المثقف - قراءات نقدية

السياسة الجنوسية في أنماط السرد الفني/ هيلين موجلين

saleh alrazukتساهم التبدلات الاجتماع اقتصادية التي تتلازم مع صعود الرأسمالية بقوة في التحولات التي تطرأ على سيستام الجنس sex / الجنوسة gender. ومع أن الكتابات الراهنة لمؤرخي ظاهرة الأنوثة تشدد على علاقة هذه التغيرات بالحالة الطبقية والموقع الجغرافي، هناك اتفاق عام يؤكد أن وضعية النساء في إنكلترا تغيرت راديكاليا بين ١٦٠٠ وحتى ١٧٥٠. في القرن السادس عشر، حينما تدخلت النساء في إنتاج ما يدعم مستلزمات الحياة المنزلية والسوق، اشتركن في حقل من الوظائف التي لها أهمية اقتصادية.

و في المائة وخمسين عاما التالية شاهدن انهيار الاقتصاد المنزلي، فقد دخلت الأراضي في الانتاج وكذلك توسعت أهمية العقارات، والعمل الذي كان يجري تقليديا في المنزل أصبح معزولا عن الفضاء المنزلي وانتقل مكانيا إلى فضاء عام من المحرم على النساء الدخول إليه. وتوقفت العائلة بعدئذ عن أن تكون الوحدة الأساسية في الإنتاج، واضمحلت علاقات التشارك والتبادل بين أعضائها وأصبح العمل مقسوما ومجزءا وموزعا حول خطوط تحددها أو ترسمها الجنوسة.

و مع انتقال رجال الطبقة المتوسطة إلى العالم المنفتح الآخذ بالاتساع - بصفة مواطنين لهم حق سياسي، وحق قانوني خاص بكل فرد على حدة، وو أيضا بصفة أشخاص لهم دور اقتصادي لا ينقصه الطموح والإلهام ، تم حصر شريكاتهم الإناث في فضاء خاص متآكل يأخذ بالتقلص وفيه يمكنهن القيام بواجباتهن كأمهات وزوجات.

و بتحجيم المرأة بسبب ربطها اقتصاديا واجتماعيا وقانونيا بالزوج، كان من المفروض عليها أن تحتل مرتبة مناقضة عند أطفالها، وتعمل على فرض الهيمنة والسيادة على مجمل نشاطات حياتهم النفسية.

و قد تعرف الأبناء على أنفسهم خارج ميزات وخصال الأمومة، بينما نظرت البنات لمستقبلهن ضمن حدود الحياة التي تختص بها المرأة الأم. وقد كان كلاهما متأهبا للقيام بدوره وفق تعليمات الأبوة التي تفرضها نواة العائلة وذلك لتجسيم مواقف، وأدوار، وأشكال ذاتية فرضتها ترتيبات أفكار الجنوسة الصاعدة. في هذا العالم المنقسم على نفسه تم تعريف باطن الذكورة بواسطة العقل، وباطن الأنوثة بواسطة المشاعر. فالعقلانية الذكورية ساعدت على خلق وقيادة الثقافة، أما الحساسية الأنوثية، إذا حازت على الإعجاب والتقدير، كانت تتطلب ثقافة عضوية تندمج بها وتسيطر عليها.

بنفس الطريقة التي تم بها فرض سيستام جنس/ جنوسة وبضغط من تقسيم العمل، وبواسطة التمييز العميق بين الفضائين الخاص والعام، طرأ تبدل على الإيديولوجيات العلمية، وبدأنا ننظر للجسم المؤنث كمحرض على تشكيل النظام المثنوي الجديد.

لم نعد نعتبره (جسم المرأة) متحولا مختلفا عن الرجل، كما كان الحال في أعمال غالين طوال القرن الثاني، ولكنه أصبح العنصر المختلف جوهريا عن جسم الرجل. ولكن الآن إن ذلك الاختلاف الذي عزونا له أهمية أصيلة أصبح أوضح مما كان عليه حينما نظرنا له وعرفناه في مساحة لها معنى عمل ووظيفة تكاثرية وجنسية. ومع أن جنسية المرأة كانت طوال عصر النهضة ليست مجرد صورة تعاكس صورة الرجل، فقد كانت أيضا أكثر كثافة وتركيزا من صورته - أكثر عنفية وشراسة وتطلبا - لقد نظر القرن الثامن عشر للرغبة بالمؤنث على أنه موضوع قد يودي بنا لأن نكون بيد الشخصية الأنثى التي نضجت طبيعيا وتطورت أخلاقيا.

ومع نهاية القرن، حينما توقف العلماء عن اعتبار نشوة الأنثى بصورة علاقات ذهنية بين مفاهيم ندركها بطريقتنا، كان الافتراض أن الليبيدو النسائي الذي يجب السيطرة عليه غير متوفر إلا بنسب أقل. وهكذا تشكل الانفصال بين مفهوم السلوك الجنسي والأمومة. وتأسس على ذلك إعادة الاعتبار للترابط الإيديولوجي مع سلوكها الجنسي غير المباشر. وما أن تم قراءة طبيعتها بضوء الأمومة وليس الجنسانية، أصبح من الضروري نقل معنى جنسانيتها وتطبيقه على شخصية العاهرة، وهي الند الشاذ وغير الطبيعي، والذي غالبا ما يتم تمثيله، وفق رؤية جنوسية غامضة، ووفق صور يغلب عليها التفسير والمفهوم الرجولي، كأنها بظر ضخم يقذف.

علاوة على ذلك، مع زيادة الشبهات حول النشاط الجنسي عند النساء، زادت الشبهات حول سلبية السلوك الجنسي عند الرجال، وذلك بالتزامن مع أشكال أخرى من الانحرافات الجنسية. وفي هذا السياق إن السدومية عند الذكر السلبي الذي نسبغ عليه صفات الأنوثة قد انضمت لبوادر جنسية أخرى منها نشأت صورة العاهرة التي كانت حالتها الشاذة حاسمة في صيانة واستمرارية سيستام جنس / جنوسة . إن التغاير الجنسي لا يوصف كطبيعة معقولة ولكن كإجبار وضغط، وعليه تأسس الزواج إيديولوجيا على قاعدة المشاعر المشتركة وليس كبضاعة وأملاك. وأصبح هو نقطة التعبير الرومنسي عن فحواه.

إنه من الصعب أن ترفع من قيمة ما نعنيه بالذكورة والأنوثة، وذلك للتمييز بينهما كتقابلات ومزدوجات متناقضة، ولكن كظواهر نشترك بها على أساس الندية والتناقض بحيث أن أحدها ينفي الآخر. وهكذا أخذت مفهومات الذات شكلها من ذلك التعارض، كما هو حال خبرات وتجارب الذات عند الآخرين. وعليه تمت تنقية الاختلافات بين الطبقات والأعراق والهويات بواسطة عدسة الآخر الجنسية، ولذلك صبغتها المخاوف والرغبات التي أنتجها الآخر النوعي.

وضمن بعض المعايير والتعبيرات الألسنية والأخلاقية التي تقف وراءها إملاءات تفرضها الجنوسة والتبعية الطبقية، أصبح المجتمع أرضا مرسومة تحددها خطوط غامضة، حيث الرجال والنساء يتحاورون ويتفاوضون تحت مظلة من المخاطر. ولأن سيستام الجنس/ الجنوسة ساعد على تحديد ماهية الموضوعات الخاصة بالذات التي تزدهر ووماهية الذات التي تعرضت للكبت والقمع، كان على الصيغ النفسية للتجارب الاجتماعية المتقابلة والمختلفة أن تتعمق.

وإنه في الرواية، أكثر من أي شكل آخر من أشكال التعبير، تعرض الفرق بين معاني الجنوسة الاجتماعية والنفسية لأكبر مقدار من المساومة والتعرية. في أحد المستويات، وضحت هذه السرديات الإبداعية كيف أن قيم الذكورة والأنوثة قد ترجمت بصورة وظائف وقوانين اجتماعية، وبالتالي أسست لمفاهيم وظواهر تخدم تلك الترجمة. وفي مستوى آخر، عبرت عن مقاومة لسيستام الفروقات الضاغطة وهكذا كشفت عن ثمن العقد النفسية التي تعاني منها. وبدمج الاتجاهات الاجتماعية وما ندعوه اليوم بالاتجاهات النفسية، سهلت الروايات عملية المثاقفة وفي نفس الوقت أيضا بلورت شكل النقد الثقافي الرافض والمختلف.

ومن خلال تفاصيل الشخصيات ومواقفها، عملت على تفعيل مشاعر ورغبات المؤلفين، وهكذا كشفت الرواية للعيان الحيرة التي تتحرك تحت حبكة الذوات الجنوسية. وبواسطة نطاق متكامل من التعابير ونظم التعبير، ومع توفر استعداد للفانتازيا والأحلام، رفضت الرواية العواطف الفائضة التي لا يمكن تركيبها وجمعها في نظام جنسي متفكك ومتحول ويميل للعنف.

لقد فرضت الرواية وفي نفس الوقت قاومت سيستام الجنس - الجنوسة من خلال شكل السرد ثنائي الاتجاه والذي تبلور شكله بواسطة تحويل ثقافي أساسي. وفي نفس الوقت ظهرت تلك التبدلات الراديكالية في السيستامات الاجتماع ثقافية والسيستامات الخاصة بالجنس - الجنوسة، وعبرت عن نفسها بشكل دال له أهمية ويتمتع بالوعي بالذات وقد ساعده تطور النزعة الفردية المستقلة على الانتقال من مجرد فكرة إلى وبنية لها قواعد مادية وملموسة.

وإن هذه البنية الجديدة، مثل سيستام الطبقة والجنوسة، عملت على صياغة الوعي وأشبعت كل جوانب العلاقات الاجتماعية والسيكلوجية والمعارف المنطقية. وهكذا تعرف الأفراد الذين يفهمون ذواتهم على أنفسهم كحالة سابقة ومستقرة لها وجود ونشاط ضمن شبكة من العلاقات. ولذلك ركزوا بعناية على أنفسهم.

على المستوى الاجتماعي، صدق الكتاب أنفسهم أنهم يتمتعون بالسيادة وأنهم مستقلون: وسطاء نشطون في عالم مفتوح للإدراك العقلاني والتحكم الواعي. وكانوا متطلبين وتنافسيين على الرغم من غلبة الطابع الروحي والرأسمالية العملية. وحينما اصطدموا بالآخرين تعاملوا معهم أداتيا كموضوعات. وعلى المستوى النفسي، إن هوس خصوصية الحياة الداخلية أنتج انقساما بين الذات التي تقوم بالتدقيق والتمحيص والذات التي هي تحت المراقبة.

و هكذا تواجه كل من الذات والموضوع في نفس الوقت. فالفرد الذي يمتلك نفسه اجتماعيا كان يتعرض للتحديات والمخاطر النفسية.

هيلين موجلين HELENE MOGLEN: أستاذة في جامعة كاليفورنيا بسانتا كروز. وناقدة أدبية ومحللة اجتماعية ونفسية. لها عدد من المؤلفات. منها (عقدة الجنوسة - نظرية أنوثية في الرواية).

 

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 2885 المصادف: 2014-07-30 00:12:36