المثقف - قراءات نقدية

رمز المرأة في روايات أمير تاج السر

saleh alrazukفي روايات أمير تاج السر لا توجد نساء بمطلق معنى الكلمة ولا بالسياق الجنوسي المعروف الذي اشتهر باسم الأنوثة.

إن نساءه رموز بكل ما تحتمل هذه الكلمة من معنى. هذا يفترض أن صورة المرأة - الأم وتحويلاتها الأوديبة هي احتمال مجرد.

إن الأم الأوديبية التي فتحت الباب لمشكلة زنا المحارم تشير لموضوعة أو قيمة موجودة في فجر تاريخ الجنس البشري. وقد لعب بهذه الورقة كل الروائيين الإشكاليين، ودائما أرى أن كلمة إشكالية عنوان عريض يحتمل عدة تفسيرات.

التفسير الحضاري وما يتضمنه من تحولات في طرق الحياة المعاشة وتنظيم الأسرة – القبيلة، وهذه حالة اهتم بها تاج السر في عدد قليل من الروايات، ولا سيما ذات المنحى التاريخ اجتماعي مثل (مهر الصياح). فهي تتحدث عن بناء القبيلة في مجتمعات مبكرة من أرض السودان. ولم يتستر هو تفسه على ذلك وقال منذ المقدمة: " إن روتيته مستوحاة من التاريخ القديم لسلطنات حكمت السودان ردحا من الزمن (ص 5).

وللأسف لا تستطيع أن تحدد دور المرأة في هذا الصراع. فهي تعيش على الهامش. وفي ظل عالم تحكمه سلطة الذكور. فهو عالم كونتونات (بالمصطلح الحديث)، وعالم ثكنات عسكرية. ومكان المرأة الأساسي مخدع الرجل أو المطبخ. إنها صورة الأم التقليدية التي أرسى أسسها الفكر الإسلامي، وليس الوثني، ولا حتى ديانات تعدد الآلهة والأرباب. مع قليل من الجواري والقيان بغرض الترفيه (انظر المغنية تمائم – ص 19 وما بعد).

ولذلك كنت أنظر لهذه الروايات على أنها أوراق من مدونة لها أكثر من محرر.

لقد ذكر تاج السر أن هذه الروايات تتعبه وتأخذ منه وقتا مطولا وتستوجب القراءة في بعض المراجع. ولعله بسبب اختلاف تلك المراجع كانت طبيعة الصفات تسبق الموصوفات. بمعنى أن الرواية تبدأ من نهاياتها قبل أن تلقي بشيء من النور على الافتتاحية.

ونستدل من ذلك أن العمل الذهني الشاق قد وقف حائلا بين التطور والحافز عليه. وبتعبير الناقد الدكتور حسين سرمك هناك فصل بين الموجودات وأسباب الوجود (مقالته المنشورة في إمضاء عن أدب المحارم في روايات قؤاد التكرلي)..

ولكن هذا لا يعني أنها روايات تخلو من التشويق والمتعة. بالعكس إن المرأة الأثرية أو امرأة الأحفورات (مثل العجائز والمشعوذات والعرافات) حملن قسطا لا يستهان به من الدراما. وعبرن في عدة مواقع عن دور اللاشعور في إنضاج المشهد الفني. وقد لعبن دورا أساسيا في تعليم الشخصيات الأخرى المسبقة الصنع (أو شخصيات المدونة) والحيلولة دون سقوط العظة والحكمة المرجوة من العمل الفني.

وهناك كذلك التفسير السياسي. ولشرحه أكتفي بالإشارة لنساء نابوكوف وكونديرا. إنهن جنسيات بشكل فاضح. والظاهرة الجنوسية هنا تعبر عن مبدأ له علاقة باستراتيحية الرفض، وليس موضوعة الفكرة الجنسية بحد ذاتها. فإطلاق العنان للغرائز غير المهذبة أو الخروج على قانون الأسرة المتمدنة يدل أيضا على الممانعة. وعلى رفض التعليمات التي يمليها القانون الأبوي. إنه بالتعالي على شروط التهذيب وبالهجوم على التابو تكون الأنا العليا قد بدأت بالعودة لحالتها الوجودية. إنها لا تعمل على تدمير نفسها ولكنها تعيد ترتيب المراحل.

وأرى أن هذا أبلغ وأقصر طريق للحيلولة دون الدخول في حضارة المجتمع الأبوي المسؤول عن تفشي أمراض سياسية منها الدكتاتوريات وفض النزاعات بالحروب والاستئثار بالمغانم بما فيها النساء.

وهذا التفسير يوضح لماذا كانت صورة المرأة في روايات تاج السر التاريخية كأنها تعيش في مناطق العزل (مستعمرات العقاب الداخلية - في مربعات مغلقة داخل معسكر الرجل وربما في قلعته المحصنة).

إنه في هذا النمط كان الروائي بعيدا عن بيئته الواقعية وقريبا من مشكلة تتفاقم في الذهن وتوازي بألمها ولوعتها متاعب رضة الفطام. فالراوي وهو ضمير فني ومستتر للكاتب ينظر لميدان الأحداث من الأعلى. والفاصل بين الذات وموضوعها لا يجاري أزمة المنفى ولكن يضاعف من الإحساس بها. فهو نوع من الاغتراب القسري الذي فرضته الظروف المجحفة لواقع التخلف والتبعية وضرورات الهجرة.

وهنا لا أرى مندوحة من التنويه بغياب كل علامات الأم - الإلهة ونسختها المعاصرة المعدلة التي تأخذ شكل سيدة مجتمع أو أرملة مسؤولة عن رعاية أسرتها بسبب غياب الرجل القوي. أو حتى شكل مديرة ووزيرة وما شابه. لقد اختص بهذه الصور روائيون ينتمون لفترة إصلاح الرواية وتوطينها. ومن هؤلاء فاضل السباعي (في سوريا) ونجيب محفوظ (في مصر) وربيع جابر (في لبنان).

إنهم جميعا وضعوا المرأة في الحظيرة. وأدخلوها بالضم والإلحاق في نطاق الأسرة الكلاسيكية المكافحة التي تبشر بصعود ما نسميه طبقة متوسطة.

لقد غابت، عند تاج السر، رموز هذه المرأة المستسلمة لأقدارها، والتي تخلت عن مكانتها التاريخية الأصلية كمصدر للإنجاب والتكاثر، وبالتالي كمنبع لكل السلطات. فهو لم يهتم من نسائه لا بالصدر والثديين. ولا بالمؤخرة. ولا السرة. ولم يتوقف عند مفاتنها الظاهرة للعيان ومستلزمات ذلك كالتبرج والملابس وإغراءات الحركة والنوم والعمل.

حتى أن صور نساء القبيلة (بالمعنى العربي الكلاسيكي) ليس له وجود. لقد كان يمر مرور الكرام على الهالة الرومنسية التي ترتبط بالنساء في حضور الرجال من غير تلك الإشارات الملموسة.

وإن أهم قصة حب كتبها تاج السر وهي روايته (366)، ثم أهم قصة حب ممنوع وخيالي وهي روايته (العطر الفرنسي) تخلوان تماما من صور مطلع النهدين والمؤخرة اللدنة والساقين المرمريتين، إلخ مما تراه عند كتاب رواية الزمرة الأوديبية من أمثال فؤاد التكرلي ورديفه علي بدر.

الدليل الآخر على المحور الإثني في روايات تاج السر تراه في هوية أو خلفيات نسائه المتخصصات بصناعة اللذة، من عاهرات وبنات هوى. فهو دائما يختار لهن أحياء بأسماء وضيعة (حي الصهاريج مثلا في 366). والصهريج هو حاوية أو ناقلة معدنية ضخمة وترتبط في أدبنا العربي برحلة الفلسطيني التائه الباحث عن الثروة. من منا لم يسمع بـ (رجال تحت الشمس) لغسان كنفاني؟. ولا داعي لمزيد من التفصيلات. أما الغانيات فهن دائما من إثيوبيا وكأن ذلك البلد منجم لتجارة العهر والاتجار باللذة المأجورة.

***

و لكن المعشوقات في رواياته، (ولدينا منهن نموذجان أساسيان: أسماء وكاتيا من العملين المذكورين سابقا: 366 والعطر الفرنسي)، ليس لهن حضور على مسرح الأحداث. وتشبهن في الوضعية الفنية ما لغودو في مسرحية بيكيت المشهورة. إننا نسمع عن أسماء وكاتيا ولا نراهما. ولكل واحدة خيال صورة في ذهنية الراوي وفي كينونته. وهذا يحرض على ترقية كل نموذج منهما لمستوى رمز أو كناية. فبحث شخصية المدعو (المرحوم) عن أسماء يقوده إلى مناطق الطبقات المترفة ويضعه وجها لوجه أمام حالة المواطن العضوي. إنه يشعر بالعذاب وبوحشية مجتمع يتألف من طبقات كما يشعر بسادية الحرمان. ومنه بسوء ولاعدالة توزيع الثروة. وهذا يفتح أعيننا على قضية طالما رغبنا بتناسيها وهي دراما المجتمعات المتحولة التي لا تتقن لعبة تدجين واحتضان المستبعدين من القانون الوضعي. أو ما يسميه روسو الميثاق الاجتماعي.

وبالمثل إن الوسواس القهري (أو ما أقول عنه حصر كاتيا في الرواية الأخرى) يرقى لتصعيد الحب الممنوع إلى رمز . وتبدو المسألة أبعد من أن تكون مرضا مهنيا. والمهنة هنا هي شخصية العاشق. علي جرجار الذي يمثل حالة اغتراب نموذجية. أو استلاب لا يخضع للمساءلة. لأن كل شيء يحصل بعيدا عن عناية الضمير والرقابة والنظام.

وبقليل من التحويل والإبدال الكنائي نشاهد أننا إزاء جاذبية الغرب. وتبدو لي هذه الرواية أنها رد غير مباشر على شخصية المنتقم الشرقي التي صنعها الطيب صالح في (موسم الهجرة إلى الشمال). فهي لا تكتفي بنقض الأطروحة ولكنها تطور نظرتنا إليها. وتقرأ صراع شرق - غرب بسياق ثقافة اللاشعور. أو ثقافة سواد وعامة الناس. لقد كان من المقدر على علي جرجار أن يخسر المعركة ولسببين.. لأنه جزء من اقتصاديات الاستهلاك، ولأنه أيضا لم يفك لغز الاستعمار الناعم. بل استسلم له استسلام النعاج للذبح.

***

ويبقى نموذج نسوي بغاية الإتقان. وهو نموذج المرأة - الرجل. فهناك في أعمال أمير تاج السر نساء أثريات تطورن عبر الأحقاب لصورة فضاء نسوي. وهذه الحالة عند بيير داكو تحتمل تغليب المضمون الذكوري. فهو لا يستطيع أن يصنف الأشخاص على أساس الحالة التشريحية ولكن حسب دورها ووظيفتها. وكل امرأة ذات مساحة أو كيان منبسط كمشهد طبيعي أو شجرة، وبتعبير آخر كل امرأة لها شكل نشاط خيطي متسلسل، تدل بمضمونها على معنى مذكر. ولا أستطيع أن أنكر أن هذا هو حال زينب في (قلم زينب). عدا أنها تتحرش بالطبيب، وهو الشخصية الأساسية في الرواية وتدعوه ليطارحها الغرام، طبعا في حدود الخفر والخجل الاجتماعي الذي ترعاه لدينا تقاليد تنسحب على كلا الجنسين، إنها ترتبط لغويا ونفسيا بالقلم، الرمز المعروف لعضو الذكورة. فإذا كانت زينب زهرة بريئة، في غابة على خط الاستواء، هذا يعني أنها تحتوي على القلم بين أوراقها الفاتنة.. عضو الإخصاب والإكثار المدفون بين مكياج الأنوثة.

وأرى أن شرفية في (أرض السودان) هي الرديف الموضوعي لزينب. فهي مثلها زهرة، ولكن في حارة من العشوائيات، حيث يسود الظلام على ضوء النهار. وتسود الفوضى محل العدالة والقانون. بالإضافة إلى أنها تحمل قضيبها بين جوانحها. فهي امرأة شيطانية عقدت ميثاقا مع بطل العالم السفلي، إبليس. وبتعبير الراوي:" إنها فتاة الجن" و: "ترعرعت في أحضان الخرائب والخرافات"، ولها " سيرة مرعبة". (ص 126)

لقد كانت رواية (أرض السودان) منعطفا هاما في تاريخ الرواية العربية. وأعادت كتابة مشكلة الصراع ببن الشرق والغرب بأسلوب معاكس. لقد نقلت أرض المعركة إلى الشرق. وأناطت مهمة الانتقام بامرأة. وأضاف الروائي من عندياته لمسات يمكن أن تدل على تأثيرات للواقعية السحرية. ولكن من غير تقليد أعمى. بل العكس تماما. إنه حوّل العنف الاستعماري إلى فوضى نفسية وإلى سقوط أخلاقي مريع وإلى انتهازية محكومة بالفشل سلفا.

لقد استعمل نفس الخدعة التي لعب بها الاستعمار طوال عقود، فحوّل شخصية جلبرت أوسمان إلى عثمان الإنكليزي. وشخصية شرفية إلى إيف أو إيفيتا أو حواء حسب مقاييس وأسرار الغرب. وكان من المبرر لنا أن نعتقد أنها ليليث التي ورد اسمها في التوراة، وأعاد الغرب تسويقها وتعليبها وإنتاجها، بحيث تكون رمزا للعائلة البورجوازبة الصغيرة، وهي تصالح ما بين الحقبة الأمومية والحضارة المعاصرة. ويا له من حل توفيقي يشبه الدعوة لاغتصاب عذرية المجتمعات الطبيعية بحجة التحديث والتصنيع والإعمار.

وأكاد أقول إن أمير تاج السر أمكنه في هذه الرواية ولأول مرة في تاريخنا الفني أن يرسم المرأة وهي تركب الرجل. فما بالك لو أنه مهاجر إنكليزي استوطن في السودان؟!!.

إن (أرض السودان) عمل ينطوي على الثأر وحب الانتقام (بالمعنى البدوي الأصيل - أو بدائله العرقية - ذهن القبائل)، ويستكمل ما بدأه أمير تاج السر في روايته (سيرة الوجع) التي يمكن أن تكون " تهديدا غير مباشر " للغرب وتذكيرا له " أن أبوته تنحسر وأن مهابته عرضة للانجراح"...

 

شباط 2014

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 2927 المصادف: 2014-09-10 01:31:09