاحق في قصة اوراق من يوميات حوذي ص43. ولا اكاد اجد صفات فسيولوجية للأشخاص في القصص أيضا إلا ماظهر باقتضاب شديد في بعض المواقف الرومانسية المعبرة عن الغريزة الجنسية حيث الجسد البشري هو الأساس الذي لايمكن تجاهله فيها كوصفه مثلا فاطمة: "واذا بذات الوجه القمحي تبرز امامي كملاك ص13. . "أو"يتضوع جسدها برائحة الغاسول ص16. " إنما الأشخاص في غير ذلك الإستثناء حالات فكرية أو نفسية في القصص يترابط نسيجها في علاقة شبكية لا تنفصل فيها الحالة عن الآخرى في البناء والتقنية كشخصية التيجاني ص13او احمد السائق ص39 او حجي اسماعيل ص40 .. الخ . إن خلو الأحداث من إطارها الزمني الفيزيائي وخلو الأشخاص من صفاتهم الفسيولوجية قد منحا القصص بعدا فنيا خلاقا تتوالد فيه النصوص وتتجدد في البحث عن المجهول الجميل عند كل قراءة جديدة. إذن امتياز القاص رحمن خضيرعباس لايكمن في خروجه على قيود الواقع العربي وغير العربي وحده؛ وانما يكمن في انه تجاوز كتابة القصة القصيرة التقليدية وصياغاتها المشتركة بين الكتاب أيضا. وبحسبه تفردا وتفوقا أن مجموعته القصصية لها نظامها الجمالي المستقل. وهذه الإستقلالية الجمالية لاتعني انه منفصل عن تراثه الأدبي لأنه مقيم في الشمال الامريكي بل هو موصول به ولكن صلة تجديد وابداع لاصلة محاكاة وتقليد.

 

 

المشاركون في هذه المحادثة

تعليقات (4)

This comment was minimized by the moderator on the site

بدءً أتقدم بالتهنئة للقاص رحمن خضير عباس على صدور مجموعه القصصية "أوراق من يوميات حوذي" والتي قدمها الشاعر عبد الإله الياسري فأحسن التقديم واختار مقتطفات منها شوقتني كقارىء الى قراءتها...عندما قرأت العنوان حضرني عالم تشيخوف، وقصصه المعبرة ذات المغزى الإنساني العميق..وما خاب ظني وأنا أتوغل في هذا العرض الجميل، وأيا كان الحوذي برفقة حصان أو برفقة ركاب يقودهم في سيارة تكسي، إذ تبدو الحكاية واحدة من حيث الشكل وحتى الموضوع، وهي محنة الإنسان في اغترابه الجغرافي والاجتماعي، هي محنة الدائرة الذكية التى لا تملك سوى أن تهاجر، وأن تعيش مع كوابيس لا تني تتعمق في جوارح النفس قبل الذاكرة..هل يمكن للذئب أن يتخلى عن نواجذه ومخالبه ليصبح حَمَلاً؟ يبد السؤال ساذجا، ولا يحتاج الإنسان لمصباح ديوجين لكي يكتشف حقيقة الجواب! وهذا الجواب يحمل آلاما ومرارات ما انفكت تتكرر وتكرر، ويدفع ثمنها الناس بسطاء كانوا أم مثقفين تنبؤوا كما تنبأ شاعرنا الياسري في غربة اللؤلؤ وكما تنبأ القاص رحمن خضير عباس في أوراقه ذات التداعيات التي تومىء للمستقبل! ورغم أن الغربة ملاذ أو مأوى يعصم صاحبه من عوالم الهلاك، إلا أن لها أشرطة تدور في ذاكرة الإنسان وخواطره أنى كان في كندا أو السويد أو استراليا، إنها محنة الإنسان في عالم متوحش وما زال في توحش حتى وإن لبس لباس الدين

خالد جواد شبيل
This comment was minimized by the moderator on the site

الناقد الأدبي الحصيف الاستاذ خالد جواد شبيل
سلاما وإكبارا
ماذا اقول لك بل ماذا تقول الخوافي للقوادم أيها السباق الى الحقيقة والحق دائما.؟
لقد زاد تعليقك قصص المبدع رحمن خضير عباس وعيا على وعي وعمقا على عمق.وللوعي والعمق أهلهما.وما انا بين الحصافة والإبداع إلا تلميذ معجب.تعلم أنني ازدري قوة الحكم والمال عزة وأنفة ولكنني أخفض جناح الذل لقوة الجمال.إنني عاشق الحرف الجميل لاأستطيع أن أمر عليه مر الكرام.ولذا استوقفتني قصص الكاتب الوطني الأستاذ رحمن وقفة جعلتني اكتب عنها (من حيث ادري ولا أدري).
أحييك ثانية وأشكر لك تعليقك الغني العميق واسلم حضورا دائما في ميدان الأدب

عبدالإله الياسري
This comment was minimized by the moderator on the site

استاذي الفاضل تقبل مني كل احترام وتقدير:
هنيئا للأستاذ رحمن خضير عباس هذه المجموعة القصصية الجديدة وهنيئا لك هذه المقالة وهذا الجهد الاستثنائي قد جمعت لنا في هذه الدراسة التحليلية للمجموعة القصصية (أوراق من يوميات حوذي) للقاص (رحمن خضير عباس) الكثير من سمات الجمال مستخدما فن التشويق بدراية دون مغالاة او تهوين لمتعة القارئ وأنت تضئ لنا بقعة من بَهَار تأخذنا الى عوالم ساحرة، تجول بنا في مكنوناتها الداخلية وأنت تفسر السلوك القصصي لهذه المجموعة القصصية الفريدة. تحيتي

علي محمد حسن الياسري
This comment was minimized by the moderator on the site

العزيز علي محمد حسن الياسري
أحييك احسن تحية شاكرا لك تهنئتك أصالة عن نفسي ونيابة عن الاستاذ رحمن خضير عباس .إن تعليقك الذي ينم عن فهم ووعي عميقين قد أضاء وقفتي عند قصص الكاتب إضاءة رائعة.اكرر شكري متمنيا لك مزيدا من العطاء مع محبتي وامتناني

عبدالإله الياسري
لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 2871 المصادف: 2014-07-16 11:10:05