المثقف - قراءات نقدية

محاولة لتفسير مطولة شعرية للشاعر الدكتور ريكان إبراهيم

asaad alemaraجلسات علاج شعرية للعراق المريض

هي محاولة اجتهادية وإن بدت كما اعتقد غير مكتملة لا من حيث العرض أو التفسير وإنما لعمق ما يكتب الفيلسوف الشاعر الطبيب النفسي الدكتور ريكان إبراهيم الذي خبر النفس في صحتها وسواءها، لأنه أمتهن الطب النفسي وهو يحمل في حناياه كم معرفي قل من عرفه به أو غار في متاهاته، وبما انه تربطني به علاقة صداقة قديمة ونتحاور في كثير من الأحيان بهموم متنوعة عن النفس والإنسان والوجود والهذيان وشطحات العقلاء بلحظات فلسفية اقرب ما تكون إلى رؤى الجنون.. نتوصل أحيانا إلى ما لا يدركه غيرنا "هذا الغير" الذي تحصن ولم يقبل التغيير مهما كان فيه من عوج، ومهما كلف ذلك من تعب وشقاء للنفس، حتى لنجد البعض وقد تحصنوا، وعدوا هذا التحصن هو الواقي من زلات الفكر.

سنحاول مع "د.ريكان إبراهيم" الطبيب المعالج بالأدوية والجلسات النفسية للأسوياء عند المشورة وللمرضى حينما تتدهور أحوالهم، فكيف به وهو يكشف علل العراق النفسية والعقلية بمنظار قل نظيره في الاستخدام لا بأدواته فحسب، بل في المسح الشعري للذات الجمعية العراقية بعد أن وضعها تحت محك الفحص النفسي!! دعونا نسبر أغوار هذه القصائد التي أصدرها بكتيب أسماه بالأحرى مُطوَّلةٌ شعرية " جلسات علاج شعرية للعراق المريض" وهي من إصدارته في عمان.

أن من يدرس علم النفس دراسة أكاديمية يجد أن دراسات علم النفس المتعمقة والتحليل النفسي للأعمال الأدبية والشعر والأعمال الفنية ودراسات الاضطرابات العقلية فتحت السبيل امام الدارسين للنفاذ إلى الدلالة الرمزية وترجمة ما يسمى بإرهاصات النفس البشرية، تلك العمليات النفسية المعقدة والعميقة الجذور والتي تبين للجميع في نهاية المطاف إننا بإزاء أسلوب آخر غير الأسلوب المباشر في التعبير أو الفحص النفسي الباحث عن جوانب عميقة في النفس..تناوله شاعرنا الكبير الطبيب النفسي الدكتور ريكان إبراهيم.

تناول الشاعر الدكتور ريكان إبراهيم في مطولته الشعرية كما اسماها هو نفسه فنيات بدء العلاج لمريض يسأله عن اسمه وعمره وجنسه وعنوانه وممتلكاته وتاريخه، فيقول في الجلسة الأولى أنه "حاضرٌ مريضٌ وماضٍ محنط على أدراج ذاكرةٍ شاخت!"

ويردد المريض: ما أسمي

شاركني واسأل عنه نبوخذُ نصرْ

أم أنّ نبوخذُ نصرْ هذا مثلُ حمورابي سيقولْ:

الآنَ وجدتُ الَحلَ.

دعنا نتفقُ على أنَ الاسم: عراقْ

ويسترسل في الأسئلة من العمر إلى الجنس ويقول:

أنا مكسورُ العينِ إذا استعملتَ الإعراب

وعِلْمَ الصَرف ولكنْ مرفوعُ الحاجب بالضَمّةْ

والحاجِبُ عندي مسؤولٌ عن كلّ مصيِر الأُمةْ

جنسي لا جِنْس لهُ

جنسي لا يَلدُ

أنا لا ألبسُ"مكياجَ" امرأةٍ كي أبدو أُنثى

وأنا لا ألبسُ في الرأس عقالاً كي أبدو ذكرَا

في جوفي كٌلُّ نساء الأرضِ وكُلٌّ رجال التاريخْ

وعلى سطحي تحترق الشمسُ ويزدهرُ المّريخْ

هل من تلدُ"المتنبي" أُنثى؟

هل من تلدُ"الزقورة" والَحرفَ الأول أنثى؟

هل رجل من يحملُ نهرينِ على ظهْرهْ؟

هل يملك جِنْساً مَن يتوضّأ كُلُّ العالمِ في طُهْرهِ؟

إسأل عن جنسي كُلَ ملائكةِ الكون،

وسَلْ إبليسْ

أنا لا أصلُح للتجنيسْ

مخلوقاتُ الدُنيا أجمعها تتوالدُ من زوجينْ

وأنا أتوالدُ من ذاتي

ويطرح د.ريكان في مطولته الشعرية هذه عنوان العراق بقوله:

أنا أرض واسعةُ الأبواب وينقصها الشُباكْ

شرقي عَجَمٌ وشمالي أتراكْ

غربْي وجنوبي أعرابٌ في ثوبِ ملاكْ

وأنا وحدي بينهمْ يؤُكلُ لحمي ويُلاكْ

تسألني عن عنوانْ؟

أكتبْ عندكْ:

عنواني الكُرة الأرضيةْ

في كُلّ بلادٍ منها يتواجدُ أبنائي المغتربون

ويتناول أيضا في هذه المطولة الشعرية قوله:

أملك من فضل الله مآذنْ

تستعجلُ رفعْ أذان الجمعْة خوفاً من قناصْ

وخطيبُ الجمعة فيها يُطري الحُكام بإخلاصْ

ويُسمي الجائعَ حين يثورُ على حاكمهِ خائنْ

أملكُ أرضاً أصبحَ يرفضُ رؤيتها حتى الشيطانْ

وسماءً طلقت اللون الأزرق منذ زمانْ

وفي الجلسة الثانية الافتراضية للعلاج يحاول أن يعاون صاحبه الذي يعالجه على تفهم ما يشكو منه فيستعين بالجغرافية على فهم التاريخ، يبدأ بتقسيم جسده على ذيل ووسط ورأس وقوله:

ذيلي جغرافيةٌ تمتدُّ جنوباً حتى آخر أطراف البصرةْ

كانَ سليماً ومعافى .. ويغني فيه

"حضيري" أحلى وأرق أغانيه

ويُداورُ"داخل" بين يديه مسبحةً

أهداها إياهُ بعضُ مريديه

ويُطَلُ السيابُ على شط العرب المسكين

بتمثالٍ يرثيه

ذيلي أصلبُ من ذيل الكنغر بقليلْ

وأشد بناءً من خرطوم الفيلْ

داستْهُ أقدامُ غُزاة التاريخ فظلَّ أصيلْ

لكن لما جاءتْهُ الُحمى من عرب الجنسيةِ

في لْمحةِ عَيْنْ

"والحُمى تبدأُ دوماً بالرجلين"

أما وصفه وشكواه لوسطه بقوله:

أشكو من وسطيْ

أشكو من عينِ قلادته بغدادْ

صحتُ "الداد"

من شعبٍ صار عديم اللون، عديم الطعم،

ورائحة الحاضر فيه تُذكي نار الأحقادْ

من وسطي وُلدتْ بغدادْ

ما بين رُصافتها والجسرِ تطوف عيونُ مها

يكتبُ عنها ابنُ الجْهمِ نشيداً مستعرا

وابن زُريْقٍ يستودعُ فيها الله لهُ قمرَا

وُلِدتْ بغدادْ

لتصير مداسَ سنابك خيْلِ التاريخْ

تضحكُ حيناً .. تبكي أحياناً

أدمنت الموت بحد السيفِ من الأعداء

إلى أنْ جاءَ الصاروخْ

كانت بغدادْ

يُعلمُ فيها الحسَنُ البصريُّ المأمونَ

دروساً في القرآنْ

يتناولُ فيها موسى الكاظِمُ وجبةَ إفطارٍ

عند النعمانْ

ويستغرق المريض في شكواه لامتدادات جسده الجميل الممتد عبر التاريخ والمتهالك في حاضره بقوله:

في وسطي بغدادْ

قَضّتْ زمناً على الأنقاض

منذ العام الثامن والخمسينَ من القرن الماضي

تُمسي برئيسٍ لتفيقَ الصُبْحَ

على صوتِ مذيعٍ هادِرْ

ذبحَ ابن الكلب،عميلَ الاستعمار الغادرْ

وأتى برئيس لم تمسسْهُ امرأةٌ قبلُ

رئيسٍ لا همَّ له إلا إسعادُ الفقراءِ

ذوي الحظّ العاثرْ

ويستمر في وصفه لجميع أطرافه الأخرى وشواهده في ذلك جغرافية الجسد بتاريخ الروح الممزوجة بعنف الحجاج ونقيضه الحلاج في الفلسفة والفكر حتى التواءات الجسد بتاريخه في سامراء حينما لوت الدنيا صرتها كرهاً حتى صارت"ملوية" وقول مريضا صدقا:

جمعتْ فيها من آل البيتِ نقيضاً

للكفّ العباسية

ويطرح الشاعر الحكيم في تخصصه للجلسة الثالثة حينما يقول: يقف صاحبهُ الذي يعالجه على شُرفةِ ما أدلى به من أقوال..يبدأ بتفكيك تاريخ مرضه على هَدْي الضوءِ الخافت الصادر من فانوس جغرافيته، يضع أمامه مطبات المشكلة لكي يفتح له خيارات الحل، إنه لا يرى مريضه حالةً ميؤساً منها لكنه يتشاءم من الزمن المطلوب للشفاء. ويصفه

عراقي المريضْ

تمددْ على طُول ظهرك دون وسادهْ

وقاومْ أعاصير ليلكْ

وكُنْ مثل حُبلى على موعدٍ للولادةْ

ويستغرق الدكتور المعالج في العلاج وتوجيهه بقوله

تنفس عميقاً

وخُذْ في الشهيقِ مزيداً من الأوكسجينْ

فمازلتَ مختنقاً من سنين

غيوم الحرائق تعلو سماكْ

وضَرْب الخناجر يُدمي قفاكْ

تنفسْ... فسجانُك الفضُ يجهلُ

ماذا يُعاني السجينْ

ويوجه المعالج لهذا المريض المسجى نداء النفسي – المعنوي بقوله:

قُمْ صاخباً

وجردْ حُسامَك للقادماتْ

وقاتلْ عن النفطِ حتى الشهادةْ

ودافعْ عن النخلِ مثلَ دفاعِك عن مسجدٍ

للعبادةْ

وصُنْ رافديكَ من الطامعينَ

فلن يحرُسَ الماءَ إلا الدماءْ

ولن يحفظ النفطَ إلا الفداءْ

مُعادلةٌ ... حَلُّها في يديكْ

فإما التخلصُ مما لديكْ

وإما الجهادُ على قَدَمٍ واحدةْ

تَصدُ به هَجْمةً حاقدةْ

وأسألُكَ الآنَ هل تستطيع جهاداً

وأنتَ تعاني من الانقسامْ؟

وتبكي على صخرةِ الإنهزامْ؟

أُكرّر...هل تستطيعْ؟

وغيرُكَ صارَ يسوقُ القطيعْ

ويستغرق الشاعر المعالج في وصف العلاج في آخر المطولة بقوله:

عراقي المريضْ

دواؤكَ عندي

على الريق...خُذْ حَبّةَ مَنعْ النفاقْ

وعَلّق على بابِ مدرسةٍ للصغارْ:

"يعيشّ العراقْ"

و"عبد الحسين يؤدي صلاةَ الجماعة في نينوى"

و"آزادُ صار مديراً على شرطةِ الناصريةْ"

و"رمزي الذي فصلوهُ أعادوهُ للخدمة العسكريةْ"

و"بعضٌ من المطرباتِ يُرددُ أغنيةً كاوليةْ"

و"بنتُ العمارةِ مدعوةٌ عند يسرى على باجةٍ موصليةْ"

لقد فطن الشاعر الدكتور ريكان إبراهيم إلى طبيعة تراجيديا الواقع العراقي بأطرافه الثلاثة الرأس والوسط والذيل وناغى تلك الأطراف الثلاثة بوصفها تمثل الجسد بأسره، فالرأس يضم معظم أجزاء العراق والوسط هو حامل الرأس وموصل الأطراف السفلى بكل أجزاء الجسد، لا نغالي إذا قلنا أن هذه الثلاثية هي أذن جوهر وجود الإنسان العراقي، تتشكل ألوانه وتتغير أبعاده باختلاف الزمان والمكان، لكن جوهره ثابت، أطرافه الثلاثة وان كانت تمر بصراع دائر بينهم لكن تربطهم صلة من الصعب تقطعها حتى وإن رسمت السيناريوهات خارج الرأس " خارج الجسد".

القصيدة أذن تعبير بأسلوب رمزي لمأزق وجودي، طرفيه العراق في تمزقه، والإنسان - الفرد - في موقفه الضعيف المقترب من الانهيار بما يحدث أمام أعين الجميع وعجز واضح عن اختيار السبيل الذي يمكن أن لا يحدث ما هو مرسوم له.

يطرح الشاعر د.ريكان في مطولته الشعرية هذه حواراً غير متزن لظرف العراق يمكن أن نجمله بقولنا ليس هناك ما هو أعمق في إثارته للألم وللشعور الجمعي لدى العراقيين والإحساس بالانسحاق الكامل لدى هذا الشعب رغم تاريخه العريق، وتنجح أفكار تبدو للوهلة الأولى أنها لا قيمة لها (سنة وشيعة، عرب وكورد، أديان وطوائف) بعد أن كان هذا النسيج خليط متجانس أصبح خليطا غير متجانس، لذلك نستطيع أن نتبين سر شيوع هذا الأمر عبر فترة وجيزة من الزمان لا تعدو عقود معدودة في حين عاشت هذه الملل والأقوام والطوائف والنحل منذ فجر البشرية في هذه الأمكنة في غالبية عظمى متجانسة من خلال محور مشروعية وجودها الإنساني ومستوياتها الشخصية والاجتماعية وامتداداتها الأنثروبولوجية.

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 2898 المصادف: 2014-08-12 10:33:26