المثقف - قراءات نقدية

قراءة في رواية حصار العنكبوت لكريم كطافة

الى المغيب د. عبدالستار القيسي**، الذي لو التقيته يوما لقبلت التراب الذي يمشي عليه.

ينتمي كريم كطافة الى جيل نادر من الثوريين العراقيين، هو جيل تفتحت افاقه في بداية السبعينيات، مفعم بالجهد المثابر للقراءة والاحلام الثورية الرومانسية. هو سلسل حركة ثورية مفعمة بالتحدي واحلام التغيير. وجد هذا الجيل طريقه الى الكفاح المسلح بعد ان قلب النظام الساقط ظهر المجن لليسار وفي مسيرة نظام كان همه تحويل الشعب العراقي الى شعب على مقاسات صدام. اهم انجازات هذا الجيل قدرته على التحدي. هو جيل شاغب السلطة وكسر هيبتها وأذلها في احيان غير قليلة وتحدى ارهابها المجنون. جيل مشبع بالوطنية ومبادئ العدالة الانسانية والاممية ، مأثرته الكبرى كانت في اعادة الهيبة لنضال للحزب الشيوعي العراقي بعد هجمة النظام عليه في 1978 . تكمن مأساة هذا الجيل في ما افرزته الحياة وبالذات بعد 2003 والتعمد في دفن مأثرته من خلال التنكر والاهمال له، بل إن نهجهم هذا وتضحياتهم تلك، التي لا تتعارض مع قيم اي انسانية أو وطنية، لم تجد لها صدى في حياة العراقيين في السنوات اللاحقة. يطرق كريم كطافة على الذاكرة العراقية المخربة اصلا، والتي يجري العمل الان على تشكيلها بصيغ دينية، طائفية، شوفينية او ذات افق قومي ضيق وبصيغ لا وطنية. تشكل هذه الرواية جزءاً من الانصاف لهذا الجيل وبطولاته، والمساهمة في تشكيل الذاكرة العراقية على اسس وطنية وانسانية. جزء هام من بيان هذا الجيل نجده في مقدمة القصة التي كتبها الكاتب.

يسعى كريم كطافة في روايته إلى توثيق حدثاً هاماً من حياة هذا الجيل الثوري الذي سعى بزهرات شبابه وطاقته ان يجسر المسافة بين الحلم والواقع، هي فترة الحصار وبطريقة الشبكة العنكبوتية لمجموعة من قوات الانصار والبشمركة ولمجموعة من عوائلهم وعوائل اخرى في جبل كارة الاجرد والجاف، في الفترة التي اعقبت انتهاء الحرب العراقية الايرانية وتَفرغ النظام لضرب الحركة الكردية المسلحة. قام النظام بشن حملة ابادة شاملة للريف الكردستاني و ( لأول مرة يقدم الفلاحون على رحيل جماعي بهذا الذعر الذي يجبرهم على ترك بيوتهم كما هي، وأن يفروا بجلودهم، وحتى دون قتال، ودون أن يدروا شيئاً عن وجهة رحيلهم القادم ص 141)، وهُجر النظام العديد من عوائل الانصار في الفترة السابقة لحملته باتجاه قواعد الانصار وضمن مخطط مدروس مسبقاً. شكل هذا الحصار جزء من عملية ابادة عنصرية وشوفينية للشعب الكردي وهي عملية الانفال الذي ذهب ضحيتها 180 الف مواطن عراقي كردي. عوائل الانصار (يقدرعدد الضحايا ب 196 شخص في اقل تقدير) من الاطفال و النساء والشيوخ معظمها من اليزيدية، التي اضطرت ان تسليم نفسها للسلطة، تم ابادتها ولم يُعثر لحد الان على اي اثراً لها، ولم يحفظ النظام الساقط وعوده التي سبق وان اطلقها. هذه الفترة تتطرق لفترة بضعة اشهر من حياة الانصار والتي تمتد الى مايقارب إحدى عشر سنة.

عتبة الرواية تبدء ب (فواد يلدا .. مازلت الجرح الناتئ في روحي)، هذا الاستهلال سيضع القارئ وبالذات العراقي المبتلى بالفقدان ومن خاض معارك النضال من اجل الشعب العراقي، ان يتساءل كم من الجروح الناتئة في روحه، من هو الاكثر شعورا بالامان؟ من جلجل بصوته هاتفا بحب شعبه ووطنه وسقط شهيدا ام من يستعيد تلك الصور مقاوما النسيان. يصعد الكاتب بهذا الاستهلال شيئاً فشيئاً من المستوى ذي الطابع الشخصي والذي له مرارته الخاصة في حياة الكاتب ليتحول الى سؤال عام لامس حياة شعب وحركة ثورية. من هذا الاستهلال ترتسم صور اولئك الذين اختطفوا منا بصور ابتساماتهم وجلجلة ضحكاتهم وصخب تواجدهم او هدوءه. كل منهم كان له صورته. لم يبق لنا الزمن شيئا كثيرا فقد جاوز معظمنا من العمر ثلثيه، لكن تبقى صورهم كما هي شابة، مفعمة بالحياة، وبابتسامته تتحدى الايام.

تتميز رواية حصار العكنبوت بروح الالفة التي تخلقها مع القارئ. تكتسب هذه الالفة مظهرها في القراءة المتواصلة لرواية كبيرة الحجم والتماثل مع عوالمها واجوائها وشخصياتها وتوثيق احداثها، تتسع هذه الالفة وتضفر وشائجها مع القارئ الذي سيبقى يبحث عن الحدود الفاصلة بينه وبين الرواية. لا تنشا هذه العلاقة بسب دراما الاحداث فقط وحجم المأساة والمجزرة وانما بالصياغة والاساليب المتنوعة المستخدمة في اقامة عمارة الرواية المتكاملة.

تبدأ الرواية بناء أحداثها بعين سينمائية، هادئة، رقيقة، مسالمة الى حد ما على جبهة الحرب بين ألانصار والسلطة، وهى تشمل توصف حياة الانصار وطرق التحاقهم ومواقع ألانصار وروح النكتة والسخرية والتحدي وغيرها من اليوميات المألوفة في حياتهم، بحيث تُبنى هذه الالفة وتهيأ القارئ للاحداث والمرارات القادمة. لم يهتم الكاتب في توصيف الشخصيات فقط وهو عامل هام في رسم لوحة متكاملة للشخصيات واجوائها وانما اهتمامه الاكبر كان بفعلها وقوة هذا الفعل، فقد قدم شخصيات مشتركة في خيارها باقتحام المجهول ولكن في اللحظات التي تكون مع الموت جيران وحين يفقد الموت طقوسه، تتفرق مصائرها، خاصة عندما تتحول مفردة واضحة كمفردة ( فاشل بو) الى كودة السر لدخول الجحيم ص 145. هي شخصيات حقيقية استلها كريم من احضان تلك الحياة. رسمها بصورة صادقة وأمينة ولم يتلاعب فيها كثيرا، ولم يسعى اصلا لإخفائها الا بمساحيق خفيفة بما يتطلب بناء الرواية، بل بالعكس سعى من اجل توثيقها وتوثيق تلك الاحداث.

فؤاد يلدا وهي شخصية حقيقة، شاب شيوعي بصراوي في اواسط العشرينيات من عمره، مدهون بلون الشمس وبعيون ملونة، ترك ايطاليا بعد ان انهى دراسة النحت فيها والتحق بقوات الانصار، وعلى لسانه في الصفحات الاولى، ينطلق رنين الانذار القادم بعد انتهاء الحرب العراقية الايرانية (حمار الملك لم يتعلم القراءة والكتابة، الجنود جنود، انتهت المهلة يارفاق ص 14). هذا الرنين سيتحول الى سؤال كبير وبالأحرى الى اسئلة كبرى، اهمها ماذا اعددنا بعد الحرب؟. يغيب فؤاد بين فصول الرواية مع شخصياتها ويظهر هنا وهناك، وليظهر لنا في نهايتها بخياره الواعي والمأساوي بالانتحار على تسليم نفسة لجيش السلطة. سهراب القابض بيده على الجمر وحمل كتفيه بمسؤولية وحياة رفاقه الانصار من جهة وحمل حياة زوجته واطفاله المهجرين باتجاه قاعدة الانصار من جهة اخرى، والتي تؤنفل لاحقا، هذا الحمل يتحول الى بوصلة في تحديد خياره بتحدي الموت ومواصلة القتال بعد انسحاب الانصار باتجاه الحدود التركية.

سعى الكاتب لتناول شخصياته بحيادية. يمكن تلمس ذلك في طريقة تناول شخصية ابو منيب مسؤول الفوج الذي موه الكاتب إسمه فقط، رغم عدم قناعة الانصار بقيادته لهم والتي نجده مثلا في صيحة رزوقي المستفز على الدوام (باكيت الزبد شوكت يطلع من الثلاجة !! ص 98)، لكن الموقف يتجسد لاحقا، حين يبحث القائد عن خيار فردي لنجاته بهربه الى سوريا مستغلاً خطوط التنظيم المدني، تاركا انصار فوجه بين فكي الموت. هذا الامر في حقيقته، هو سؤال يثير الكثير من المواجع.

شخصيتان تشكلان ضفتا الرواية والتي تبقى ظلالهما مرافقة لكل احداث الرواية. الاولى هي شخصية نظام مجرم يقتات على ارهاب وتجويع واذلال وابادة شعبه، لم ينجو من شره لا البشر ولا الحجر. نظام كان يريد ان يفصل شعب على مقاسه ولم يتهاون يوما مع من يكون خارج هذا المقاس، لم يترك كريم كطافة فرصة في سرده الا واظهر اجرام هذا النظام. مرة يصفعه واخرى يبصق عليه وثالثا يظهر خواءه وعداءه الاهوج لشعبه ولم تغب في تفاصيل الاحداث وبؤر الصراع مسؤولية النظام الساقط عن هذه الجريمة. والثانية هي شعب يأكل الحجر كي يبقى يقاوم. مجد الكاتب بصدق وامانة بطولة الشعب الكردي وصموده وتحديه ومجد حركة الانصار واصرارهم المقدس الا أن يكونوا في موقع المدافع الامين عن ارادة وطموح شعبهم.

لم يسقط الكاتب رؤيته المسبقة على الأحداث والشخصيات ولكن عرضها امامنا بشيء من الانسيابية والعفوية كما هي في واقع حياتها. ما يجمع معظم هذه الشخصيات هو النزعة الانسانية فيها وطابع التحدي والمقاومة في مجمل حركتها، حتى موضوع عشق النصير خديدا في خريف العمر لعاهرة تلعب دورا مزدوج بين السلطة والانصار يتحول موضوع للتندر والمشاكة بين الانصار (ليش خديدة... ليش!! ص43) بدل ان يكون محطة لانفجار المواقف، حتى البغال والتي هي شريك حياة الانصار والحيوانات الاخرى تكتسب هذه النزعة وتكتسب موقفا حين تكون جزءا من حياة الانصار وتلهث مع البشر في طريق خلاصها، كما هي في شهامة بغل السرية الوحيد (مارادونا) الذي يفتدي بنفسه ثلاثة من الانصار والذي يبقى مصيره مجهولا ما بين القتل او الجرح او الاسر وربما تضحك في سرك حين تتسأل عن كيفية تعامل السلطة لاحقاً مع بغل الانصار الاسير. كذلك مأساة البغل النورس، بقرة عابد والتي يصوم عابد عن تناول لحمها حين تذبح لإنقاذ الجياع. دببة تترك مكانها لعاشقين وزوجين يلعبا في ساحة المراهقة وغيرها من الصور.

   يؤثث كريم كطافة المشهد من جوانبه المختلفة وبمهارة واناقة متميزة (الزمان، المكان، الحوار، الذاكرة، ردود الافعال، الحلم، الملابس، الامراض، السخرية ...الخ)، مما يجعل المشهد نابضاً بالحياة، ويجعل من الحدث ذي بهرجة جميلة غير مفتعلة حتى يخيل للقارئ انه يرى بعيون الشخصية نفسها. ففي ص 242 تشعر وكأنك ترى اللون الحنائي لبسطال الضابط الواقف على أحراش نهر صغير إختفى فيه ثلاثة من الانصار ويتداخلك الخوف الناهش فيهم ( رؤوس الثلاثة مفرغة من التصميم لا شيء فيها غير صوت دوران الدماء في العروق، ولعله ذلك السائل الذي يدعونه بسائل الخوف، كان خوفهم ناهشاً ماسكاً بتلابيبهم معطلا أجسادهم عن المبادرة ص 24).

صور ومشاهد الكاتب موصوفة بعين سينمائية،راصدة وبمشاعر واحاسيس عالية وبلغة متينة متناسبة مع الحدث بلا اقتضاب او اسهاب مما يساعد على اختصار المسافة بينك وبين الحدث. من هذه الصور والمشاهد يرتفع الكاتب بعمارة الرواية حجراً فحجراً، وصفاً بعد اخر بخبرة ومهارة الاسطوات وبطريقة البناء الهرمي. فقد استطاع كريم كطافة ان يظهر نضوج تجربته وخبرته في الكتابة، وقدرته على تنمية الحدث الروائي بما يحث القارئ على مواصلة القراءة بمتعة وتأني، وروح وعين فاحصة. هي صور تعكس جوانب المختلفة لحياة هؤلاء المقتحمين للمجهول والمنتصبة بين خط الموت والحياة.

شباب انصار حلوين*** جاءوا من مختلف البقاع والمشارب للالتحاق بالحركة. أنصار تعاهدوا في السنة الاولى لاحتفالهم بعيد رأس السنة الميلادية في 1980 في جبال كردستان الشماء، على ان يلتقتوا باحيائهم وشهدائهم تحت نصب الحرية في بغداد في اول عيد لرأس السنة الميلادية بعد اسقاط النظام الديكتاتوري، زوجات شهداء وعوائلهم، عزرائيل المهموم بقائمة الاعمال المطلوب انجازها . صورة النشيد الاممي وهو يغنى بطريقة الخشابة البصراوية ( هبوا .. هبوا، يله خالي) والتي لو سمعها ماركس لترك غليونه جانبا وبزخ معهم. صورة المرأة العراقية العصية على الاذلال والتي مثلت أحد أوتاد الراوية وهي صورة صادقة ولكنها غير تقليدية في مجتمع تقليدي، نساء رواية حصار العنكبوت هن احد وجوه الرواية المشرقة والتي عرضت وجوه اخرى لجوانب متنوعة من الحياة عموما ولحصار الجحيم وملحقاته . شكلت صور نساء الرواية بانورما حقيقة، فهي اشد انواع الصور تنوعاً ولم تكن ذو نمطية موحدة او مكررة، بل عكست طاقات وهئيات ومواقف ًمختلفة ومتناقضة احيانا وغطت بمساحاتها معظم مشاهد الرواية. عالمهن الخاص رغم تنوعه الا انه كان على رباط وثيق مع الاحدث وجزء اساسي منه، عزز بناء الرواية واكسبها متانة سواء على مستوى المحتوى او الشكل. تعددت صورهن ( النصيرة وضحة، دايكة عائشة، روزا بنت الشهيد جاويش، زوجة الشهيد جاويش، شيرين، زوجة سهراب، حبيبة حمدان، زوجة الضابط الطيار ). جنود لم تكن لهم مصالحة فيما كان يدور ولكن وجدوا انفسهم ككماشة النار في يد لنظام. صور ومشاهد الرواية تعبر عن ذاكرة عصية ومعاندة للزمن تتحدث عن اولئك الذين كانوا يسرقون من الزمن اعمارهم وأيامهم وشبابهم المنسي.

صورة واحدة لم يقترب منها الكتاب هي استخدام الجنس والاروتيكة في نصه، رغم ان هذاالامر مغري للكثير من الكتاب في ظل اوضاع يرتفع فيها حائط الممنوعات، اضافة لكونه الجانب المغري في الكتابة لحياة منعزلة ومقطوعة ويشكل جزء من حقيقة ذاك الواقع. وهنا يُطرح تساؤل هل ان الامر يتعلق بالعفة، بالتوثيق، بالأسلوب. سؤال يبقى مفتوحاً، رغم ان الكاتب اظهر تمكنه من هذا اللون من الكاتبة والوصف كما في وصف الطيار القاصف للموقع وزوجته، واثارة سؤال عميق حول الاجرام والاستمتاع بالجنس.

عناوين الفصول او المشاهد مثيرةً ومختارةً بخبرة تعكس مهارة في التعامل مع مقدمة النص ومع القارئ، فقد اتبع كريم كطافة استخدام عناوين الكثير من الفصول، تحمل التناقض والتخالف داخل النص نفسه. هذه الطريقة او التقنية تفتح شهية القارئ للبحث في الفصل المعني عن طريقة التخالف هذه والغرائبية في عنوان الفصل. انها قراءة تبدأ بسؤال بين مفارقة النص والواقع. مثلا كاكا انور يشتغل كردي،   انا زيباري!!، سجناء خطرون، محنة البغل النورس، محنة سجان وسجناء، حين تكون الحلول متشايهة... يعني ماكو حل، حب يأتي مثل اشياء اخرى منهكا، كل شئ يحترق ارض الكرد بلا ريف، الموت لحماً، إعادة إبادة إنسان النياندرتال وغيرها

ما يعزز من الالفة بين الرواية وقارئها هذا التناسب بين السرد والحوار، الذي ساعد على تركيب هذه الصور والمشاهد ويسهل لعيني القارئ في التهام صفحات الرواية. لعب الحوار بالدارجة دوراً بتسخين الاجواء واعطاء الشخصيات حرارة وحيوية، خاصة في مواضع السخرية والنكتة التي تشكل في الكثير من المواقع محطة لجر الانفاس، حيث لا تكتسب النكتة او القفشة طعمها الا من لغتها المحلية. واستطاع كريم ان يستخدم لغة دارجة سهلة ومفهومة عموما من القارئ الغير عراقي. استخدام الكاتب الدارجة في حدودها المعقولة بحيث خدمت السرد ولم يصبغ النص بروح محلية ضيقة.

اما السخرية والنكتة في الرواية والتي هي بحاجة الى وقفة خاصة ومفصلة، والتي تمتد الى الكثير من مفاصل الرواية ولعبت ادواراً مختلفة وهامة. هذه السخرية لم تكن مفتعلة. هي جزء من ذاك الواقع ومن تلك الحياة، ولحد الان ما ان يلتقي بعض الانصار حتى يكون هذا الامر مادتهم الاكثر حيوية في احاديثهم وذكرياتهم. تكمن مهارة الكاتب في طريقة استخدامها وتوظيفها باعتبارها جزء من الحدث، تسهم في تعزيز الحوار وبنائه وتفتح افاق لتطوير السرد والحوار وبناء اسئلة مركبة وتشكل السخرية قاعدة قوية لتشكيل الاسئلة المختلفة. تأخذ السخرية مكانها من بداية الرواية حتى اخر صفحة فيها. السخرية كانت على مستويات متعددة منها اليومي المألوف والذي يضفي نكهة وترطيب للحياة والاجواء وتعكس روح التحدي لمرارة الواقع المحاط بالموت وعزرائيل القافز بين وديان وقمم جبل كارة كما في استخدام عبارة معروفة بين الانصار للملتحقين الجدد من الخارج (يعني الرفيق بعده بدهنة ص 12) او كما يتحدث النصير ابو حمدة عن ابو طاروق (هي جمع لاسمي قياديين في الحزب الشيوعي وهو ابو فاروق عمر الشيخ وابو طارق ارا خاجدور). ابو حمدة (الذي يدمج ما لا يدمج من صفات واسماء في لجة لهفته لقول اخبار، يعتقد انها لم تزل طازجة ص 16). ومنها كما يسمى بالسخرية السوداء التي تمتد مفارقات التاريخ حين تدعو حركة لإيقاف الحرب العراقية الايرانية باعتباره موقفاً سياسيا واخلاقياً من الحرب واملا منها ان يفتح هذا الامر ابواباً لاشتداد تناقضات نظام صدام مما يقرب سقوطه، فاذا بهذا الموقف يتحول الى مقصلة للمعارضة العراقية وبالذات الحركة الكردية وابادة للشعب الكردي. مسخرة شعب يخلق جلاده كما في ص 12 حين يصور مشهد بين الجموع حين يخطب صدام ويسمع صراخ رجل بين الجموع يشق دشداشته ويلطم على راسه، ويبدو ان هذا المشهد سيبقى لصيقا في حياتنا كعراقيين حتى بعد زوال النظام الساقط. السخرية من الواقع نفسة حين يكون الشيوعيون اكثر القوى مساهمة وعنفواناً في النضال ضد الديكتاتوريات المتعاقبة ومن اجل سعادة العراقيين وليأتي في النهاية اخرون يجمعون حصادهم، هي سخرية وسؤال يختزن في باطنه المرارات اللامحدودة. سخرية التناقض بين الروح الثورية المستعدة لاقتحام السماء وشكل تأطيرها، وبالتالي هل يكفي للثوري ان يحمل صليبه على ظهره أو أن يمتطي ظهر الموت وهي قدرة عجيبة، يحسد عليها، كي يكون طريقه اقل تعرجاً. سخرية كريم كطافة تُحي وتصعد بالعديد من الاسئلة الى السطح. انها رواية تُبقي الجرح مفتوحاً.

سيكتشف الانصار وكل من ساند واحترم نضالهم ان متعتهم ليس فقط في قراءة الرواية وانما ستتجسد حين يقدمها احدهم لاحد ابناءه او بناته، لاهله، لاصدقائه، لشبابنا العراقي ليقول له كانا هكذا نحفر في جدار القمع والصمت من اجل شعاع امل للعراق وشعبه. رواية حصار العنكبوت لها سحرها وهيبتها والتي كما اعتقد سستترك اثراً واضحاً عند قرائها.

شئ اخير اودع به قراءتي هذه تتعلق بالغلاف الذي بتقديري كان يمكن عليه العمل بشكل اخر.

رواية ( حصار العنكبوت ) للكاتب كريم كطافة 367 من الحجم المتوسط، اصدار دار نون، الطبعة الاولى 2014

 

........................................

. القيت المداخلة في احتفالية توقيع الرواية التي نظمها التيار الديقراطي وملتقى الانصار- هولندا 10-10-2041 * قارئ.

** كانت عيادة الاسنان للمغيب د. عبدالستار القيسي في شارع الكفاح مقابل ابو سفين في بغداد، ملجاً لاختفاء العديد من الشيوعين، واصبحت لاحقاً مركزاً للمراسلة. كان عبدالستار القيسي شيوعياً سابقا وسجن في شبابة مع فهد الذي لم يذكر أسمه قط في اي مكان كان الا وارفقه بعبارة الرفيق الخالد، حباً واعجاباً وامانة. إنتهت علاقتة بالحزب الشيوعي بعد 1963. في فترة الحملة ضد الشيوعين اواخر سبعينات القرن الماضي، كرس عبدالستارالقيسي نفسه وعائلته لحماية الشيوعين والدفاع عنهم. بقيت عنده اكثر المختفين مدةً وتعرفت عليه عن قرب. كان رجل مفعم بالجراءة والشجاعة والحب والحنان. هو اخو المحامي المعروف عبدالوهاب القيسي. الذي غيبته السلطة، وابو الشهيد قيس الذي استشهد في احداث بشتاشان والذي سبق ان قضى حفنة من سنوات عمره في سجين ابو غريب، بعد اكماله رسالة الماجستر في مصر وعودته للعراق.

***مطلع لاجمل إغنية مجدت بطولات الانصار، من تاليف الشاعر إسماعيل محمد إسماعيل وتلحين المبدع كوكب حمزة وكان الاثنان ضمن الانصار.

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 2959 المصادف: 2014-10-12 13:45:44