المثقف - قراءات نقدية

أسئلة الوجود ومعاني الخلود أديب كمال الدين يسري على صهوة براق (الألف)

hamid lafta(أنا لست من الشرق أو الغرب .. ولا توجد حدود لقلبي) جلال الدين الرومي

 

النافــــــــذة:

من يطلع على السيرة الذاتية للشاعر الكبير أديب كمال الدين، يرى العدد الكبير من الأساتذة من ذوي الفطنة والباع الكبير في النقد الأدبي وعلم الدلالة وما بين السطور والقدرة على استخلاص المعنى من رياض مجاميعه الشعرية، يقف حائرا متهيبا حد اللا جدوى من إبحار زورقه ليمخر عباب بحره الشعري الهائج بالسؤال، الغني بجواهر الحكمة، المتوج بالجمال، المزدان ببلاغة القول، ورصانة المفردة، فشاعرنا الكبير لا يشبه أحدا حتى أنه لا يشبه نفسه، فأنى لي أن التقط أوصافه أو الحق باس راءه وهو يعتلي صهوة براق الألف ممسكاً بإشاراته الذي خبر أسرار معانيه وخبايا مبانيه من علياء اللغة وشلال المعرفة وزاد السفر ... هذا الذي يساوي بين كسرة الخبز ضمان ديمومة الحياة وكوز الماء مبعد الظمأ ومانح الارتواء، وبين كسرة الحرف وسيلة العلم والمعرفة والبحث في بحار الثقافة والأدب، هذا الذي لا تنتشله من غربته وضياعه لا المارة الأحياء السائرين في دروب الحياة ولا حتى الأموات سكنت ظلام الغيب والعدم، ولا حتى حسن وبهاء وسحر القصيدة مالكة تاج الحرف والمعنى.....

كيف لي أن أرافق من ينتظر سفينة نوح التي لا ترسو أبدا عند ميناء خلاصه فيرسم شبيهه على الرمل ليرسم شبيه نوح الذي ستجرفه الأمواج المتلاطمة نائحا في بحر هائل يضم بين أمواجه إسرار الكون .... يحن دوما إلى دوما تجديد يغسل أدران الأرض والإنسان .. هذا المتسائل دوما عن جدوى الحرب التي تحدث كل يوم لتنشر الخراب والدماء والدموع في واقع بشري مجنون ..

يواصل أديب كمال الدين أسئلته عبر مناجاته الصارخة، النادبة، المتسائلة، المتوسلة، المسترحمة، المستضعفة أحينا، والمشاكسة المتحدية أحيانا أخرى، مع العالي المتعالي (الهي) وكأنه لا يريد مخاطبة البشر بل تسامت روحه لتقف أمام الكبير المتكبر الوحيد الأوحد، لا يريد أن يسير فوق جسر العابرين بل يعبر نهر الحياة طائرا، فيغرق في تيارها الجارف، روح هائمة، عائمة، حالمة، عالمة يغيب عنه الناس يبكي فلا عزاء يتساءل فلا جواب، يصرخ فلا من يسمع، يحمل تابوته وحده فيظل غريبا في عالم موحش(الهي أنقذني من نفسي) فحتى متى (احمل جثتي على خشبتي الطافية هائما دون أن يراني احد، هائما إلى الأبدي) ص37

يشاكس الإله، يحاكيه بسائله في أِشارة العذاب اللا منتهي (لا مطر ينزل ولا النار تبرد ولا الجسد يكف عن الشوق والدمع والأنين) 39.

وكأنه يردد مع أدغار ألن بو قوله(لو إنني ملكت الإرادة إلا أولد، لما كنت رغبت بالوجود- على الأغلب- في ظل هذه الظروف المضحكة99 ص70اادغار ألن بو – جان روسلو ترجمة وتقديم كميل ط2 1985(سلسلة إعلام الفكر العالمين المجموعة الأدبية

يستعرض مأساة تاريخ الاستبداد والعسف والقتل ضد كل نفس تواقة للحرية والتوحد بالمطلق كما هو الحلاج ...، حرقه وذر رماده على مياه دجلة التي لم تفيق من ذهولها لهول وبشاعة ما حدث إلى يومنا هذا .. (.. لازالت دجلة بعد ألف عام مصابة بالإرباك والذهول) 44.

هذه الروح المعذبة الباحثة عن الخلاص،ترى في الموت المخلص الوحيد(هكذا صار الموت خفيفا على اخف من الحريق والغريق والجنون) 45 والخلاص من النار والدموع، الكل لا يجيب على تساؤلاته وشكوكه وشكواه إلا الموت هو محل سعادته (سعدت لان الموت كان يدلني على نفسه مثل سكران يقودني إلى بيته) 49، فهو لا يرى أماناً ولا أمناً إلا بالخلاص من هذا العالم الحسي (الأمان والسلام مع الله) 50 (هذه الإشارة الوحيدة التي لها شمس وقمر) 55.

فأي عالم هذا الذي يداس فيه رأس الشاعر بحذاء السلطان المصنوع من جلود الشهداء، فما اكبر محنة الشاعر الإنسان، الذي يشعر بالصغر والدونية أمام جلود الشهداء، شهداء الحرية ضد استبداد السلاطين، لا يرى له أصحابا إلا من (زهدوا بكل شيء حتى بقطرة الماء) 57.

 الآن فل نتأمل ولو قليلا في الظواهر والإحداث والسلوكيات التي وصل إليها"حجر مقــــــــــلاع" أديب كمال الدين في (إشارات الإلف):

 

1- الغريزة وتحولاتها:

يشير الشاعر وبشكل صارخ وواضح إلى دور الغريزة عند الإنسان المرموز لها بالتفاحة التي أنزلت ادم من الجنة إلى الأرض، غريزة الجنس، غريزة التملك، غريزة الافتراس والاغتصاب، ومجمل الغرائز الحسية ... هذه الغريزة المتحولة من جسد المرأة رمز النماء والجمال لتتحول وتتسطح في المرآة لتكون مجرد انعكاس للجسد، ثم البحر والساحل والحصان ثم الكلب وتهالكه للأكل والجنس وتحولها إلى أفعى سامة مهلكة، يرى إنها سبب كل الحروب (حين عرفت إن كل الحروب بدأت من شهوتها : شهوة الدم المتدفق كشلال) 59 إشارة التفاحة .

 

2- الصراخ بوجه الحرب ورغبة الخلاص والإفلات من قيد الاستلاب:

 يخرج من الحرب جثة يجرجرها بيديه في الطرقات ليل نهار"إشارة نهاية الحرب"ص60 (.. أشبهُ هذه الحرب التي لم تحث أبدا، أعني هذه الحرب التي تحدث كل يوم؟) ص20.

 تبقى هذه الروح المتوثبة صوب الحرية الحالمة بالسلام لتحطيم القيود قيود الحياة المثقلة بالممنوعات والحرمان والارتهان، حالما بالتحليق، للاقتراب من زرقة السماء هذا الفضاء الفسيح بلا حدود المزين بمصابيح النجوم وشعاع القمر ولكن دون جدوى (وقفت على حافة الجبل، وأفردت ذراعي كما يفعل الطائر لأحلق كما يحلق الطائر فتساقطت حروفي سريعا عند أول خفقة جناح وهوت إلى القاع) إشارة الطائر 62(إشارة المنفى) ص130

 كم هو هائل العظمة بالغ العمق مترامي الأطراف غني بالمكنونات محب للسلام، هذا الذي يغرق، فيه البحر (قبل أن اغرق فيه؟ غَرق في أعماقي) إشارة البحرص36.

 

3- انحسار حيز الحرية:

(أن لا يحلم بالعودة من حيث أتى أبدا) إشارة الباب 135

الشمس رمز الحرية والنور بحجم (حبة قمح) هذا الحيز المتناهي في الصغر والضيق والانحسار يجد الشاعر نفسه محاصرا داخلها، هذا الحيز الذي لا يكفي حتى لكتابة قصيدة عن الحُبِ ولا عن الحَبِ، ولا تكفي للحظة الإفلات والطيران فوق أسار القيود ولا تكفي حتى لإخفاء الدموع والآلام .....!!! (إشارة ماذا اصنع) ص64.

كم هي بصيرة نافذة النظرة حكيمة الرؤيا عين الشاعر الإنسان الذي لم يخدعه بريق الديمقراطية وزخرفها الزائف في عالمنا اليوم، يطبل للحرية والعدالة والسلام وأنيابه تنز دما من جثث الضحايا، وكرشه يكاد ينفلق مما سرقه من أفواه الجياع في مشارق الأرض ومغاربها .....

 

4-الشعر لم يعد نافذة للسعادة :-

فكيف يرى هذا الخالق المبدع(أديب كمال الدين) الشعر وكيف يرى الشاعر؟؟

 (روح الشاعر ورقة تلاعبها الرياح، الرياح تتبدل ولا كن الورقة باقية كما هي). نعم ورقة الشاعر ورقته ومواقفه لا يمكن أن تجرفها الرياح حيثما تشاء، الشاعر الشاعر مبادئ عشق الحرية والعدل والسلام .. (إشارة الرب) ص74.

أن تكون أيام البشر أشبه بالخراف لا يمتلك الراعي إلا الحرف ليهش به عليها خوفا من الضياع، خوف أن تكون طعما للذئاب في عالم متوحش، فما أعظم دور الحرف وما اكبر مسؤولياته ؟؟؟ هكذا يشبه الشاعر المبدع الحرف مادة الشعر ولبنة بناء مفرداته . (الحرف عصا أهش بها على أيامي) (إشارة الهروب) ص103. فما أعظم مسؤولية الشاعر الراعي الممسك بعصا الحروف، في حين يرى البعض إن الشعر وسيلة للتسلية، لهو المرفهين والسعداء، أنيس مجالس السمر والمرح في حضرت السلاطين والملوك وأصحاب الجاه والثروة، فالشاعر(قرقوز) ضاحك مضحك لا يهمه سوى رضا السلاطين وأصحاب الجاه والثروة .

الشاعر يدحض قول من يرى في الشعر تسلية للسفهاء،فكلما أراد أن تمحو القصيدة غبار حزنه وألمه ومعاناته، وكلما تراكمت هذه القصائد ازداد تراكم الهموم والمعاناة والألم انه تراكم أحساس بالجمال والحب، فالشعر أحساس وتحدي وشعور مضاعف بمعاناة الإنسان وهمومه، الشعر مسؤولية كبرى أمام عظمة الجمال والعدالة والانتصار للإنسان وصوت فعل مميز ضد القبح والحرمان وقيود الإنسان (القصائد كثرت وتكاثرت، والغبار الثقيل لم يزل فوق المرآة كما هو) إشارة المرآة ص65.

(إشارة الحاء والباء) ص90 الحب محاط بالجمر والدموع، بالجوع والحرمان والجنون، فتحول الشعر إلى هلوسة بدلا من النشيد العظيم.

لغة الشعر لغة من نار (إشارة الكرة) ص94.

ليس شعر الطغاة والحكام (اللذين يتغزلون بكأس الدم وغواية الدم ونقطة الدم) إشارة الدم ص109. بل الشعور بعظمة الإنسان الطامح للحرية والسعادة والكرامة و

الأمان..... على الشاعر أن يكون لسان التحدي والجرأة، وأن يكون المعبر عن أحلام وآمال النفس البشرية المكبوتة أي هو قائل ما لا يقال، وفاضح المسكوت عنه....

(إشارة ما لا يقال)"... وان ادخل حالا في خيمة ما لا يقال".!!!

 

5- ضيـــــــــــاع المعنى:

(إشارة من أنا) ص124(ومن أنا ؟ ولماذا جئت إلى هذه المقبرة الكبرى ؟)

هذا الواقع المعاش اظهر أن الحياة والنماء والجمال مجرد مظهر، يكلله الزخرف الكاذب والتبرج الزائف ... في حين يظل المضمون هو الغريب المقصي المستبعد ... تظل النقطة رمز إكمال معنى الحرف وتحولات مضامينه فلا معنى للحروف بدون نقاط (إشارة النقطة) 79.

لا مأوى غير الإله في ظل غياب المعنى، فلا النهر ولا الحرف ولا النقطة ولا العيد ولا البحر والطيور ولا المرآة ولا المرأة(كل ذلك وهم وهباء وهم وأكاذيب) إشارة المأوى ص81.

محاولة الإفلات من القبح الإفلات من عمل المنكر الإفلات من الشياطين، سعيا وراء النجاة وحماية الرأس مكمن القرار وموجه السلوك ولكن دون جدوى، نجي الجسد ولكن دون رأس(إشارة الرأس)85.

اللهاث وراء السراب، الغوص في متاهة اللا معنى، دون موجه ودون طريق واضح سالك

(القطار الذي يركض تائها طوال العمر من دون سائق ولا قضبان) " شارة الخطا87.

الابتعاد عن البراءة والعفوية والطيبة والإبداع الإنساني والتحول نحو الفضاضة والوحشية والجمود، ومعاداة الجمال والسلام (إشارة الصديق) ص89

(إشارة الرعب)(دوام القتل، توطن حالة العنف في عالم اليوم) ص137.

السعي وراء الجاه والثروة،(إشارة الأبراج) ص96.(إشارة عين بحر) ص125 عدم الشبع وعدم الارتواء، (إشارة الشجرة)ص 134، استنطاق الشجرة ومعرفة مشاعرها عندما يستهدفها الحطاب، حالة القتل بدم بارد ولا مبالاة بمعاناة الضحية ........ تدمع عيون المتلقي إشارات الشاعر المشعة، السابحة في ملكوت الجمال والحب والوفاء.المــــــــــــــــــــــــــــرأة:- أيتها الإشارات ابهرني نورك فصمت حرفي أمام جلالة إشارات ألفك.

 

6- المــــــــــــــــــــــــــــرأة:

(إشارة المرأة) ص105 " إن المرأة حرب أشعلها الموت وسط الليل).

من يطلع على الإشارات التي تذكر فيها المرأة بشكل ظاهر وحتى المستتر يخلص إلى أن المرأة تشكل علامة سلبية في مسيرة الإنسان منذ الخطيئة الأولى ارتباطا ب(التفاحة) باعتبارها الجانب الحسي المادي الذي يجسد الغرائز البشرية ومن أهمها غريزة الجنس فالمرأة كما هو مسطر في المثيولوجيا الدينية،هي التي أغرت آدم بعصيان أوامر الرب وعدم الأكل من هذه الثمرة، مستجيبة بذلك إلى غواية الشيطان للإيقاع بلانسان الذي فضله الخالق على الملائكة وطلب من الملائكة السجود له ....

طبعا مثل هذه الفجاجة المادية لابد وان تكون منبوذة من قبل المتصوفة من الإسلاميين المتسامين على الحسي والمترفعين على المادي، تعلقا بالروح واتصالها بالروح المطلق، وعشقه بعيدا عن عشق الحسي ومن ضمنه دالة المرأة نحو الجنس....

فالموت يحب جسد المرأة كما يحب الكوابيس والسكاكين وكان المرأة رديفا ونظيرا لهذه الكوابيس والسكاكين أدوات الخوف، وكأن المرأة احد أدوات الموت، لذلك يطالب الشاعر إن ينقذه الإله من رغيف العسل المخلوط بالسم ومن سفينة مليئة بالعظام والذهب والنساء العاريات التي أصبحت حروفها مباحة مشاعة عارية كعري الشمس مع الفارق الكبير بين المشاعين، مشاعة وعري الشمس، ومشاعة وعري جسد المرأة!!!

هذه المخلوقة ترسل من يقطع كل أصابع الشاعر الذي وجد في تلمسها المنقذ الوحيد لإعادة الحياة لروحه ....

المرأة الملاذ من الحرب ومن الخوف ومن الموت، ولكن هذا الإنسان يكتشف إن المرأة حرب أشعلها الموت وسط الليل فالي أين المفر ؟؟؟؟؟

 المرأة وهم وأكاذيب كغيرها من دلالات الحس ....هكذا تؤشر (أشارات ألألف)

 نجد الدلالات أعلاه في (6) إشارات مباشرة في مجموعة الشاعر (إشارات الألف). وهي (إشارة التفاحة) و(إشارة الفجر) و (إشارة الصراخ) و(إشارة المأوى) و (أصابع الشاعر) و(إشارة المرأة). وبصورة غير مباشرة في (إشارة التفاحة).

وهنا يثار سؤال هل إن الشاعر يكره المرأة أو يخشاها ؟؟؟

نقول:- نعم بمعنى الجسد، بمعنى الحس المبتذل بمعنى مضمون التفاحة ألغرائزي 

ولكن هذا الروح الشفاف المحب للجمال والسلام والزاهد في الثروة والجاه والمتعلق بروح المطلق، لا يمكن إلا أن يكون عاشقا متيما بروح المرأة كونها سكنه، ولباسه، وسر ديمومته وبقائه كونها من أجمل مخلوقات الله وتجسيدا لعظمته وقدرته وهو الجميل ويحب الجمال..... ألشاعر يشير بوضوح إلى الدور الخطر والكبير الذي يمكن أن تلعبه المرأة روحا وجسدا في تأجيج شعلة الحياة في روح الشاعر وقت صفائهما وتوادهما، محذرا إن في غضبها وإغضابها موت لروح الشاعر....

أيتها المرأة يا ملاذ الشاعر، أمنحيه روح الجمال وحضن الأم، ورحمة الملاك، وارحميه من غلواء الجسد والإيغال في عالم الخطيئة ....

(إشارة أصابع الشاعر) (لكن المرأة في نوبة غضب سوداء أرسلت للشاعر من يقطع أصابعه، كل أصابعه حتى لا يتلمس بعدئذ شيئا)93.بمعنى قطع أداة الفعل والعمل ووسيلة ألإحساس والتحسس(الأصابع).

الشاعر من خلال هذا القول يريد للمرأة أن تكون في موقع ومرتبة أسمى بعيدا عن تحويلها إلى جسد \سلعة معروضة للبيع والشراء....

 

7- القناعة والـزهد:

"إشارة الدنيا" ص125 المعاناة هي طريق كشف المستور وكشف خداع الدنيا وعدم الانجرار وراء رغبات السفهاء .

"إشارة الطبيب"ص133، إشارة المملكة "(كانت حائي اكبر مملكة في العالم)ص126.

"إشارة المقام" غرور الطواغيت وشعراؤهم بطول البقاء (إن الرحلة جد قصيرة اقصر من قيامي من مقامي هذا)ص127.

الأمل والتفاؤل:- " إشارة الأخضر"ص131(فلبست الأخضر ليل نهار).

لا نريد إن نسهب كثيرا في توضيح الواضح في سلوك (المتصوفة) من الزهد وبساطة العيش والتواضع والترفع على الثروة والجاه والسمو فوق الغريزة الفجة، يذكر لنا التاريخ شواهد كثيرة وأمثلة كبيرة من أسماء المتصوفة الزهاد الحكماء البسطاء الانقياء، كسفيان الثوري، والحسن البصري، وابن الرومي، وابن دينار، والحلاج.... الخ،ولا شك إن هذه الظاهرة السلوكية إنما هي ردة فعل واعية ومقاومة سلمية في قوة المثال ضد مظاهر البذخ والأبهة والترف والإسراف في الأكل واللبس وبناء القصور وامتلاك الجواري والغلمان وامتلاك الثروة والاستماتة من اجل السلطة، والركض وراء الجنس واللذة التي استشرت في زمن الخلافة الأموية والعباسية وما بعدهما ....، مما يتناقض ومشاكســـــــــــــته: الدين الإسلامي الداعية للعدل والسلام وبساطة العيش والتواضع، وتكريم الإنسان من أي لون وجنس وقومية ودين وعمر، لا بل أجل المتصوفة حياة كل مخلوقات الله .....

 

8- مسائلة الخالق ومشاكســـــــــــــته:

"إشارة الهاء"ص108 عدم القدرة على بلوغ عظمة الإله.

"إشارة لماذا"ص110.(شحاذ أعمى يطرق ليل نهار باب الحرمان)"إشارة هل" 120.

"إشارة الجالس عند الباب"ص11 (وتقودني كما يقاد شحاذ أعمى إلى بيته الموحش في أخر الزقاق) .. وإشارة عديدة أخرى هي الأكثر حضورا في المجموعة

الشاعر روح العدل وصوت التوازن والنوق نحو الجمال والحرية، لكنه مصنوع من روح شفافة، طليقة كجناح الطير ونقية كالحب مما يجعلها عاجزة عن تحمل واقع مفترس متوحش مسلح بالأنياب والمخالب... فالشاعر يساءل الإله كيف يخلق هكذا روح للحب والجمال وتلقى مجردة من كل سلاح وسط (رقصة الوحوش)؟ فأنى له القدرة ليحافظ على رأسه المعبأ بصور الجمال وبذخ الخيال ..؟؟؟؟؟؟

أسئلة الإنسان وغربته وسط خراب القيم وقردنة السلوك، وسمية النهج مما يجعله يمشي (على الجمر من المهد إلى اللحد) ص97.

صرخة وسؤال وطلب حق في أن يلعب يوما مع إنسان مثله، إنسان المثال والكمال، إنسان المحبة والتسامح والحرية ولو قبل الموت !!!" إشارة اللعب"ص67.

" الهي خلقتني بهيئة عطشان، لا بهيئة إنسان، ثم ألقيت بي في الصحراء الكبرى " إشارة العطش ص68.

"الهي خلقت الذهب يلمع ليل نهار ثم قلت للناس اعبدوني فأنا الحق والذهب باطل"ص92.

صراع بين روح البراءة وبين متطلبات الحياة المادية،صراع بين الطفولة و(صحن) ديمومة الحياة، الطل يغرق، المستقبل غرق، تنقذ الصحن وتبكي براءة الطفل "إشارة السؤال"ص88.

مسائلة الخالق عن ربط الحياة بالحرمان وليس بالأحلام، ومن حرف (-) باء بلا نقطة فضاع المعنى. أنها مسائلة العاجز للقادر، مسائلة الضعيف للقوي، مسائلة لمشروع ظلم للعادل، أن إن ينفذ الكاف والنون في الكون ليعم السلام والسعادة والحرية عالم الإنسان على الأرض ...

 

9- نداء من أجل الخـــــــــــلاص:

" أنا امشي على حبل الجمر، لا ينقطع هو الأخر، آه متى ينقطع هذا الحبل، يا الهي لأتخلص من حفلة البهلوان، والساحر، والطاغية، ولأتخلص أيضا من حفلة الماشي على الجمر " "إشارة الماشي على الجمر ص78.

" وحين بلغت من السأم عتيا، ركبت في مركبهن، وكان وثيرا، مريحا، بل أكاد أقول مدهشا، غير انه غطى - واسفاه- وجهي بتراب ثقيل "

 تحول العمر هنا إلى تراكم من السأم والجزع واللا جدوى وليس تراكم من سنين حياة الأمل والعمل والمتعة والفرح، رغم محاولات هذه الذات أن تتخلص من هيمنة هذه الحروف حروف الموت، بالجنون، والكهان إلا انه لم يفلح بالخلاص فركب مركب الموت الذي يراه مريحا وثيرا لا كنه غطى وجهه بتراب ثقيل فحجب عنه كل شيء!! " إشارة الميم والواو والتاء "

 

10- جلد الذات، الشكوى من حالة القصور والعجز:

"إشارة الخرس" ص26 يتساءل الشاعري سائل هذه الروح الهائمة عن سبب سكونها وجبنها وصمتها بوجه الطغاة والقتلة (لماذا لم أملأ هذا الكون صراخا؟؟).

الهلع والجزع من واقع الإنسان الحاضر،الحروب،والقتل،واقع الافتراس، والوحشية في ظل كل هذا يشعل الشاعر قلبه شمعة ليبدد هذا الظلام، ظلام الوحشية والظلم" إشارة الشمعة"ص79.

مما تقدم نرى الشاعر هنا أشبه بشبكة الرادار الحساسة وهي تتحسس للإشارات والظواهر الحياتية وللأسئلة الوجودية للإنسان ومن ثم تظهيرها وفق وعي الشاعر المتسامي إلى روح الحب والجمال والسلام المتعلقة بالروح المطلق عبر التساؤل ألعرفاني والعشق الوجداني حد المشاكسة، سعيا لأدراك ماهية الحياة ومعناها بين متشائم حد عشق الموت ومتفائل حد الاخضرار ودوام النماء ...اشارات كمال الدين جولة تنقلنا كما الإسراء إلى عوالم الذات وتساؤلاتها الظاهرة والمضمرة في حضرة الماوراء العالم العليم ....وكما قال المتصوف الشهير جلال الدين الرومي:-

(المعنى في الشعر، كحجر المقلاع، ليس له اتجاه محدد)

 

 خاتمة القـــــــــــــــــــــــول:

(إشارات الألف) شراع الحروف يبحر في بحر التصوف

(إشارات الإلف) نسق من الشعر الصوفي الحديث من حيث اهتمامه الكبير بالمعنى وعمق الدلالة البعيدة عن الزخرف والإطالة والإسهاب، كما إنها كانت وفية للشعر الصوفية بكسرها التقليد الخليلي واعتمادها النثر، الذي اعتمدها شعراء الصوفية انسجاما مع طبيعة هذا الشعر الذي يحمل روح التغيير والتسامي على التقليد في تفكر الإيمان ومعنى الكون وشكل العلاقة مع الإله، ولكن ما ميز (إشارات الإلف) أنها لم تسلك نهج اغلب الشعر الصوفي في المدائح والتوسل بالرسل والصحابة والأولياء وإنما هو نصب خيمته تحت سدرة الإله الجبارة متسائلا مستفهما حد المشاكسة وهو يرصد الإشارات الكونية ليس من سماء مفارقة بل من واقع حياتي بشري مرير لتعكسها حروفه المشعة صوب المطلق من اجل الإمساك بنور الحقيقة واستقبال رجع الحدث، وهذا النهج يحسب للحروفي في صوفيته المعاصرة تلميذا وفيا للسلف الصالح (ابن الرومي، رابعة العدوية، ابن عربي، مالك بن دينار، الحلاج، سفيان الثوري ....)ولكنه ابن عصره الذي اعتصر روح الإنسان وأغرقه في بحار الغربة والاستلاب والتعمية ..... ومناهضة العنف والتعذيب ايا كان مصدره كما نسب للحلاج قوله:-

 (لو كنت يوم القيامة في النار لأحرقت النار ولو دخلت الجنة لأنهدم بنيانها) د. رشيد الخيون (طروس من تراث الاسلام) ط1 2007-مؤسسة الانتشار العربي ص103.

اختم إطلالتي المتواضعة عبر نافذة دار (إشارات الإلف) المهيبة الذي خطف بريقى ابداعها نظري لما تضمنته من الدهشة وقوة البناء والبلاغة وجمال المفردة وكنوز الحكمة، متجاوزا قول جان كوهين (الشاعر خالق كلمات وليس خالق أفكار) اشكالية قصيدة النثر- عز الدين مناصرة ط1 2002ص120. مع احترامنا لهذا الرأي المنحاز لجمال الكلمة، فاننا نستطيع القول ودون مبالغة ان الشاعر اديب كمال الدين، تمكن من الجمع بين جمال الكلمة وعمق الفكرة، أي خالق كلمات مفكرة فما أروعه من خالق ؟؟؟.

هذا ما يمكن أن تسمح به هذه الدراسة المختصرة ل(إشارات الألف)، الذي يتطلب الإحاطة بها إلى استقدام الأبجدية من ألفها إلى ياءها .... آملا أن أكون قد تجاوزت، (قشرة بيضة) قصائده ولامست (المح) الذي استعصى وصوله على الذين كتبوا عن الشاعر الكبير حيث يقول (كم أدهشني أولئك الذين يكتبون عني! فهم يلامسون قشرة بيضة قصيدتي ويقولون هذا المح) "إشارة أولئك" س56.

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 2875 المصادف: 2014-07-20 11:52:20