المثقف - قراءات نقدية

قراءة في نصّ "تشكيل" للشاعر عدنان الصّائغ

تشكيل...

أرسمُ دبّابةً وأوجهها إلى شرفةِ الجنرال

أرسمُ غيمةً وأقولُ: تلك بلادي

أرسمُ لغماً وأضعهُ في خزانةِ اللغة

أرسمُ عنكبوتاً على بابِ الأحزان

أرسمُ أبي وأقولُ له: لماذا تركتني وحيداً أمام اللئام

أرسمُ مائدةً وأدعو إليها طفولتي

أرسمُ ناياً وأنسلُ من ثقوبهِ إلى القرى البعيدة

أرسمُ شارعاً وأتسكعُ فيه مع أحلامي

أرسمُ قلبي...

... واسأله: أين أنتِ!؟

عدنان الصّائغ

 

1) تقديم

رأينا الشّاعر عدنان الصّائغ منشغلا، كما ينبغي أن يفعل شاعر مبدع حريص على تجديد أدوات إنشائه الشّعريّ، بإشكاليّة "الشّكل" و"الأشكال" في أكثر من نصّ، وهو جامع في فعل الكتابة الشّعريّة بين الأنجاز الفنّي و"التّفكير" فيه من حيث هو أداء جماليّ، لعلّ من شروطه الجوهريّة أنّه " تشكيل" فتشكّل، أي ما به يتجلّى شكل ما، تجلّي صيرورة، لا تجلّي كمال أو "انتهاء"، ونعني أنّ التّشكيل، في أصل الوضع المعجميّ، هو فعل في طور إنجاز وحركة غير مكتملة، سعيا إلى بلوغ " صورة " أو شكل يستجيب لطموح المبدع وهو ينخرط في فعل التّشكيل.. فيرضى أو يخيب..:

" أكملَ لوحتَهُ الأولى

واسترخى – بضعَ دقائق –

فوق الكرسي،

يتأملها..

لمْ تقنعْهُ..!

خلطَ الألوانَ الزيتيةَ، ثانيةً

ومضى يرسمُ لوحتَهُ الثانيةَ..

الثالثةَ..

الرابعةَ..

العا…!

لمْ تقنعْهُ

مزّقَ كلَّ اللوحاتِ

وراحَ بركنِ المرسمِ…

يبكي!!.."

ويمكن أن نستحضر أكثر من نصّ لإثبات هذا الهاجس " التّشكيليّ" في وعي الصّائغ ووجدانه، وهو هاجس ضمنيّ غالبا، وصريح أحيانا، كما هو الشّأن في نصّ " رسّام" الآنف الذّكر، ونصّ " تشكيل" الذي نروم قراءته، استقصاء لمعنى التّشكيل وأبعاده في نصّ الًصّائغ، وفي كلّ نصوصه..

 

2) تشكيل...وتشكيل

ينحصر مفهوم التّشكيل عند بعض الدّارسين في بعد جماليّ "تقنيّ" شكليّ مستعار من "الفنون الجميلة" وكأن لا أصالة له في الإنشاء الشّعريّ:

"يشتغل مصطلح «التشكيل» بمضمونه الجمالي والتعبيري عادةً في حقل الفنون الجميلة، وفي فن «الرسم» خصوصاً، إلى الدرجة التي أصبح فيها مفهومه دالاً على فن الرسم أو يساويه في أكثر الأحيان، وإذ أخذت فعالية التداخل بين الفنون الآن بعداً واسعاً وعميقاً ودينامياً، فإن ترحيل الكثير من المصطلحات والمفاهيم والصيغ والأساليب التي تعمل في فن من الفنون إلى حقول فنون أخرى أصبح من الأمور الميسورة والضرورية والسريعة التحقق، وصارت عملية الأخذ والاستعارة والاكتساب والترحيل والتضافر والتلقي والاستيعاب والتمثّل والتشغيل والدمج من الأمور الماثلة والطبيعية في ظل هذا المناخ، وهو يحقق الصورة الأكثر حضوراً وصيرورة لجدوى هذا التداخل وقيمته ومعناه." (1)

إلاّ أنّ هذا الحصر أو الانحصار يحدّ من طاقة هذا المفهوم / المصطلح، ويحسر كون انتشاره، إذ يفصله عن " المعنى" وعن "براديغم" القراءة الشّعريّة، وكأنّه ممّا ألحق حديثا، واستعير من حقل آخر..

أمّا المعنى، فهو يتشكّل بتشكّل "الأشكال "، فلا سابقيّة له، ولا لاحقيّة ولا انفصال، لأنّه محض حركة "، حركة شكل":

"لعلّ المعنى حركة شكل يتنقّل ويستمرّ لولبيّا في فضاء الكون..هو مبثوث منتشر في أبنية وصور لا نهائيّة، تتلازم عناصرها وتتواصل في حلقات متوالية من الأسئلة والأجوبة يحققها المتكلّم من خلال ملكته، ويجرّدها النّحويّ والمؤوّل في مستويات هي أيضا متراسلة متشاكلة متواردة في أبعاد ذهنيّة نفسيّة، ولسانيّة نظاميّة واستعماليّة تداوليّة، لا فصل بينها ولا قطع بين مراحل حركتها.وهي حلقات من أدوار كلّيّة ومقولات عامّة وأسئلة متكرّرة، في سلسلة دالّة على علاقات يمكن إجمالها في:{ ما/من/متى/أين/لم/بم/كم/كيف/مع من..} "(2)

ومن ناحية أخرى، لا نرى حداثة في مفهوم "التّشكيل" إلاّ في العبارة، أمّا المضمون المفهوميّ فهو ثابت في التّرات البلاغيّ والنّقديّ العربيّ، جار ضمن الأجهزة المفهوميّة عند الجاحظ والجرجاني وحازم القرطاجنّي وغيرهم..فما التّشكيل سوى تخييل أو تصوير :

" فإنَّما الشّعر صناعة وضرب من النّسج وجنس من التّصوير" (3)

ولذلك نقبل على نصّ الصّائغ بوعي تشكيليّ نستثمر فيه المداخل البيانيّة (البلاغيّة) والرّمزيّة، فهي عدّة الشّاعر وهو يشكّل الكون باللّغة وفيها...

 

3) حركة تشكيل المعنى في النص:

هي في النّصّ ضروب:

أ‌) حركة تكرّر وترديد، تمثّلت في وحدة الفعل والفاعل:

جاءت( الأفعال) التي تتصدّر الجمل أو الأقوال الشعريّة ترديدا وتكرار لفعل واحد:

أرسم....

وهو تحقّق وإنجاز للعنوان " تشكيل".. وفي ذلك إبراز لوحدة الفعل وجوهريّته، إلى حدّ يصبح فيه حدّا للكتابة وماهية: " الشّعر تشكيل.."

وهو، أي الفعل التّشكيليّ الشّعريّ، ممارسة مفتوحة، تبدأ ولا تنتهي، فيظل الفعل يلاحق بعضة بعضا بواوات عطف لم يذكرها الشّاعر ولكنّها ثاوية في بعد من أبعاد المعنى:

أرسم وأرسم وأرسم وأرسم وأرسم وأرسم وأرسم وأرسم وأرسم .....

ومثلما اشتققنا حدّا للشّعر باعتباره تشكيلا، نشتقّ هويّة للشّاعر باعتباره "رسّاما" باحثا عن اللّوحة "المقنعة "، فيظلّ يرسم إلى ما لا نهاية له دون بلوغ ذروة الإبداع المنشودة تشكيلا جماليّا ودلاليّا...

ومثلما يمكن أن تكون هذه الحركة حركة جمع تراكميّ ترديديّ لفعل واحد نبحث فيه عن درجة من الرّقيّ، وعن ذروة جماليّة هي الحلم الإبداعيّ الأعظم، يمكن أن نعتبرها حركة جمع "تخييريّ " دالّ على التّجريب أو الحيرة أو البحث :

أرسم..أو أرسم...أو أرسم...أو أرسم...أو أرسم...أو أرسم...أو أرسم...أو أرسم...

 

ب‌) حركة تعالق بين الفعل المحوريّ الذي يتصدّر الأقوال الشعريّة والأفعال التي تعقبه في كل قول:

أرسم .. وأوجّه

وأقولُ

وأضعهُ

وأحنّطهُ

وأقولُ له

وأدعو إليها

وأنسلُ

وأتسكّع

وأسأله...

وهو تعالق وظيفيّ قائم على "الأجليّة" التي تفتح الممارسة الإبداعيّة الشّعريّة على جملة من الأعمال والآثار المتّصلة بالذّات المبدعة ومنزلتها في الكون..

وفي كلّ هذا تتراوح منزلة الشّاعر "الرّسّام" بين العجز والقدرة والمحاولة والنّجاح والخيبة والعبث والتألّه والصّعود إلى القمّة والسّقوط في هاوية العدم..واللاّشيء...

ج) حركة تنويع واستعراض: تتمثّل في تنويع المفاعيل

وهي مفاعيل "أشياء" وأشخاص(شخص واحد):

دبّابة /غيمة/لغم/عنكبوت/أب/مائدة/ناي/شارع/قلب...

وهذه المفاعيل هي بؤرة التّوتّر ومركز الثّقل التّشكيليّ فنّا ومعنى ومقصدا، ويتّخذ التّشكيل منحى ترميزيّا جليّا، فيقترن كلّ عنصر في هذه " القائمة" من المفاعيل بموضوع أو غرض أو "تيمة" ممّا يكتب ويتبارى فيه المبدعون:

• الثّورة/النّضال/المقاومة :دبّابة

• الحنين/الوطن/الوطنية :غيمة

• تفجير إمكانات اللغة : لغم

• الشكوى/الغنائيّة:عنكبوت

• الطّفولة :مائدة

• الحلم :ناي/شارع

• الحبّ :قلب

وهذه المفاعيل/المواضيع بينها علاقات ينزّلها منطق التّشكيل الشّعريّ منزلة الممكن والمحتمل:

أ‌) علاقة انضمام وتراكم وتجمّع، تجعلها تتآلف وتنسجم داخل كون شعريّ واحد مختلف العناصر متكامل..وهذا ما به تتشكّل داخل لوحة واحدة..

ب‌)   علاقة تنافر وإقصاء، فيلغي بعضها بعضا، ويحلّ محلّه بحثا عن "التّوازن" المنشود..ولا يخفى ما يتضمّنه هذا من موقف إبداعيّ للشّاعر يأبى الاكتفاء بصفة إبداعيّة أو تصنيف ضمن خانة من خانات الشّعر أو مدرسة أو اتّجاه..

ج) علاقة تضافر لتشكيل هويّة "شخصيّة" إبداعيّة تقدّم نفسها في وجوه متعدّدة جامعة بين النّضال والغربة والحنين واليتم والحلم والعشق..

د) علاقة تفكيك يتجلّى فيها الكون معاني متفرّقة منتشرة، ينظّمها الشّاعر ويشكّلها، ليكون الكون كما تشكّلت تلك المعاني، متشكّلا فيها وبها مخلوقا، لا وجود له خارج التّشكيل وإرادة الرّسّام...

ه)علاقة تقابل بين الخارج والدّاخل أو الظّاهر والباطن أو السّطح والعمق، والانتشار والاختزال.وهذا الاختزال يجد أكمل معناه في القول الآخر :

" أرسمُ قلبي...

وأسأله: أين أنتِ!؟.."

و)علاقة بين امتلاء وفراغ.. ووجود وعدم

تتراكم المعاني وتتشكّل، وتتجلّى خطوط اللّوحة وأشكالها وألوانها، ولكنّ القول الآخر مثّل "السّقطة" التي "تفجّر" فيها البنيان، وجاءت الصّرخة مدوّية كصرخة بطل تراجيديّ في "نهاية " مأساة :

" أين أنت؟"

وتتجلّى هذه المخاطبة الحاضرة بالغياب الفاجع، غيابا للمعنى في الوجود، وتكون المسيرة التّشكيليّة مسيرة البحث عنها..عن القصيدة المستحيلة، لتنكفئ الذّات غريبة وحيدة مشكّلة المعنى..والجمال، من جديد، في مسيرة تشكيليّة " سيزيفيّة " مضنية قدريّة لا يقوى عليها إلاّ المبدعون أنصاف الآلهة...العاشقين أبدا للقصيدة مستحيلة، يطلبونها، ويتوهّمون أنّهم يدركونها، ولكنّهم لا يجدونها أبدا "داخل اللّغة" ولا داخل الزّمان:

" كان يلزمني لاجتراحِ القصيدةِ:

طاولةٌ خارج اللغةِ – البيتِ (معنى يشكّلهُ الطفلُ،

قبل الفراشاتِ،

في رعشةِ البرعمِ الغضِّ)..."

 

..................

هوامش:

1... د. محمد صابر عبيد /«التشكيل» مصطلحاً أدبياً

2..المنصف عاشور/المعنى وتشكله..ج1(تقديم)

3...الحيوان، الجاحظ، تحقيق: عبد السلام محمد هارون:3/131، 132

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 2931 المصادف: 2014-09-14 00:37:55