المثقف - قراءات نقدية

قراءة في: كلب العمدة الأبيض المتوسط لأحمد حمودة .. يوميات زمن رديء

بعد سنوات من النشر في الصحف والمشاركة في الملتقيات ارتأى الكاتب احمد حمودة دخول ميدان نشر الكتب من خلال مبادرته بنشر كتابه الأول"كلب العمدة الأبيض المتوسط"وهو مجموعة قصصية صادرة عن مطبعة الثقافية بالمنستير وقدمها الكاتب المعروف إبراهيم الدرغوثي بمقال عنوانه"حين تفقد أخلاق القرية زينتها"

ولعل من شان هذا العنوان أن يلقي بنا مباشرة في مناخات المجموعة وهواجسها فهذه النصوص السردية يغلب عليها فضاء القرية وشخوصها التقليدية ومظاهرها اليومية وبؤس متساكنيها وصراعهم مع الحياة...أنه تأثير الفضاء المحلي في رسم النص السردي الذي نقل إلينا جانبا من جلسات المقاهي ويوميات الناس الاجتماعية والسياسية...

ولكن الكاتب إذ ينقل هذا الواقع ويوظفه فهو يفعل ذلك بقلم غاضب وساخر حيث تفوح رائحة الرفض وتلوح في كل النصوص نوايا مشاكسة الواقع ومضاددته والسخرية من تناقضاته واعوجاجاته .. ولعل عنوان المجموعة أول إشارة موحية بهذا التوجه لدى أحمد حمودة .. فهذه اليافطة الساخرة توجه بوصلتنا وهي إشارة لم تخيبها قراءتنا لهذه النصوص التي تزخر بالتأفف من الواقع وتحولاته المريبة .. ففيها تنكشف لوحات من عصر فقدان القيم والتخنث والخداع ولوحات من بؤس الحياة .. فهي تعرية لواقع سياسي واجتماعي وثقافي من خلال زوايا مختلفة...

فالواقع السياسي قائم على المخادعة والمخاتلة وهو واقع مفضوح ومؤلم من ذلك ما نجده في "من أين جاء الماء"ففي هذه القصة يعمد المسؤولون المحليون إلى رش الأرض بالماء استقبالا لوزير"السماء صافية والشمس بازغة والليلة التي بتناها مقمرة لكن الأرض مبللة من أين جاء الماء؟

سؤال طرحه أهل القرية ذات صباح استيقظوا فيه على حركية غير عادية...

العمدة ومن يتبعه لا يستقرون في مكان مبشرين بقدوم مسؤول كبير...."ص43

لم يغب الهاجس السياسي عن نصوص أخرى ولكن للهواجس الاجتماعية حضور فالكاتب اهتم كثيرا بمظاهر فقدان القيم وتحولات المجتمع السيئة والخدع ومن الظواهر التي صورها ظاهرة التشبه بالنساء مثلما نجذ دلك في قصة سروال أختي حيث يبادر الشاب بطلب سروال أخته من أمه كي يرتديه

"ذات يوم رجع صابر مايكل بالى الحوش وطلب من أمه أن تعطيه سروال أخته فسرواله لم يعد موضة سروال عربي...."ص12

إنها قصص تدور في فضاء طيب بدا الكاتب مولعا به وبيومياته وهو فضاء القرية وهي مزيج من التخيل الفني ومن التقاط الوقائع والحكايات واللقطات اليومية التي تعج بها حياة القرية وأهلها ولم يحفل الكاتب بهذه الوقائع أيضا وإنما بالتعاليق التقليدية التي احتفى بها وجعلها هدفا ونهاية لبعض فصصه ولكن هذه القصص أيضا في عالم موبوء بالفساد على حد قول إبراهيم   حيث"تفقد الرجولة معناها ويبيع القريب قريبه ويهرب ليسلمه إلى من يسلبه عرضه وماله وتفرخ المدرسة أطفال الشوارع الضائعين ص8

أنه عالمنا اليومي ليس في هذه القرى الصغيرة والمعدمة فحسب بل في المجتمع التونسي قاطبة وربما المجتمع العربي عموما فالمصيبة قد عمت والقيم قد استهدفت والنفوس قد تبدلت...

يكون من الضروري التوقف عند الجنس الأدبي لهذه النصوص التي ضمتها المجموعة فالكاتب وسمها بمجموعة قصصية ولكن هذا المصطلح في حاجة إلى بعض التدقيق كي نعطي هذه التجربة حقها...فلا مناص من أنها جميعا كتابات سردية لكن ما يجب التوقف عنده هو نوعية هذا السرد أو الحكي أو القص...فهو متنوع في الحقيقة إلى حد يمكن القول معه أن الكاتب جمع فيه جملة من الأنماط القصصية فهناك قصص ذات مواصفات قصصية حديثة وهناك أنواع أخرى تميل إلى القص العربي القديم وخصوصا الخبر والنادرة فالكاتب موجز في سرده ويتعمد التقاط الطريف من الواقع بشكل اقرب إلى اليوميات واللوحات...

أن كلب العمدة الأبيض المتوسط محاولة سردية ساخرة حسبها أن تواجه الواقع اليومي وتجابهه وتصوره"دون روتوش أو تزويق"مثلما استنتج ذلك الدرغوثي والأكيد أنها ستكون دافعا لصاحبها كي يمضي في الكتابة بقلمه الغاضب وبنواياه الطيبة والاكيد أن مخيلة أحمد حمودة تختزن الكثير من يوميات هذا الزمن الرديء...

 

بقلم:رياض خليف

 

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 2888 المصادف: 2014-08-02 02:10:19