المثقف - قراءات نقدية

قراءة في نص الشاعرة مادونا عسكر: زدني حبّا

في شرف الحبّ .. وأرقى العلم ..

الحبّ موهوبا ومطلوبا../الحبيب بالحاج سالم

زدني حبّاً / مادونا عسكر

أشرق السّرّ من راحة كفّيكْ

أرسى أمنية في حديقة العالمْ

شقائق نعمانٍ تلوّن أسارير الرّبيعْ

تمسك يد النّسيم، تدعوه للاحتفال بعودة اليمامْ…

ربيع يعلنه أزهر يديكَ

منذ البدء اصطبغ بروح الكلمة

أنشد على مسامع الأكوان شموساً وأقمارا تلفّ الأرض حبّاً وضياءْ…

أطياراً تغيب وأخرى تحضرْ،

تتلو صلاة البهجة في حضور النّيّرات العظمى

تبثّ بسمات بريق يعكس كنزك الخفيّْ…

كنزك، طيف على الجميع يمرُّ

 

ولا يستقرّ إلّا في طوباويّة النّفوس العطشى…

بنى السّنونو عشّاً في خضرة رحابكَ

حيث لا خريف يباغت الشّمسَ

ولا عواصف تقسو على أجنحة لطيفة…

بل نسيمات حنوّك الرّقراق، تنساب هادئةً

تدفئ القلب المنكسرْ،

من وحشة الأسى تنجّيه وإلى فرح الأبد تحملهُ…

فيذوب ويرقّ للمسة من سحر بيانكَ ويحلّق عالياً…

كذلك سنّة العاشقينَ…

من وداعتك تنهل الينابيع العذوبة

حتّى إذا ما ضمّت الأرض، تسرّبت إلى غورها

رُحاقٌ يثمّل جذورها… يحفظها لأبد الدّهرِ،

حتّى يقرّبها على مائدة قلبك في أوانٍ نورانيّة

تشترك معك في مأدبة العرس الأزلي...

خمرك بسمات الكروم في روعتها

قطاف الأعياد في أوج فرحها…

من حروف اسمك ترتشف سلام القلبْ

فاسمك لآلئ السّحاب يزور موطن الأنقياءْ…

اسمك واحد في هذا العالم وفي العالم الآتي…

حبيب واحد لا سواه وإن كثر الأحبّة،

سيّد واحد وإن تعدّد الأسيادْ،

حبّ واحد عرشه السّماء والأرض موطئ قدميه،

لا يعاينه إلّا الجياع إلى البرّ…

اجعل سيّدي نفسي توّاقة أبداً لعناق معصميكَ

حتّى تتلمّس وهج الأزهر وتتنقّى…

امنح سيّدي قلبي الصّغير حزناً بهيّاً

حتّى يتشّوق لعرس الكلمة ويتطهّرْ…

هبني قلبك حياةً أحيا بها خلوداً أردته لي في سفر مملكة الحبِّ…

زدني حبّاً، واختم اسمي بحروف اسمكّ…

يتّحد الاسمان في آية واحدة،

فإذا ما ناداني الصّوت ناداكَ

وإذا ما قرأ الهدب اسمكَ غفا على أسرار العشقِ…

 

القراءة

من العنوان، باعتباره عتبة رئيسية من عتبات هذا النّصّ، تتجلّى علاقة، تبدو في ظاهرها استبداليّة " زدني علما.." و"زدني حبّا"..ولكنّها في المنطق الدّاخليّ العميق للنّصّ علاقة تفسيريّة تماثليّة يتماهى فيها العلم والحبّ، أو يكون الحبّ نتيجة للعلم أو علّة أو درجة عليا ومقاما أرفع له..

وإذا كان العلم المستزاد والبالغ في ذروته ومنتهاه مرتبة الحبّ، امتدادا نصّيّا للعلم بالنّصّ المقدّس باعتباره حضورا لكلام الله الحبيب في العالم (طه 114) فإنّ الحبّ المستزاد في نصّ الشّاعرة /القدّيسة حال وجد صوفيّ مطلقة، وتصوير لهذه الحال العجيبة اللّطيفة، في أبعادها الفكريّة والإيمانيّة العشقيّة والجماليّة الرّوحيّة..

فمن الواضح أنّ الشّاعرة تطلب في الحبّ أقصاه وأعلاه وأقدسه وأكمله وأنقاه وأوّله وآخره، وتريد أن تبلغ منه سنامه وأرقى درجاته أو مقاماته..وهي مؤسّسة مذهبها هذا على أصل لاهوتيّ إيمانيّ متين (وتُحِبُّ الرّبّ إلهك من كل قلبك، ومن كل نفسك، ومن كل فكرك، ومن كل قدرتك..." سفر التثنية")..وما هذه الاستزادة إلاّ انسجام مع المطلوب في هذه "الوصيّة الأولى" والعظمى، بل الأمّ لكلّ الوصايا، وعمل بمقتضاها قصد بلوغ هذه الكلّيّة في الحبّ من القلب والنّفس والفكر والقدرة..وهي أيضا شعور بأنّ هذا الحبّ هو الفعل الأرقى ضمن أعمال الإنسان في العالم، لأنّه لم يوجد إلاّ لذلك، وكلّ فعل ينبغي أن ينتشر عنه ويرتدّ إليه..وفي هذه الاستزادة أيضا يقين بالحبّ وبالقدرة عليه في كماله وتمامه وتناسبه والمحبوب، لأنّ هذا المحبوب هو الحبّ..وبلوغ كمال الحبّ تماه واتّحاد بين المحبّ (الإنسان) والحبيب/الحبّ(الله)..ولذلك تكون الاستزادة المفتوحة اللامتناهية شرطا لبلوغ هذا المقام..

وهذه الاستزادة من جهة أخرى هي طرف في مقولة طرفها الثّاني هو النّقص.. فلا يستزيد إلاّ المستشعر حاجة ونقصا ورغبة في سدّ ذاك النّقص..وليس هذا من قبيل النّقص حاجات مادّيّة ممّا يمكن إشباعه من العالم، وإنّما هو تجاوز للمرتبة المعطاة أو الكيان كما هو في العالم، وكما يعيه أو يراه صاحبه..والشّاعرة /القدّيسة هي من أولئك الذين تجاوزوا ماهية النّقص والكمال كما يحدّدها العالم، إلى ماهية أصيلة كونيّة إلهيّة الأصل والمرام، حتّى أضحت هذه الماهية القديمة /الجديدة معيارا تصنيفيّا لا يستوي به الذين يحبّون والّذين لا يحبّون..وهي ممّن يحبّون، ويطلبون في الحبّ "فرط الحبّ" :

" زدني بفرطِ الحبِّ فيكَ تحيُّراً.." (ابن الفارض)

ويجدون في هذا الإفراط والغلوّ تمام المعنى ومطلق حال كلّيّة، فيكونون أبدا راغبين في ازدياد رغبة واقعة خارج حدود المكان والزّمان :

يَا حُبَّها زِدْنِي جَوى كُلَّ لَيْلَة    وياسلوة الأيّام موعدك الحشر" ( قيس بن الملوّح)

وهذه الاستزادة، وإن بدت ذات محتوى وكمّ، وكانت طلبا ينضاف به المقدار إلى المقدار، ويكون ذاك المقدار في تعاظم لا حدّ ولا تقدير نهائيّان له، فإنّها في حقيقتها العشقيّة ممّا يقع خارج القيس والتّقدير، ويتنزّل في سياق الإيحاء بخصوصيّة في مفهوم الحبّ ومتعلّقه وفعله ومقاصده..ولعلّ من ألطف هذه الإيحاءات أنّ الاستزادة تولّد الاستزادة ، لأنّ كلّ استزادة علم أكمل وحبّ أعظم ودهشة أكبر وشوق أشدّ..وحاجة جديدة وفعل استزادة لا ينتهي ..وهذا ممّا يكشف عنه النّصّ ويكون ببنيته تجلّيا له...

ويمكن التّمييز بين مستويين من مستويات الاستزادة حبّا في هذا النّصّ، واتّخاذهما منطلقا ومنهجا في القراءة:

أ‌)       الاستزادة حركة نازلة.

ب‌)     الاستزادة حركة صاعدة.

 

أ‌) الاستزادة من حبّ الحبيب لنا .. وهذا أصل أوّل وعلّة وماهية علويّة..(حركة نازلة..)

للاستزادة هنا معنى لطيف دقيق، فليست هي طلبا من ممتنع أو بخيل أو ناقص، بل هي كشف عن فعل هذا الحبيب المتعالي الكامل القادر على كمال الحبّ..ذاك الذي أحبّ ويحبّ بكل قلبه.. ولكن لا يرى العالم هذا الحبّ رغم أنّ العالم هو صورة من صور فيضه، وكلّ "شيء" فيه هو وجه من وجوه حضوره وتجلّ من تجلّيات حبّه..وها هي الشّاعرة/القدّيسة تراه وتلمس حبّه، وعظمة هذا الحبّ، وتكتشف وتكشف بعض أسراره:

.."أشرق السّرّ من راحة كفّيكْ..."

هذا تخبر الشّاعرة " الإشراقيّة" عن السّرّ الخفيّ عمّن لا يحبّ،الجليّ لمن يحبّ..وما هذا السرّ سوى حضور للحبيب/الحبّ في العالم من حيث هو فيض أغزر من أن تحصيه العين..ولذلك يكون النّص، وهو فيض من الصّور واللّوحات، صورة لهذا الفيض العشقيّ الإلهيّ اللامتناهي لا تناهي الأشياء في العالم..فإذا العالم في عين الشّاعرة العاشقة القدّيسة تجلّ " لروح الكلمة.." ..الكلمة/الحبّ..التي كانت في قلب الحبيب، ثمّ صارت العالم جمالا وحضورا للحبّ فيه..ولهذا العالم صور عدّة في النّصّ، مشكّلة لحقل معجميّ نواته الجمال: حدائق وشقائق نعمان وربيع ويمام ونسائم وأزاهير وأطيار وأضواء وأنوار وألحان وصلوات وأناشيد..هكذا يكون الحبيب ألوانا وأشكالا وأصواتا وعطورا تُرى وتُفهم لتكون الحبّ حاضرا تدركه الأبصار والقلوب والعقول..يراه بعضهم حكمة، وتراه الشّاعرة جمالا وحبّا بل عشقا للعالم، هذا العالم "العروس" في أبهى الحلل والزّينة والفتنة.."الكنز الخفيّ.." الجليّ " لللنّفوس العطشى.." إلى " فرح الأبد.." فتعيش الأسى ب"قلوب منكسرة.." و"حزن بهيّ.." لأنّها " طوباويّة.." مثاليّة متعلّقة بمطلق الحبّ وأكمله وأصله وجوهره، فلا تكتفي :بنصف الحب ونصف الحبيب ونصف الشّوق.." ونصف الرّغبة.. فتنجو من الخريف واليبس والجفاف والخيبة والعواصف، لتحيا الرّبيع الأبديّ..و.."تحلّق عاليا.."...

هكذا تتنامى القصيدة توسّعا وانتشارا لمعنى حبّ المحبوب الإلهيّ للعالم حبّا لامتناهيا، فيضيّا مدهشا للحواسّ والعقول والقلوب أقلّها، لأنّ " الجميع" لا يحبّون، فلا يعلمون..وهذا الحبيب يُرى "بعين القلب"(الحلاّج) والشّاعرة حباها الحبّ عين القلب، فرأت بعين الحسّ ما أبهرها، فراحت تحكي ما ترى، لعلّنا نرى بعض ما ترى..

وحين تلتقط العين ما أُتيح لها من حضور للحبّ في العالم، تأخذها نشوة الافتتان والسّكر، فتثمل روحها..ولا أدلّ على ذلك من حضور الماء والخمر في القسم الثّاني من النّصّ، وهما من الرّموز الكبرى في المدوّنة العشقيّة اليسوعيّة الغزيرة الإيحاء..فنرتقي في النّصّ من فضاء ربيعيّ أرضيّ إلى فضاء فردوسيّ سماويّ كونيّ، يستحيل فيه الكون "عرسا أزليّا.." و" أوج فرح..":

من وداعتك تنهل الينابيع العذوبة

حتّى إذا ما ضمّت الأرض، تسرّبت إلى غورها

رُحاقٌ يثمّل جذورها... يحفظها لأبد الدّهرِ،

حتّى يقرّبها على مائدة قلبك في أوانٍ نورانيّة

تشترك معك في مأدبة العرس الأزلي...

خمرك بسمات الكروم في روعتها

قطاف الأعياد في أوج فرحها...

وهذا المقطع هو أغزر المقاطع وأقواها أثرا وتعبيرا عن حال "السّكر" حبّا وقد انتشر في الأشياء الموجودات والكائنات، فتعانقت وعانقت حبيبها الأوحد وهو فيها ومنها، لأنّها منه كانت وإليه تعود " قرابين" وعروسا تشتاق أبدا إلى الحبيب السّماويّ، في عيد كونيّ له أوج، وليس له نقصان..

وفي هذا الطّور من الانتشار تعدادا "للكثرة.." النّاطقة بالفيض المستزاد أبدا، لأنّه لا ينتهي، ترى الشّاعرة أن تعود بهذه الكثرة إلى الوحدة (أو الواحديّة أو الوحدانيّة..) فما كانت تعدّده راجع إلى الحبيب الواحد الأحد، الملغي للكثرة، لأنّها كثرة ناقصة راضية بالنّصف، الحقيق بالسّيادة، لأنّه المانح الحبّ حتّى الفناء، بلا كبرياء ولا غرور ولا بخل ولا حساب، فحُقّت له السّيادة..ومن ساد هذه السّيادة السّماويّة النّازلة من الأعالي إلى "غور الأرض.." جاعت إليه النّفوس النّقيّة، وهجرت أسياد العالم، لأنّهم عبيد...:

 

من حروف اسمك ترتشف سلام القلبْ

فاسمك لآلئ السّحاب يزور موطن الأنقياءْ...

اسمك واحد في هذا العالم وفي العالم الآتي...

حبيب واحد لا سواه وإن كثر الأحبّة،

سيّد واحد وإن تعدّد الأسيادْ،

حبّ واحد عرشه السّماء والأرض موطئ قدميه،

لا يعاينه إلّا الجياع إلى البرّ...

 

ب‌) الاستزادة من حبّنا للحبيب..

وهذا أصل ثان لأنّ منشأه الأرض وقد أدركت حضور الله فيها حبّا، فهفت إليه لما رأت من عظيم حبّه وكماله، ورأت قصورها وتقصيرها في حبّه الحبّ الذي يجدر به ويليق بمقامه الأسنى، فاتّجهت إليه بلسان الشّاعرة القدّيسة في خطاب ابتهاليّ، حتّى يمنحها أن تحبّه كما يحبّها، لا كما تعلّمت أن تحبّ في العالم..

وفي هذا المقطع الأخير من القصيدة نتبيّن المقام الذي إليه تهفو نفس الشّاعرة العاشقة وهي تستزيد من قدرتها على الحبّ بكلّ قلبها ونفسها وفكرها..وهو مقام تنتفي فيه الحدود بينها وبين الحبيب ليكونا الواحد:

يتّحد الاسمان في آية واحدة...

وهذا سرّ أسرار الاستزادة حبّا، أن تكون هو، ويكون هي:

"فقلتُ من أنت قال أنت...(الحلاّج)

وفي سبيل ذلك تطلب التّوق أبدا لترتقي وتتنقّى، وتطلب أن تكون فيضا من الشّوق لتتطهّر أكثر فأكثر..وهي عالمة واثقة أنّها بالغة "ملكوت الحبّ" ساكنة قلب الحبيب مادام الشّوق في ازدياد :

اجعل سيّدي نفسي توّاقة أبداً لعناق معصميكَ

حتّى تتلمّس وهج الأزهر وتتنقّى...

امنح سيّدي قلبي الصّغير حزناً بهيّاً

حتّى يتشّوق لعرس الكلمة ويتطهّرْ...

هبني قلبك حياةً أحيا بها خلوداً أردته لي في سفر مملكة الحبِّ...

ولا يهب الله قلبه حياة إلا لمن فنى وانتفى فيه عشقا، وسلك طريق المريدين مثلما تفعل الشّاعرة القدّيسة التي تحنّ إلى السّفر العظيم..إلى "مملكة الحبّ" وهذا ضرب من الحنين إلهيّ، ينبغي أن نعمل لبلوغه، بما أوصى به "غوته" إذ يقول:

مُتْ فكُنْ..

وهذا اختصار لمذهب الشّاعرة العاشقة حتّى الفناء..المستزيدة حبّا وفناء ليكون اللّقاء..فتكون..

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 2929 المصادف: 2014-09-12 10:32:42