المثقف - قراءات نقدية

قراءة في "تهجيات" أحمد الحلي .. الشاعر يتهجّى العالم

ahmad alhiliهذه هي الطبعة الثانية من المجموعة الشعرية (تهجيات، شمس للنشر والإعلام، القاهرة،2014) أما الطبعة الأولى فقد صدرت في العام 1999 وأغلب الظن أنها صدرت عن طريق الاستنساخ، الطريقة الأثيرة للنشر عند الشعراء العراقيين في تلك الأيام.

وأحمد الحلي شاعر وكاتب من الحلة، آثر أن ينتسب لها وهو مقيم فيها خلا عدة سنوات انتقل فيها إلى عمان ثم عاد بعد 2003 ليعمل في الصحافة مصححاً لغوياً ومحرراً للصفحات الثقافية ومعداً للبرامج الثقافية والتراثية في الإذاعة. وهذا هو كتابه الشعري الوحيد المنشور كما يبدو من خلال سيرته المدونة في آخر المجموعة، أما كتبه الصادرة الأخرى فهي كتب نثرية (همنغواي في الحلة) و(كنز الحكايات) أما كتبه المخطوطة الأخرى فلم يشر إلى محتواها أو جنسها الكتابي.

تنتمي المجموعة إلى نسيج (قصيدة النثر) ومع الأعداد الغفيرة للكتب التي صدرت على وفق هذا النسيج أو النصوص الكثيرة التي نشرت في الصحف دون أن تتاح لها الفرصة للنشر في كتاب؛ فإن لأحمد الحلي ـ كما أرى ـ بصمته المتفردة وأسلوبه المتميز في هذا النسيج الذي تشابهت أسطره، والمتميز بغموضه الجاف، وقد تكررت تجارب الشعراء فيه حد الملل، ثم غدا أفضل وسيلة للحصول على لقب شاعر في العالم العربي السعيد!

يُعنى أحمد الحلي بالتقطير الإتلافي للغة، ويستطيع أيضاً أن يعثر على مقاربة أو ملاءمة بين النصوص الشعرية الناجحة وبين المعادلات الرياضية كما يقول في مقابلة خاصة، فتصير القصيدة عنده سطراً أو سطرين ولا تتجاوز كلمات بعض الأسطر الكلمتين، وكأنما هو يتخلص من كل الكلمات التالفة أو الرخيصة أو الشائعة أو المكررة، حتى يصل إلى لغة متوازنة، نقية، أو أعلى درجة ممكنة من النقاء فتكون القصيدة! وعلى الرغم من أن المفهوم العام للشعر هو الوصول باللغة العامة إلى اللغة الشعرية، إلا أن أحمد الحلي طبق ذلك عملياً من خلال القصيدة القصيرة أو القصيدة القصيرة جداً أو تجزئة القصيدة إلى مقاطع قصيرة مصورة تكتمل القصيدة بتجمعها.

وتحاول هذه الورقة فحص هذا المفهوم الشعري ومدى تطبيقه في المجموعة. تحتوي المجموعة على ثلاث عشرة قصيدة، غير موثقة تأريخياً، وآخر قصيدتين (تأويل) و(أسفار عبر الأزمنة والأمكنة) هما مجموعة من القصائد القصيرة والقصائد القصيرة جداً، أما القصائد الأخرى فكل واحدة مستقلة بعنوانها وموضوعها. ويستطيع الباحث أن يقسم المجموعة إلى قسمين غير متساويين استناداً إلى موضوع القصائد، فالقصائد الإحدى عشرة الأولى يكاد يضمها موضوع واحد هو الأنثى والتغزل فيها، أما آخر قصيدتين فيضمهما موضوع واحد هو الوجود، ويجمع بين القسمين أسلوب واحد هو التقطير الإتلافي للغة كما ورد في مفهوم الشعر عند أحمد الحلي، فضلاً عن اللعب على اللغة.

في أول قصيدتين (طلسم الحروف) و(كوثر) يعود أحمد الحلي إلى القصيدة الصوفية عند الحلاج ولعبته بالحروف، حتى عنوانات القصائد (طلسم ، كوثر) هي من المفردات الشعرية الأثيرة عند الحلاج، لنستمع إليه: الراء: رأيت في حلمي/ أن ثمة سيفاً يهوي على عنقي/ وأن ثمة رأساً أطوف به/ فوق رمح أحمله. ص7. ولعل الأجواء الحلاجية واضحة في هذا المقطع ، ولكن الشاعر يفاجئنا في السطر الأخير أنه هو من يحمل الرمح الذي عليه الرأس، معطياً بذلك زخماً جديداً للصورة الحلاجية. ويقول في قصيدة كوثر: الكاف: كنتُ محواً / فرسمتني/ حرفاً في أبجدية. ص9. والمحو واعادة الكتابة من جديد من الموضوعات الصوفية الشائعة، لكن الشاعر هنا يخاطب الأنثى كأنها آلهة لها القدرة على الرسم = الخلق فيصير الشاعر حرفاً في أبجدية، متجاوزاً محو الشاعر الصوفي السابق، واستخدام صيغة النكرة لكلمة أبجدية منحها أفقاً وزماناً أوسع كما أرى، وأن يكون الشاعر حرفاً في أبجدية، فهذا يعني أنه يستطيع عن طريق اللغة أن يغير العالم، لذلك يقول الشاعر أحمد الحلي: الهمزة: أهمسُ للريح العاتية! /"قلبي يهواها"/ يتضاءل جبروت الريح/ وتهب علي نسائم. ص8.

وفي قصيدة كوثر يقول الشاعر: الثاء: ثقبٌ في الأوزون،/ ذاك من وجدي بكِ !ص9. وهنا يمنح الحلي لعبة الحروف الصوفية بعداً معاصراً، ويمكننا هنا أن نبصر معادلة رياضية: ثقب الأوزون = الوجد بها. وفي القصيدة نفسها أيضاً تتحول الأنثى إلى آلهة تمنح الحياة للطبيعة، وتحول النباتات من جنس إلى آخر: تمرين بالقرب/ من مساحةٍ امتلأت/ بأدغال بريةٍ/ فتجد النباتات/ فرصتها/ كي تتحول إلى بنفسجٍ/ أو ريحانٍ أو جوريّ أو ليلك، ص10. وتتكرر صورة الأنثى الخالقة في قصيدة منحنيات بيانية وهي أطول قصائد المجموعة: أدنى إيماءة منكِ/ تُعلن في مقابر خلاياي/ النشورْ. ص15. أو في هذا المقطع: أنفاسُكِ.../ تكفي لكي يسكر/ بها حتى الثمالةِ/ هواءُ مدينة. ص18. واستنادا إلى هذه النصوص يستطيع الباحث أن يقول أن الشاعر استطاع أن يحول الغزل القديم أو المعاصر إلى غزل من نوع آخر، أضفى على الأنثى صورة آلهة معاصرة، يغازلها الشاعر كي تساعده في بناء عالم جديد خال من الأدغال (رمز الشر) ولها القدرة على ترتيب فوضى العالم: إزاء فوضى هذا العالم/ حبُّك/ الشيء الوحيد القادر/ على ترتيب الأشياء! ص19، وهو في كل ذلك يستخدم لغة معاصرة ومواقف صوفية تتناسب والعصر الذي يعيش الشاعر فيه، ففي المقطع السابق رسالة في أن السلام يمكن أن يأتي عن طريق الحب.

ومع ذلك فثمة مقاطع غزلية جميلة لا تحتمل إشارات أبعد من المرأة الحبيبة، كما في هذا المقطع: يا لهذا البحر الماكر/ يغرف بكلتا راحتيه/ من نبع عذوبتك/ فتصطخب الأمواج/ في جذل/ وترتفع/ لتقضم القمر. ص29. أو هذا المقطع: أجمل فصول السنة/ أنت. ص20.

ولكن هذه القصيدة لا تخلو من صور معادة ومكررة كثيراً في الشعر العربي وغير العربي كما في هذا المقطع: ثقة قلبي بوعودك/ ثقة جيبي/ بعملةٍ بائرة. ص23. وهو مقطع لا يحتاج إلى تعليق. أما إحساس الشاعر بالحرارة إثناء القبلة فهي صورة وردت إلى الشعر العربي عبر الشعر الأوربي المترجم، فمن حق الشاعر الأوربي أن يحس بالحرارة تجتاح كيانه وتهزه نشوةً لأنه في بيئة باردة، وهو يحتاج الحرارة لإحداث نوع من التوازن، أما الشاعر العربي وهو الذي يعيش في بيئة حارة فتمنحه القبلة احساساً جميلاً بالبرودة ونشوة تخلصه من لهيب الحر. ولنا أن نتذكر صورة الشاعر بشارة الخوري وهو يحرق نفسه ونفسها في جحيم من القبل!

يقول الشاعر أحمد الحلي: أقضم برفق/ أرنبة شفتك العليا/ لساني/ يلعب مثل سمكة/ في الرحيق/ ينزلق كلانا في الأتون/ يستحيل شعلتين! ص33. لم يكتف الشاعر بالإحساس بالحرارة بل حولها إلى أتون = الجحيم ثم استحال معها إلى شعلتين. أما المقطع فقد ابتدأ بكلمة أقضم ومن معانيها القطع، وكسر الشيء بأطراف الأسنان، وأكل طعام قوي، ولم يخفف عنها أنه يقضمها برفق. ولنا أن نلاحظ صورة رجل يقطع شفة حبيبته في جو حار ساخن كأنه الجحيم.

وهذا المقطع لا يتناسب تماماً مع الصور الطبيعية المرهفة التي رسمها الشاعر لشفتي أنثاه كما في هذه الصورة: تنهمر أبجدية الحروف/ عبر شفتيك/ تناغماً لموسيقى لبثت/ في قرارة لا وعي الآلات/ تنتظر الشروع! ص25. أو هذه الصورة الجميلة الأخرى: صوتك المرفرف حولي/هذا الذي ينساب لي/ أن تدفق العبير/ أم هي موسيقي السماء/على الأرض تسير. ص24.

وعبر اللعب على اللغة، واستخدام تقنيات الشعر الحديث مثل الهامش، استطاع أحمد الحلي أن يرسم هذه الصورة الجميلة: بمبضع جراح/ حاذق/ استأصلتك/ من قلبي/ أحرقت كل ما له صلة بك/ أوصدت باب القلب ونمت. ص43.

ولأحمد الحلي القدرة على الإشارة إلى قضايا الوجود الكبرى أو القضايا السياسية الشائكة عبر صور شعرية على غاية من الإيجاز والتكثيف وهو ما يتجلى في القصيدتين الأخيرتين، فكم من الدلالات تحمل قصيدة قط وهي عنوان فرعي في قصيدة تأويل: يغمض عينيه ويفتحها/ على خارطة/ مترامية الأطراف/ لها شكل/ فأر! ص65. فلقد مرت بنا كثيرا هذه اللعبة الجميلة، وحيكت حولها آلاف القصص، ولكن أحمد الحلي استطاع في رمشة عين من خلال الجملة الافتتاحية (يغمض عينيه ويفتحها) أن يرينا خارطة مترامية الأطراف مع أنها لشكل فأر، ويستطيع المتلقي عبر الحدس أن يتخيل ما الذي تعنيه الخريطة المترامية الأطراف!

ونقرأ في قصيدة "ثلج" من قصيدة تأويل أيضاً: جمر أزمنة/ لم تأتي بعد! فلقد عرف الثلج من خلال التضاد، وفي القصيدة رؤية فلسفية في تحولات الوجود وتبادل المواقع وهلاك أمم وتغير أنظمة. كل هذا في قصيدة من سطرين في خمس كلمات. أما قصيدة اسفار عبر الأزمنة والأمكنة فقد احتوت على عناوين فرعية لعدد من الشخصيات مثل سقراط، آرسطو، المتنبي المعري، ماركس، بدر شاكر السياب، الغزالي، أبو نواس، أبقور، مكيافلي، ديوجينوس، الجاحظ، كوبرنيكوس، أرخميدس. ويتجلى في هذه القصيدة ـ كما أرى ـ تفرد الشاعر أحمد الحلي بأسلوبه الشعري في الشعر العراقي المعاصر، فقد استطاع أن يقدم الرؤية الفلسفية أو الأثر الفكري الإنساني الذي تركه هؤلاء الأشخاص من خلال قصيدة قصيرة تحمل طاقة شعرية مركزة، وإذا تذكرنا أن الكثير من الشعراء وقعوا في فخ القصيدة التي تحمل مضامين فكرية، فاستحالت القصيدة عندهم إلى نظم موزون لقضية فلسفية أو دفاعات نثرية عن وجهة نظر فكرية ما أدركنا حجم المنجز الشعري الذي قدمه أحمد الحلي من خلال تناوله الموضوعات الفكرية المؤثرة في الساحة الإنسانية المعاصرة.

ولنستمع الآن إلى ما يؤيد ما ذهبت إليه من رأي، يقول الشاعر في قصيدة ماركس: شيء واحدٌ/ فات نباهتك أيها المبجلُ/ هو أن العالم/ ربما يكون أكثرَ بدانةً/ من الثوب الذي/ صنعتَ! ص91. لقد ابتدأت القصيدة بنكرة موصوفة جعلت القارئ يواصل القراءة لمعرفة تفاصيل أكثر، ثم أعقبها بجملة فات انتباهك أيها المبجل، جعلت المتلقي يواصل القراءة لمعرفة ما الشيء الذي فات ماركس؟ ويلحظ هنا أسلوب النداء الذي استعمله الشاعر وكأنه يخاطب ماركس مباشرة (أيها المبجلُ)! فليس هو الرفيق ماركس كما يخاطبه الشعراء الذين يروجون للفكر الماركسي، وليس هو ماركس فقط أو أي إشارة أو رمز له كما يخاطبه الشعراء الذين يروجون للفكر الغربي والقومي، وتظهر في جملة النداء هذه شخصية الشاعر واضحة بحياديتها وعدم تبعيتها، وأخيراً نصل إلى ذلك الشيء الواحد الذي فات نباهة ماركس، فالعالم ربما أكثر بدانة من الثوب الذي صنعه، ويلحظ هنا الاستخدام الموفق لكلمة ربما فقد تخلصت القصيدة فيه من التشنج، وجعلت المتلقي يفكر في جواب آخر للشيء الذي فات نباهة ماركس، فربما ليس هو بدانة العالم!

لقد قدمت هذه القصيدة نظرية ماركس على طاولة التشريح بلا هتافات، وبلا ضجيج، وهي مهمة الشاعر كما أرى لأنه يشبه الطبيب، يشخص حالة مرضاه ويقدم لهم العلاج بغض النظر عن اختلافه معهم أو انتمائه إليهم، ويلحظ أيضاً خلو القصيدة من المفردات السياسية التي تنادي بها الدولة الاشتراكية أو المصطلحات الفكرية التي تدعو لها النظرية الماركسية، وهو ما جعل القصيدة خالصة للشعر مع أنها تناولت موضوعاً سياسياً وفلسفياً.

ومع ذلك فهناك بعض الزيادات في بعض المقاطع، وأرى لو أنها حذقت فإن القصيدة ستكون أكثر تقطيراً، يقول الشاعر في قصيدة سقراط: قبلك،/ كانت الكلماتُ/ أفاعي في جلابيب الحواة/ فأحلتها ـ بأناة بصيرتك ـ قمحاً/ يأكل من رغيفه/ جياعُ الحقيقة! ص83. فمن المعروف للمتلقي أن سقراط كان حكيماً، وأنه ناقش السفسطائيين (الحواة) كثيراً وانتصر عليهم بلا شك من خلال إشاعة مصطلح الفلسفة (حب الحكمة) في الناس (جياع الحقيقة) بدل مصطلح السفسطائي (الحكيم) ولو إننا رفعنا الجملة المعترضة (أناة بصيرتك) لما اختلت القصيدة، لأن سقراط انتصر لأنه سقراط ككل، وليس بأناة بصيرته فقط. وقال في قصيدة أرخميدس: لك/ لا لغيرك/ في حمام الرجال/ اختالت بمفاتنها وتعرت./ تلك الفكرة. ص96. ولو أننا حذفنا الجملة الأخيرة تلك الفكرة لأصبحت القصيدة أكثر تقطيراُ لأن المتلقي ليس من السذاجة بحيث لا يعرف أن أرخميدس توصل إلى قانونه وهو في الحمام، لذلك ستكون القصيدة أجمل لو أن المتلقي هو الذي أكمل القصيدة بنفسه.

وسأكتفي بهذا التحليل لأخلص بعده إلى أهم السمات التي تميزت بها "تهجيات" أحمد الحلي:

* بعث التجربة الصوفية بالحروف، ولكن عبر لغة فنية معاصرة، والإشارة إلى مشكلات معاصرة أيضاً.

* الابتعاد عن الغموض والتهويمات، ومعالجة موضوعات فكرية وفلسفية بلغة شعرية.

* خصوصية التجربة الشعرية للشاعر، وعدم اتكائه على تجارب شعرية سابقة.

* تقديمه مفهوما شعرياً للشعر، وتطبيقه لهذا المفهوم في المجموعة.

* يترابط الشكل مع المضمون عبر معادلة رياضية دقيقة.

* تقديم تجربة غزلية خاصة به، فليس الغزل عنده من أجل الغزل، بل تصوير أنثى لها القدرة على التغيير.

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 2909 المصادف: 2014-08-23 02:27:40