المثقف - قراءات نقدية

قراءة في نصّ "ما بيننا" لفاطمة نزال

"ما بيننا .." عنوان ملتبس، دالّ في إيماء وإشارة .. فيه معنى الظّرفيّة باعتبارها "الشيء" أو الحيّز الفاصل المانع، وربّما الواصل الجامع .. وفيه تكثيف لما سيخبر عنه النص ويتوسّع به وينتشر .. وفيه الجمع رغم "الدّاء والأعداء .. " (نحن) .. والفصل يقسم "النحن" (أنا) و(أنت)، هنا وهناك، بيننا الرّيح تذروه وتذروها، وتحجب صوتها وصوته .. وفيه "البين" غرابه ناعق باثّ صوت الرّعب ناشر رائحة الفراق .. بيننا البين:

" بِنْتُم وَبِنّا، فَما ابتَلّتْ جَوَانِحُنَا .. " ..

فإذا هذه البينيّة ظرف وخبر يمكن أن يثبت أو ينفي، يجمع ويفصل .. ومعنى الفصل والوصل أبين وأجلى وأنسب لروح الشّاعرة كما تتجلّى في نصّها .. ذاتا تصف وتشكو وتبين عن بينونة بيّنة من حيث هي حال حاضرة في الشطر الأوّل من النّصّ، وحال مطلوبة مأمولة مرغوبة في الشطر الثّاني .. وبين الضّدّين معجما وسياقا ترتسم حركة القصيدة، فتبدو، على اختزالها وكثافتها، ملحميّة النّفس، دراميّة البناء، عمادها الصّورة المألوفة في سنن التّصوير، والولود أبدا حين يعاد صوغ عناصرها في ما يستجدّ من السّياقات والحاجات والأحوال التّعبيريّة والمقامات الشّعريّة .. وهذه الصّور تتناسل وتتنوّع وتتظافر دالّة على ما يأتلف وما يختلف من المعاني .. وهي، في هذا النص راجعة إلى أحد عوالم الطّبيعة الجليلة المهيبة، نعني البحر في أحوال هي ألوان القصيدة وأصواتها إن أردتها لوحة أو مغناة .. والبحر ههنا صورة للوجود بما يكتنف الإنسان فيه من غموض المأتى والمصير، واغتراب وتيه وخوف وألم ..

"لجّة بحر" .. هي الصورة الكبرى للوجود كما تتمثّله الشّاعرة وترسمه وتحدّد ملامحه، وملامح الإنسان فيه، بل ملامح الذّات .. لأنّ النّصّ شديد الاتّصال بالإحساس الذّاتيّ، غنائيّته عالية، وأدواته التّعبيريّة منتقاة لتوجيه القول الشّعريّ إلى بؤرة توتّر حادّة ناضحة ألما وضياعا ونشدانا للخلاص وابتهالا وضراعة إلى المخلّص ..

وهذه الصّورة الكبرى تقترن بأكبر شعور أبرزته الشّاعرة ونشرته وأبانت عنه، ونشدت الخلاص منه، وهو الخوف .. في أعلى درجاته هولا ورهبة ورعبا وهلعا وفزعا، تعبيرا عن ضعف الإنسان الوجل " .. كالطائرِ الخائفِ قد ضَيَّعَ وكرَهْ .. فوقَهُ البازِيُّ ، والأشْرَاكُ في نجدٍ وحُفْرَهْ .. " (أبو ماضي) .. وبذلك تكون قد نزّلت الشّعر في مهاده الأصليّ وتربته الأصيلة : أن يكون ملحمة الإنسان و ترجمانا لأعظم المشاعر وأكثرها اتّصالا بالتّاريخ والمصير، والحرّية والحبّ والقدر والخلاص والإيمان والسّلام والموت والحياة .. الحياة هنا والآن .. باعتبارها "لجّة رهيبة" ومغامرة في " ليل كموج البحر أرخى سدوله .. " .. ولعلّها الحياة كما كانت أبدا، وكما ستكون. إلاّ أنّ من وظائف الشّعر والشّاعر أن يكونا أبدا صوتا للأمل وانتظارا الخلاص .. خلاص الرّوح الأسيرة الكسيرة، العطشى اللّهفى، المتضوّرة المتضرّعة ..

لهذه الرّوح في القصيدة تاريخ ورحيل واغتراب واعتراك ومسار في سياق حركة القصيدة منشأ وانفتاحا وتناميا وانغلاقا :

1) البينيّة انفصال .. غربة الرّوح وانفصالها عن موضوع رغبتها ..

تنبني هذه الحركة الأولى على مقابلة صراعيّة جوهريّة بين فعلين ضديدين: فعل فصل، وقطع ومنع وقمع، وقهر وبتر، كنّت عنه الشّاعرة بفعل الطبيعة وقواها القاهرة الغالبة: (زمجرة الريح .. تقطع .. عاصفة تلفنا .. تبعثر .. عوائها .. ) وفعل وصل وربط وخلق وصوغ وحبك وحبّ وجمال ومقاومة وحياة: (صراخ، أصداء، صور، كلمات،، مخيّلة، عري .. ) ..

ولا يخفى ما في هذه الحركة من ضدّيّة صوتيّة وسمت اللإيقاع بتعدّد الأصوات وتردّدها بين القوّة والضّعف، والارتفاع والانخفاض، والتّجانس تعبيرا عن الفعل الأوّل (الإخافة) وعن الفعل الثّاني، وهو سياقيّا أثر وحال أوقعها الفعل الأوّل( الخوف) .. وإن جاز لنا أن ننظر إلى هذا الفعل لا في سياق ردّ الفعل والتّأثّر، بل في سياق الفعل والسّبق فيه ..

إلاّ أنّ مدار الصّراع يبقى ملتبسا، تومئ إليه الشّاعرة إيماء، ولا تقدّم لإجلائه إلا بعض الإشارات والشّذرات: (صور .. عري .. مخيّلة .. صاغته كلماتنا .. ) .. ونحتاج، إنتاجا للمعنى وتحسّسا للسّبيل إليه، إلى استثمار علاقات التّجاور والتّصادي والتّجاوب بين تلك " الكلمات" وما تكتنزه وتستبطنه من دلالات ينتجها السّياق ومقام القول الشّعريّ ..

ف"الصّورة والخيال والكلمة " تشكّل مثلّثا تتفاعل مكوّناته، فإذا هي ملكة أو آلة (خيال/مخيّلة .. ) وأدوات (كلمات) ومحتوى منتَج (صور .. ) .. وهو مثلّث إبداعيّ من حيث الآليّة والمراحل والأبعاد، إذ الفعل الإبداعيّ في سياق القصيدة فعل وردّ فعل .. فلولا البين (أو الما بين) ما لجأنا إلى "الصّور" لنتسلّى، وما اشتغلت المخيّلة إلاّ مغالبة للواقع، وصنعا للواقع الخفيّ السرّيّ الدّخليّ، الموازي، المحتال على قوّة القهر والبطش والجبروت في العالم .. وما كانت " الكلمات" إلا للتّسمية وخلق العالم والكشف والتّأسّي والشّكوى والضّراعة والسّرد والمناجاة ومغالبة المسافات والأمكنة واستحضار الأحبّة وإن نأوا أو نأت بهم القوى الظّالمة ..

هكذا هي اللّغة كما أوحت بها الشّاعرة : صراخ في وجه العاصفة، وتحدّ وكسر للطّوق ، ولوحات على جدران هذا السّجن الكونيّ شوقا إلى فضاء آخر وإلى حبيب تحجبه الأشياء، فتجلبه بل تصنع حضوره الكلمات .. " أصداء" لصراخ الرّوح هي الكلمات، تضيع في "الزّمجرة" الغالبة الفاتكة، ولكنّها معاندة مقاومة، ترنو إلى الفضاء الرّحب وترى الطّريق:

" كلماتي كلمات

للشّبابيك سماء ..

للعصافير فضاء ..

للخطى درب و للنهر مصبّ .. " (درويش)

صنو هذا فعل الشّاعرة وقد ارادت أن تكون صوتا له ولها، فاتّخذا الكلمات للتّناجي والتّنادي والتّواجد والتّواعد :

" نلتمس دفءا غائبا

فلا يسعفنا إلا القدر

وأمل كنور منارة

يومض في لجة بحرٍ ينبئنا

بأن بعض الريح يُسكته المطر .. "

 

وبناء لمعنى "الأمل" تنتقل الشّاعرة من فضاء رمزيّ واسع وحال رمزيّة كثيفة الإيحاء (زمجرة الريح، عاصفة، لجة بحرٍ .. ) وفضاء داخليّ (مقابل ) منكفئ مسكون بالخوف والألم، إلى فضاء الحلم والانفتاح على المقبل المأمول الذي لا وجود له إلا بما تتيحه الكلمات والصّور والأخيلة .. كذلك تظهر صورة " المنارة" علامة برّ قريب تأوي إليه الرّوح التّائهة المسكونة بالعدم في "اللّجة" القاتلة:

"وأمل كنور منارة .. " ..

كذا الرّوح تصنع نورها وتكتب صلاتها، وتجد سبيل خلاصها، وهْما عظيما وحلما من صور وكلمات، يتجلّى ويكون ملء البصيرة والبصر، حقّا ومثولا في العالم، معجزة إنسانيّة كبرى يتردّد فيها معنى الخلق الجديد والحياة الثّانية بعد أن يطلّ المرء على عالم العدم، ولكنّه ينجو من بين براثن "الحيوان" المزمجر المفترس ..

وفي سياق هذا الانتقال من رموز الظّلم والظّلام إلى رموز النّجاة والنّور، تقابل الشّاعرة مقابلة أساسيّة بناء لمعنى الأمل، بين "الرّيح" و"المطر" :

" بأن بعض الريح يُسكته المطر .. "

وتستثمر جانبا من الطاقة الإيحائيّة في هذين الرّمزين الأسطوريين والدّينيين والإنسانيين العظيميْ الحضور في الفنون والآداب .. وممّا تنفرد به أنّها جعلت المطر نفيا للرّيح، من حيث أنّه "يسكتها .. " فيبطل فعلها وأثرها، ويكون نفيا لنفيها .. إفناء وإهلاك وعتوّ ورعب ورهبة وعصف وتفرقة وتشتيت هي .. وهو إحياء وسقيا وغيث وبشرى وزهر وثمر .. وسحاب يساق " .. إِلَى بَلَدٍ مَيِّتٍ فَأَحْيَيْنَا بِهِ الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا .." .. وهذه الأرض هنا هي الرّوح الموات تصلها الرّوح النّازلة من السّماء، المؤذنة بالخلاص ..

كذا تنهل الشّاعرة من المعين القرآني العظيم ترميزا وإيحاء، فتسترفده، وتستقي وتستلهم منه بعض صورها .. وأجلى ما يكون ذلك في المرحلة الثّانية ..

 

2) البينيّة اتّصال .. الرّوح تستسقي نشدانا لحلول روح المناجى فيها:

يسم إيقاع هذه الحركة الثّانية الإنشاء الطّلبيّ المصدّر ب"هلاّ .. " وقد محّضته الشّاعرة سياقيّا للحثّ استصراخا واستغاثة وابتهالا وصلاة ودعاء .. وفي أقصى الألم وأقساه، يرتفع صوت الضّراعة .. وحين يقسو الشّوق تتضوّر الرّوح، وينفطر القلب ويتشقّق كما الأرض الموات تشتاق إلى الماء:

.. " أُنَاشِدُ الغَيْثَ كَيْ تَهْمي غَوَادِيهِ .. " (البحتري)

كذا صوت الشّاعرة وقد رأت دمار العالم وخرابه في كيانها، ورأت قلبها يجفّ ويجدب ويتشقّق، ورأت غربة روحها وتيهها في عالم ينضح قسوة وعنفا وعدما، فرأت الخلاص في الحبّ شخصا وروحا ينزلان من السّماء، فتكون النّجاة وتحلّ السّعادة بالكيان البائس ..

ومن المعين القرآني اشتقّت صورة "الصّيّب" ، ومن الدّفق الدّلاليّ لهذا اللّفظ سقت نصّها، وغذت تجربتها، ووصلت فيها الأرض بالسّماء، والإنسانيّ بالإلهيّ، والنّسبيّ بالمطلق:

" والصيّب المطر ..

وكل ما نزل من الأعلى إلى الأسفل فهو صيّب ..

.. من صاب يصوب، أي نزل من السّماء أي من السّحاب .. "

هكذا تقول المعاجم في " الصّيّب" وهو في الغالب الوابل النّافع الطّيّب .. وكان الحدس الإنسانيّ منذ عصور الأسطورة استشعارا للعلاقة بين الأرض والسّماء علاقة إخصاب وإحياء وتوحّد .. وكان "الصّيّب" أبدا حبّ السّماء للأرض، وغوث من في السّماء لمن في الأرض .. وأبدا كانت القلوب تدعو ، الأرواح وتهفو ، و الأكفّ ترتفع، و الألسنة تضرع، استرفادا واسترحاما واستسقاء .. فينزل "الصّيّب" وحيا على الأنبياء، ووابلا من ماء السّماء يبعث الحياة، وإلهاما يعمر أرواح الشّعراء، وحبّا يعيد النّبض إلى القلوب المنفطرة:

فهلاّ تساقط

صّيب حبك على قلب

تداعى وانفطر ؟!

وهلاَّ رويت

بوصال روحك روحي

التي ما فتئت تنتظر؟ ..

ولئن كانت المرحلة الأولى محكومة بمنطق الانقضاء والتّحقّق، فإنّ الثّانية، لما انبت عليه من "طلبيّة" منزّلة في المستقبل أملا وانتظارا .. انتظارا للصّيّب حبّا وقصيدة .. الصّيّب المشروط بالانتظار باعتباره إيمانا وفعلا مقدّسا .. لتنفتح أبواب السّماء ..

 

ما بيننا .. / فاطمة نزال

بيني وبينك زمجرة الريح

تقطع بالخوف كل الصور ..

في كل عاصفة تلفنا

تبعثر أصوات صراخنا بين عوائها

تتوه الأصداء بتأوهات الشجر

ونلملم عري مخيلة

صاغتها كلماتنا

نلتمس دفئا غائبا

فلا يسعفنا إلا القدر

وأمل كنور منارة

يومض في لجة بحرٍ ينبئنا

بأن بعض الريح يُسكته المطر

فهلاّ تساقط

صيّب حبّك على قلب

تداعى وانفطر ؟!

وهلاَّ روّيت

بوصال روحك روحي

التي ما فتئت تنتظر؟

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 2934 المصادف: 2014-09-17 01:30:49