المثقف - قراءات نقدية

تنويه الأديب همام قباني وقصيدتي في رثاء الجواهري

1karem merza - سبق منذ بضعة سنوات أن قامت دور نشر وتوزيع عربية كبرى على إعادة طبع مؤلفين لي دون علمي، ولا بموافقتي، وحددت سعر كل مؤلف بـ (8 دولارات)، ونشرت إعلاناتها على الشبكة العنكبوتية، وهما (نشأة النحو العربي ومسيرته الكوفية .. مقارنة بين النحو البصري والنحو الكوفي)، الصادر من دار الحصاد بدمشق، سنة 2003 م، (وللعبقرية أسرارها .. تشكّلها .. خصائصها .. دراسة نقدية مقارنة) الصادر من دار فجر العروبة بدمشق، سنة 1996م، وغضضت الطرف لأن اسمي مدون عليهما، ولم أعر اهتماماً للأمور المادية، بل قامت بعض الجامعات العربية الخليجية ببيع أو توزيع (نشأة النحو ..) على طلابها، ولم أفاتحها بالأمر ما دام اسمي عليها وجهودي لم تذهب هدرا، والعلم مشاع للجميع، ولم يكن هدفي يوماً من ورائه أن أسعى لمادة أو منصب، أو جاهٍ، وإنما الذكرى بعد الممات، والذكرى حياة !!

2 - وسبق، أيضاً منذ بضعة سنوات، أن قام موقعان أحدهما عربي شهير، والآخر إيراني بارز بنشر عدة بحوث ومقالات لكاتب هذه السطور، ولم يدون اسمي عليها، فكتبت مقالة عن سرقتها، ثم أردفتها بكتابة ثلاث حلقات عن السرقات الأدبية، وتوارد الخواطر .. تجدونها منشورة في عشرات المواقع .. !! وسبب ثورتي عدم ذكر اسمي، واحترام جهودي المتواضعة. والله خير الحاكمين .. !!

3 - يوم أمس رغبت أنْ أنشر الحلقة الرابعة عن الجواهري على صفحة التواصل الاجتماعي، ووددت أن أرفق المقالة بصورة عن الجواهري من السيد (كوكل) !، تفاجأت بصورة للجواهري تحمل عنوان قصيدتي في رثائه (ضرب الوليدِ كأحمدٍ وهمامِ)، مع عبارة لي عن الموضوع تقول: القصيدة كاملة بـ (كاملها) مع شرح مفرداتها وإيحاءاتها، طبعا أنا الذي شرحت مفرداتها، ونوهت إلى إيحاءاتها، وتحتها أمنيات من السيد همام قباني، ودخلت على الفيس وبحثت عن اسم الأخ همام قباني، فوجدته، وطلبت صداقته، وذكرت له الأمر، فأعتذر الرجل كثيراً، وقال عجبتني القصيدة، فوددت نشرها، ولم أجد اسمك عليها لأدونه، سأقوم بالتصحيح، وفعلاً بعد دقائق، غير الاسم ودون اسمي، ورفق الرابط الذي نقل منه القصيدة ومناسبتها، وتفاجأت مرة أخرى أن موقع (الأخبار) الذي نقل منه الموضوع قد دوّن اسمي !! المهم قبلت اعتذاره، ولكن للأمانة التاريخية، ولكي لا يحدث خلط، أنوّه بهذا، علماً أن القصيدو ألقيت في الحفل الذي أقامه المثقفون العراقيون مع عائلة الفقيد بدمشق، ونشرت القصيدة صحيفة (تشرين) السورية، و(الوطن) العراقية في حينها، ومثبتة في ديواني الثاني (حصاد أيام وأيام)، ونشرتها من بعد العديد من المجلات والصحف والمواقع العربية والعراقية . لهذا أقتضى التنويه . ولا يعتبر هذا التنويه مساساً بشخصية الشاعر همام قباني، وقد أخذت الأمر بحسن النية، والرجل لم يمانع بالتنويه للأمانة التاريخية .

4 - الحقيقة كاتب هذه السطور مجدٌّ بتفان كبير لإعلاء مسيرة تراثنا الأدبي، وخفايا لغتنا الجميلة قدر المستطاع بالرغم من ضعف البصر حتى العجز الكامل بتقارير طبية رسمية، إضافة إلى ضعف الضرب على الآلة الحاسبة، وأحياناً نادرة يساعده أخ كريم، وابنة مطيعة، مما قد تقع بعض الأخطاء المطبعية النادرة، لهذا ولكلّ ما سبق، وللوعد الذي ضربه للقرّاء الكرام بطبع مؤلفاته الجديدة، ولحفظ حقوقه المعنوية تاريخياً - وكما ترون حال العراق حالْ، ويصعب الترحالْ !!- أقول: لذلك في منتصف شهر آب اللهاب سيتفرغ كاتب هذه السطورعدة أشهر لتنقيح أربعة مؤلفات جديدة كبيرة مهمة مع (مختارات الديوان)

أعتذر للقرّاء الأعزاء، والمواقع الكريمة عن الانقطاع المؤقت، مع شكري وتقديري للجميع.

على المرء أن يسعى بمقدار جهده *** وليس عليه أن يكون موفقا

 

أرفق لكم صورة عن القصيدة مع الشرح، والإيحاءات، وذكر المناسبة، بعد أن أنزل الأخ الأديب همام قباني اسمي في أسفل الموضوع مع الروابط على صفحة تواصلي الاجتماعي مع صورة الغلاف الذي عثرت عليه في بحث كوكل !!

ضربُ الوليـدِ بأحمدٍ وهمام ِ  

قصيدة رثاء الجواهري كاملة بـ (كاملها) التام ! مع شرح مفرداتها وإيحاءاتها

- الحلقة الخامسة -

كريم مرزة الاسدي

القصيدة التي ألقاها الشاعر بعد أسبوع واحد فقط من وفاة الجواهري العظيم (27/7/1997م) . وذلك في الحفل التأبيني الذي أقامه المثقفون العراقيون مع عائلة الفقيد بدمشق الشام للشاعر، في (1997 / 8/ 3)، تتضمن سبعة وستين بيتاً، نذكرها للذكرى والتاريخ، إذ لم تطرق آذان معظم العراقيين:

عمرٌ يمرُّ كومضـــة الأحــــــلام ِ** نبضُ الحياةِ خديعة ُالأيّـــــام ِ

هلْ نرتجي من بعدِ عيش ٍخاطفٍ * أنْ نستطيلَ على مدى الأعوام ِ

أبداً نسيرُ على مخــاطر ِ شفرة ٍ** حمراءَ تقطرُ من دم الآنـــــام ِ

هزأتْ بنـــــا منْ عهدِ آدمَ أنفسٌ ** ولـّتْ وبطنُ الأرض ِللأجسام ِ

أينَ الألى كـــانوا بمدرجةِ العلى ** كلٌّ يســــيرُ بموكبِ الإعدام ِ

وإذا حذرتَ فلا يجيبكَ عـــــاجزٌ ** سهمُ المنيّة ُ نــــــــافذُ الأحكام ِ

يتزاحمونَ إلى المماتِ تهافتـــــًا **فكأنّ مســــــعاهمْ بكفِّ حِمام ِ

أنـّى تشا قبضتْ على أرواحهمْ ** واستودعتهمْ فـي حشا الأوهام ِ

مَنْ عاشَ في حسكِ الهوان ِيمضّهُ ** أو في ذرى عزٍّ من الإقــــدام ِ

سيّانَ في ختم ِالحيـــاةٍ وحكمـــها ** فالحزمُ إقــدامٌ بـلا إحجــــــام ِ

وإذا نـُكدتَ بصــاحبٍ وملـــمّةٍ ** فاخلع لبـــاسَ اللــوّم واللـــوّام ِ

دعْ عنكَ همهمة َالسؤال للغزها **واجرعْْ منيتها بلا اســـــتفهام ِ!

هذي مقاديرٌ لربّكَ شــــــــــــأنهُ ** وعليك رحمتهُ وظلُ غمــــام ٍ

*******************************

يا أيّها الشــــــعرُ اليتيمُ أبوة ً** طرِّ الجفافُ بمنبع ِ الإلهـام ِ

من بعدِ آياتِ القريضِ ِ وربِّها ** يهوى العمودُ وحسنهُ لحطام ِ

لا عبقرٌ يزهو بدرِّ جــواهر ٍ ** أوراقهُ سخرتْ من الأقـــلام ِ

عُقمَ الزمانُ فلا يجودُ بمثلهِ ** ضربُ الوليـدِ كأحمدٍ وهمام ِ(1)

عذراً وإنْ عزَّ المحالُ فربّما ** فيضُ النجيع َمن العراق الدامي

من أينَ ينفحُ في اللآلىء روحَها ** فيحيلها قولاً كقول ِ حذام ٍ (2)

أو يحسبونَ الشعرَلعبة َلاعــــبٍ ** ومزادهُ العلنيٌّ للسّــــــــوام ؟!

يأتي على قدر ِالقيـــــاس ِمقنناً ** مــــن دون ِ إعجاز ٍبلا إلهــامِ ِ

***********************************

قرنٌ يصولُ ولا نراهُ خاشعاً ** الا لحق ّ و لعهدِ ذمــــــــام ِ

عشرونَ ألفــاً صُفـّفتْ أبيــاتها ** فاضتْ قرائحُـــها مــــن الآلآمِ ِ (3)

من دوحة الشرفِ المعلـّى إرثهُ ** سوحُ النضـــالِ ومرتعُ الأعلام ِ

من (دجلةِ الخيِر) التي بضفافها ** (جرحُ الشهيدِ) وصرخة الأيتام (4)

من (أم عوفٍ) إْذْ تطارحُ ضيفها ** سمراً وردتْ روحَهُ بكلامِ ِ(5)

منْ(أبكر الإصباح) يشدو زاهياً ** شدو الرعاةِ وصبية الأحــــلام ِ

منْ(ريشةٍعظمُ الضحيةِ)عودُها ** رسمتْ خطوطَ المجدِ نفسُ عصام ِ(6)

منْ(جلـّقٍ) واخضوضرتْ جنباتهُ ** قدْ فاحَ طيبــاً عبقهُ للشـّــــــــــام ِ

منْ يوم (عدنان ٍ) لآخر يومــهِ ** ولهُ (دمشق ُ) تزفُّ بالأنـــــــغام ِ(7)

وسعَ الدُنى أفقاً وأجّج لهبهــــا ** شـــعراً وحط رحالهُ بـ (وسام ِ)(8)

جادتْ بهِ الدنــــيا بآخر عهدِها ** كالسيل ِيكســــحُ علـّةِ الأرقام ِ

****************************************

يا شيخنا والشـــــعرُ قبسـة ُ قابس ٍ ** ولأنتَ بركــــــانٌ من الإضرام ِ

سارعتَ في وصفِ اللواعجِ لمحة ً ** بشواردٍ حُبكتْ على الإحكــــام ِ

ووضعتَ ما عجزَ الأوائلُ خاتمــاً ** شأو القريض ِلذمّة الإعجــــام ِ

ولقد تركتَ الأصــــغرين (كحرّةٍ ** ولدتْ) بدون تدلـّل ٍ ووحــــام ِ(9)

فهتكتَ من لبسَ الـــرياءَ ويكتسي ** وجهَ العفيفِ بطانة َ الإجــــرام ِ

فتلوّنتْ تلكَ الطبـــــاعُ واصبحتْ ** بعدَ النقاءِ كحشوةِ الألغـــــــــام ِ

فالشــــــــــعرُوجدانٌ لأمةِ يعربٍ ** إلهـــامُ إنســـــانيةِ الأقــــــــــوام ِ

وبدونهِ تخبو الحيـــــــاةُ كآلـــــةٍ ** صمّاءَ والإنســـانُ لحمُ ركـــــام ِ!!

هو نفحةٌ ٌ مُزجتْ بزخم ِ تجاربٍ ** والفضلُ بعدَ الجهدِ للعــــــــّلام ِ

مَنْ قال:إنَّ العلمَ ينهض قائمــاً ** منْ غير ِحدس ٍدونَ حلم ِمنــام ؟ِ!

لولاهُ ما غمرَ الورى إنسٌ ولا ** نـــورٌ بجوفٍ موحش ٍ وقتـــام ِ

*******************************

وإذا أثاركَ في الحـــــياةِ تحيّرٌ ** أنْ يستحيلَ الفكرٌ محضَ رمام (10)

(فالحائر الجبّار) أنـتَ نظيرهُ ** فكراَ بلا وضــح ٍ ولا إبهــــــام ٍ(11)

قد حيّرَ الألبابَ ربّـُـكَ لـــغزهُ *** بينَ الوجـــودِ وقوة الإفهـــــام ٍ

المطلقُ الحركات من أسرارهِ ** تتكاثرُ الأحياءُ في الأرحـــام ِ(12)

هاأنت َتشخصُ ماثلاً بضميرنا ** والفكرُ والأفعالُ رهنَ قيــــام ِ

**************************************

يا شيخنا والذكرياتٌ تعيدُني ** لمنازلِ النجفِ الغري لهمام (13)

لمدينتي تلكَ التي قدْ شـُرّفتْ ** فيها العظــــِامُ لمنبع الإكرام

لفساحةِ البيتِ العتيق ِ لزهوهِ ** لمجالس ِ الأبــاءِ والأعمام ِ

لطفولتي ولدربِ مدرستي وما ** ألفيتُ منْ حبٍّ وعشق ِغرام ِ

ولساحةٍ عجّتْ ولهفُ قلوبِها ** (مصرُ) الحبيبة في ذرى الإيلام ٍ (14)

وتساقط ِالشهداءِ كرّوا لحتفهمْ ** بصدورهمْ عــزّاً بلا اسـتسلام ِ

إذْ يُغلقُ(السوقُ الكبيرُ) بلحظةٍ ** ويفورُ كلُّ الدمِّ في الأجســــام ِ

وتهبُّ ربّاتُ البيوتِ لنصرةٍ ** وتصبُّ سيلَ دموعِها بسجام ِ

ويطلّ ُشعركَ بالحناجر ِهادراً ** إقحمْ بصــدركَ بؤرة َ الأقزام ِ(15)

**************************************

يا شيخنا والذكرياتُ ُتعيدُني **** وتلح ّ ُ أخيلتي على أقلامي

للمكتباتِ يعجّ ُ في أجوائـها ** سحرُالكلام ِومرجعُ (الأحكام) (16)

ونباهةِ الشعراءِ في ندواتِهمْ ** كلٍّ يصـــــولُ بحرمةٍ وذمام

فكأنَّ(دعبلَ)مسرغٌ لـ (مدارسٍ) ** و(البحتريَّ) إلى(أبي تمّام ِ)(17)

وهنا نرئ من(سيبويهَ)ملامحاً ** لـ (كتابهِ)البصريِّ نهجُ إمامِ (18)

(لأبي حنيفة َ)مجلسٌ ولـ(مالكٍ) ** ندّ ٌبأسمى رتبةٍ ومقام ِ(19)

وهناك في (الإيوان)معقدُ حلقةٍ ** يجري بها الكنديّ ُبالإفحامِ(20)

يتجادلون على(الحصير)بساطة ً ** ولـكلِّ فذٍّ عمّة ٌ كوســـــام ِ(21)

من ذا ولدتَ ومن طهارةِ (آيةٍ ** لله) بيّنَ حجّةِ الإسلام ِ(22)

فإذا بُعدتَ عن (الإمام ِ) وتربهِ ** نمْ بينَ دوحةِ (زينبٍ)بسلامِ ِ(23)

 

 

.....................

(1) الضرب: المثل والصنف، ويقال هذا من ضرب ذلك أي من نحوه وصنفه، واللطيف ابن منظور يقول: أنشد ثعلب:

أراكَ من الضربِ الذي يجمعُ الهوى وحولكَ نسوانٌ لهنَّ ضروبُ  

وثعلب - والكلام لي - هو إمام النحويين الكوفيين في عصره توفي (291هـ / 904م)

مهما يكن: الوليد نعني به الوليد بن عبيد الطائي. أبو عبادة (البحتري) توفي في 284هـ / 897م وهو من مواليد منبج قرية شمال شرق حلب، هاجر إلى العراق صغيراً وأصبح شاعر المتوكل الأول وقصره الجعفري بسامراء، والأصح (سرّ مَن رأى) لغوياً، و أحمد هو أحمد بن الحسين الجعفي أو الكندي، أبو الطيب (المتنبي) (ت 354هـ / 965م)، ولد في الكوفة وهاجر صغيراً إلى بلاد اشام، وأصبح شاعر سيف الدولة الحمداني الأول، وبلاطه الحلبي، و همام هو همام بن غالب بن صعصعة التميمي، أبو فراس الفرزدق (توقي 110هـ / 728م) ولد في البصرة من أكبر شعراء عصره الأموي، رثاه جرير، كانا صديقين إلا في الشعر، مدح آل البيت أجل المديح، تنقل بين البصرة والكوفة وبلاد الشام، ومدح الخلفاء الأمويين للتكسب .

(2) التشبيه إشارة إلى قول الشاعر الجاهلي (يستشهد به في النحو العربي):

إذا قالتْ حذام ِفصدِّقوها فإنَّ القولَ ما قالتْ حَذام ِ

قيل الشعر لديسم بن طارق، واختلفوا في (حذام)، هل هي الزباء (زنوبيا) ملكة تدمر، أو زرقاء اليمامة، وقيل هي،حذام بنت الريان، ملك معد، لما خسر قومها المعركة، وفرّوا ليلا، هجّ طير القطا حيث أقاموا، فأشعرت قومها بالخطر المحدق بهم إذ قالت:

آلا يا قومنا ارتحلوا وسيروا فلو تُركَ القطا ليلاً لناما

صدق حدسها، فقال ديسم بن (ظالم)الأصعري البيت، فيضرب بها المثل لصدق القول، وقوة الحدس، وشدة الاستشعار .

(3) أحصى كاتب هذه السطور - كما أحصى للعديد من الشعراء شعرهم - في بديات التسعينات من القرن الماضي،فوجده يقارب عشرين ألفَ بيتٍ . ِ

(4)طبعاً (دجلة الخير) إشارة إلى قصيدته الشهيرة (يا دجلة الخير)، و(جرح الشهيد) إشارة إلى قصيدته (أخي جعفر) الذي استشهد بمعركة الجسر أبان انتفاضة (1948)، ومطلعها:

أتعلمُ أمْ أنت لا تعلمٌ بأنَّ جراحَ الضحايا فمُ

(5) يا (أم عوف ٍ)،قصيدة رائعة مطولة نظمها الشاعر 1955 م مزج فيها بين الوجدان والفلسفة، أبان رحلته إلى (علي الغربي)، وخلالها استضافته راعية غنم (أم عوف)،بكرم كبير ولطف ودود، ورعاية تامة، فناجاها بهذه القصيدة، وأبعد المشوار، ومطلعها:

يا (أمَّ عوفٍ) عجيباتٌ ليالينا يدنينَ أهواءنا القصوى ويقصينا

(6) من (ريشةٍ عظمُ اضحيةِ)، تضمين لبيت الجواهري من قصيدته (خلفتُ غاشية الخنوع ورائي) في رثاء عدنان المالكي سنة 1956م، البيت:

هذا أنا عظمُ الضحيةِ ريشتي أبداً ونفحُ دمائها أضوائي

(7) العقيد عدنان المالكي شهيد الجيش السوري، وجهت دعوة مشاركة للجواهري في الحفل التأبيني الأول المقام سنة 1956م، إذ شارك بقصيدته الهمزية، وبعدها بعام شارك برائيته، ومنها البيت (أنا العراق لساني قلبه ودمي فراته وكياني منه أشطارُ)، إذ بقى فيها ما يقارب السنتين في ضيافة الجيش السوري، بعد غضب الحكومة العراقية عليه، إثر قصيدته الأولى .

(8) في سنة 1995 م قـُلد الجواهري وسام الاستحقاق السوري من الدرجة الممتازة ـ تكريما للشاعر، وقلدته وزيرة الثقافة السورية الدكتورة نجاح العطار الوسام .

(9) (كحرّّةٍ ولدتْ)، إشارة إلى قول الجواهري:

لا تقترحْ جنسَ مولودٍ وصورتهُ وخلـّها حرّةً ًتأتي بمــــا تلدُ

وقلْ مقالة َ صدق ٍ أنتَ صاحبها لا تستمنَ ولا تخشى ولاتعِدُ

(10) إشارة إلى قول الجواهري البيت التالي في ذكرى وفاة الرصافي:

لغزٌ الحياةِ وحيرة ُ الألبابِِ أنْ يستحيلَ الفكرٌ محضَ ترابِ

توفي الرصافي 1945م، وقال الجواهري بيته في ذكرى الرصافي 1959م .

(11) (فالحائرُ الجبارُ)، إشارة إلى أبي العلاء المعري، وقوله في قصيدة رثائه لأبي حمزة الفقيه:

والذي حارتْ البرية فيهِ حيوانٌ مستحدث ٌ من جماد

طبعاً ما أراد إلا الإنسان، وله قول آخريصب في المعنى نفسه، وأكثر تعميماً:

سألتموني فأعيتني إجابتكم من ادعى أنـّه دار ٍفقد كذبا

وللجواهري قصيدة رائعة عن أبي العلاء المعري، ومتأثر ببعض أرائه، لذلك قلت أنت نظيره، إذ ضمنت قول الجواهري نفسه في (معريه) قائلاً:

والملهمَ (الحائرَ الجبّارَ) هلْ وصلتْ كفّ ُالردى بحياةٍ بعدهُ سببا ؟

(12) (المطلق الحركات) كناية عن الخالق، المفترض الكون أصم أبكو، يمرّ قي سكون رهيب من أطلق هذه الحركات الرهيبة في الكون بمجراته ونجومه وكواكبه .. حتى رياحه وسحابه وكائناته الحية من أرأرقاها حتى أدناها !!! (تكاثر الأحياء): إنوظيفة التكاثر من أإبدع أسرار الله، إذ كل وظائف الإ نسان الحيوية تخص الفرد، عدا وظيفة تخص النوع، وبالتالي لولا التكاثر لأنقرضت الكائنات الحية منذ الجيل الأول، فهي أبدع وأروع الوظائف الحيوية، وفي البيت السابق ركزنا على خلق الوجود، وإبداع العقل لإدراكه.

(13) (الهمام) كناية - كما هو معروف - عن الإمام علي (ع) .

(الغري) من اسماء النجف الأشرف، وتعني الخسن الوجه، أو البناء الجيد، أخذت لا تطلق على المدينة إلا بالشعر،يقول دعبل الخزاعي:

سلامُ بالغداةِ و بالعشيِّّّّّ على جدثٍ بأكنافِ (الغريِّ)

والحقيقة ذكر أنـّهما غريان، عبارة عن طربالين كالصومعتين بظهر الكوفة (النجف)، بناهما بعض ملوك احيرة، ربما كانا لهما علاقة بعبادة الأوثان، وتقديم القرابين في المواسم الدينية،إندثرا من القدم، ولما مرّ بهما معن بن زائدة الشيباني رأى أحدهما فقط، وقد شعث الآخر وهدم، فتحسر قائلاً:

لو كان شيءٌ له أن لا يبيد على طول الزمان لما باد الغريان

ففرقِ الدهرٌ والأيــــــــامُ بينهما وكلُّ ألِفٍ إلى بين ٍ وهجران ِ

(14) أبان الأعتداء على مصر غام 1956، حدثت مظاهرات خاشدة في العراق، وخصوصاً في مدينتي الحي والنجف، ووقع عدة شهداء في المدينتين، و الساحة المعنية هي ساحة الميدان، وسيأتي ذكر أكبر أسواق النجف (السوق الكبير)، ووصف للأحداث .

(15) كانت الجماهير تردد قصائد الجواهري،وأشرت ملمحاً لأبياته الشهيرة من قصيدته (أخي جعفر):

تقحمْ لُعنتَ أزيزَ الرصـــاص وجرّبْ من الحظِ ما يُقسمُ

وخضها كما خاضها الأقدمون وثنِّ بمـــا افتتح الأقدمُ

فإمّا إلى حيثُ تبدو الحيــــاة لعينـــيكَ مكرمــة ً تُـغــنمُُ

وإمّا إلى جـــدثٍ لـــم يكنْ ليفضــــلهُ بيتكَ المـــــظلمُ

(16) من البيت السابق لهذاالبيت، وصف لمدرسة النجف الفقهية والأدبية منذ بدايات حياة الجواهري مطلع القرن العشرين حتى منتصف الستينات منه !! (الأحكام): تورية عن كتاب (تهذيب الأحكام) للشيع أبي جعفر محمد بن الحسن (ت 460هـ /1068م)، مؤسس جامعة النجف الفقهية .

(17) (دعبل): هو دعبل بن علي الخزاعي، ودعبل لقبه واسمه محمد، ويُكنى أبو علي - هنالك اختلاف في اسمه وكنيته - ولد في الكوفة، عاش بين(148 هـ - 246 هـ /765م - 860م)، هجا وسخر من كل الخلفاء العباسيين الذين عاصرهم بعمره المديد مع وزرائهم، وقادتهم العسكريين والأمنيين وولاتهم، ومدح آل البيت مديحاً عظيماً، ومسرع لـ (مدارس)، تورية لنظم قصيدته الشهيرة في مدح أل البيت:

مدارسُ آياتٍ خلتْ من تلاوةٍ ومنزلُ وحي ٍ مقفرُ العرصاتِ

أبو تمام: حبيب بن آوس الطائي- قيل يالولاء - من مواليد قرية جاسم قرب دمشق، هاجر إلى مصر،ثم إلى العراق ليصبح شاعر المعتصم الأول حياته بين (180هـ - 228هـ /796م - 843م على الأرجح)، و هو أستاذ البحتري، وليست القافية أحوجتني أن أقول (والبحتريَّ إلى أبي تمّام)، فالتلميذ يذهب إلى أستاذه، أما (البحتري) مرّتْ ترجمته عاش بين (206هـ - 284 هـ / 821م - 897 م)، وهؤلاء الشعراء الثلاثة كانوا متعاصرين وأصدقاء، ولم يحشرهم الشاعر خبطة عشواء، قال البحتري في رثاء

استاذه أبي تمام وصديقه الشيخ العجوز دعبل:

قدْ زادَ في كلفي وأوقدَ لوعتي

مثوىَّ حبيبٍ يومَ ماتَ ودعبل ِ

أخوي لا تزلُ السماءُ مخـيلة ً

تغشاكما بسماءِ مزنٍ ٍمسبـل ِ

جدثٌ على الأهوازِ يبعدُ دونهُ

مسرى النعيِّ ورمةٌ بالموصل ِ

(18) سيبويه: هو أبو بشرعمرو بن

عثمان بن قنبر، وسيبويه لقبه يعني بالفارسية رائحة التفاح إمام البصريين في النحو، عاش بين (140هـ - 180هـ /757 م - 796م)، مات كمداً بعد التآمر عليه في المسألة الزنبؤرية الشهيرة، بينه وبين الكسائي إمام الكوفيين، وكتابه في النحو لا يحمل اسماً، فلذا بقي (الكتاب) بشكله المطلق يعني كتاب سيبويه في النحو .

(19) لا أرى الإمامين أبا حنيفة (النعمان بن ثابت 80هـ - 150هـ) مواليد الكوفة، صاحب مدرسة الرأي والقياس، ولا (مالك بن أنس 93هـ - 179هـ)، مواليد المدينة المنورة،صاحب مدرسة الحديث يحتاجان إلى تعريف .

(20)ألإيوان، كلمة أصلها فارسي دخلت العربية قبل الإسلام، جمعها أواواوين أو إيوانات، تحيط الصحن الحيدري الشريف من الداخل، كان العلماء والأدباء يجتمعون فيها لغرض الدراسة والبحث أو السمر. (الكندي)؛ هو أبو يوسف يعقوب بن أسحاق الكندي الفيلسوف العربي الإسلامي الكبير، ولد في الكوفة، ويختلف المؤرخون بتحديد سنة ولادته ووفاته حوالي (185هـ - 256هـ / 805م - 873م)، وكل الرموز التي وظفها الشاعر صيغ بلاغية المراد بها التشبيهات والتشبيهات البليغة والتوريات والمجازات.

(21) يقول الجواهري فيما قرأت مرة: إنّ بيتي عن المعري:

على (الحصير ِ) .. وكوزُ الماءِ يرفدُهُ وذهنهُ .. ورفوفٌ تحملُ الكتبا

أعني به نفسي .. لذلك في بيتي إشارة إلى هذا البيت الجواهري، ولا ريب أنا أميّز بين عمامة وعمامة، لا من حيث مكان وجودها، وإنما من حيث سمو عبقريتها، وعندما أتكلم عن العبقري غير مسؤول عن سلوكه الشخصي كفرد، ولا عن انتمائه الطائفئ أو الديني أو السياسي أو الطبقى أو المناطقي أو الاجتماعي كجماعة، إلا بما تؤثر هذه الصفات أو العقائد على عبقريته الإنسانية !!

(22) (آية الله): كناية عن جده الثاني (الشيخ محمد حسن) المرجع الديني الكبير على امتداد تاريخ الطائفة الشيعية، والآن تضاف كلمة (العظمى)، ولم تكن هذه الكنايات معروفة في عصره (توفي 1266هـ /1850م)، المشهور بالنجفي، ومؤلف كتاب (جواهر الكلام 50 جزءً)، وإلى هذا الكتاب تنسب العائلة الكريمة، فالأستاذ الجواهري الشاعر هو محمد مهدي ابن الشيخ عبد الحسين ابن الشيخ عبد علي ابن الشيخ محمد حسن النجفي، أما (حجّة الإسلام)،لا تذهب للمعنى القريب المستعمل اليوم، وإنما تورية للأبعد بدليل (بيّن).

(23) ولد الشاعر في 26 تموز 1899م في النجف، وكانت أمنيته الغالية أن يدفن في موطنه، وكرر ذلك مراراً وتكراراً، ولكن شاءت الأقدار أن يتوفاه الله في دمشق الشام التي عشقها في 27 تموز 1997، ودفن في مقبرة السيدة زينب (ع) .  

ـــــــــــــــــــــــــــــــــ

بقلم الشاعر كريم مرزة الأسدي

.. الرابط الموضوع ..

http://www.akhbaar.org/home/2012/04/128429.html

ــــــــــــ

مدونة الأدب العربي على الرابط ادناه

www.facebook.com/homamkabany2011

.. ..

محبتي لكم / هُمَام قبّانِي

المشاركون في هذه المحادثة

تعليقات (2)

This comment was minimized by the moderator on the site

الشاعر الفذ كريم مرزة الأسدي
حفظك الله و رعاك يا صديق الزمن الدمشقي الجميل, و ألبسك ثوب عافية لا يبلى, بحق هذا الشهر الكريم و أيامه الفضيله, أعاده الله عليك و على متعلقيك بوافر نعمه و رضوانه, و متعنا و جميع محبيك بطول بقائك أيها العلم, و لا حرمنا فيوضات شعرك الباذخ الروعة و التألق.

مصطفى المهاجر
This comment was minimized by the moderator on the site

الشاعر والأديب الكبير الأستاذ مصطفى المهاجر المحترم
السلام عليكم والرحمة / رمضان كريم
شكرا جزيلاً على لطفك وكرمك وذوقك الرفيع ، أرجو من الله أن يمنّ عليك بالصحة والعافية ، وطول العمر ، وأن تكون العائلة الكريمة بألف ألف خير ، واليوم ونحن نحتفل بعد الفطور بعيد ميلاد حفيدتي الصغيرة ، ثلاث شمعات ، عيوني تدمع على ما يحدث في الموصل الحدباء وتهجير العراقيين من المسيحيين والتركمان والشبك ، وكتبت مقالة سأنشرها بعد عدة أيام تتضمن نداء للسيد رئيس الوزراء ، تقبل تحياتي واحتراماتي

كريم مرزة الأسدي
لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 2874 المصادف: 2014-07-19 10:27:35