المثقف - قراءات نقدية

قراءة في نصّ : الورد وعبراتك لمادونا عسكر

خطيئة الوردة وقداسة الدّمعة .. وهم اللحظة وسحر الأبد ..

الورد وعبراتك ..

للورود بسمات تائهة، تتأرجح على وجنات الكون الرّحيب. تتدلّل على أعمدة الهياكل صباحاً وتنتقل راضية فرحة بين أيادي العاشقين، وما إن تهمس أول نجمة بحضورها، حتّى تسبل أهدابها على ذراع الليل ثم تغفو هانئة حالمة .. ما همّ إن ضحك الورد وعبراتك تمنحني الأبد.

جوري يعانق وريقاته هنا ويلهو، وياسمين هناك، على أثوابه يرقّ وينحني، وهنالك سوسن من جذور طيبه يتغذى ويكبر. بهيّة بسمات الورد تتبعثر في الأنحاء، وتهب السّحر والجمال للأنام. رقيقة ضحكاتها في عيون البشر، تبلسم حنينهم، تبدّد أحزانهم، وترفق بمشاعرهم. زاهية وهي تودّع أرضها لتجمع القلوب وتلطّف احتفالاتها.

قد يجاهر الورد بضحكاته ويتفاخر بسحره ورقّته. قد يتظاهر بالسّعادة والأيادي تلامس أعناقه وتسلبه حياته، وقد يغترّ إن سار امرؤ أيّاماً ليصل إلى قمّة عالياً ليقطفه، لكنّه يبتسم ويضحك حتّى لحظات الذّبول الأخير. وأمّا أنت، الهانئ في هيكلي، والممسك بأنفاس نبضي، اللّطيف الرّقيق، الحليم الشّفيق، تغدق عليّ بسمات قلبك ومن شدّة الفيض تدمع عيناك فيتراقص نداها على خيوط روحي.

للورد بسمات يوزّعها على الثّغور، وقلبه حائر قلق من غموض مصيره. ولي حبيب يزرع بسماته في نفسي، يقطر العبرات، فيسقيها ويرعاها. تنمو في قلبي غماماً أقحوانيّاً، أقطف منه فرحي، وأغرف سعادتي، ولا الفرح ينتهي ولا سعادتي تذوي.

الورد يبسم للبشر ثمّ يهوي ويغيب، وحبيبي من عمق فرحه يسكب الدّمع ليحييني.

الورد يزهو ليرحل ويهلك، وحبيبي يسعد ليحيا فيّ وأحيا فيه .. وأنا ماذا يهمّني إن ضحك الورد وبكت عينا حبيبي ..

 

القراءة

هذا نصّ "نثريّ" في شعريّة كثيفة ودراميّة حادّة .. بنته صاحبته على فكرة أساسيّة، تقابل من خلالها بين حبّين أو تصوّرين للحبّ:أحدهما حسّيّ لحظويّ، والآخر روحيّ مفتوح على الأبد .. ولذلك اختارت رمزين كبيرين انتشرا في كامل النص، ومنحا الشّاعرة النّاثرة أن تصوغ رؤيتها الكونيّة العميقة في الإنسان بين وهم اللّحظة وحقيقة الأبد .. فجاء النّصّ مسكونا بالتّوتّر الدرامي التّقابليّ من جهة وبالانسجام والهدوء واليقين من جهة ثانية .. والتّقابل بين الوردة والدّمعة هو البؤرة الدّلاليّة الجوهريّة الواصلة بين صورة الوردة /الجسد ومصيرها التراجيدي، ومسيرتها إلى الهاوية، وصورة الدمعة (الماء ..) تعبيرا عن الشوق والطّهر والقداسة والحبّ المجرّد من الحسّ، المتحرّر من وهم اللحظة العابرة مهما تكن آسرة غامرة ..

انطلاقا من هذا المعنى العامّ يبدو النص رمزيّا من حيث مقابلته بين عالمين: عالم الحسّ والفناء والعدم، وترمز له الوردة ، وعالم الرّوح والحبّ والأبد، وترمز له الدّمعة اختزالا لرؤية كونيّة شاملة بديلا عمّا يتأسس عليه الوجود الرّاهن .. ويمكن النّظر في الجانب الأوّل من النص، أي ذاك الذي ينبني على صورة الوردة، في ثلاث لحظات:

 

1) لحظة التّيه:

تتوسّع فيها الشّاعرة من خلال الحقلين المعجميّين للجمال والحسّ (تائهة .. يعانق .. يلهو .. يرقّ .. بهيّ .. رقيقة .. سحر .. جمال .. لطف ..) ..

وترسم الشّاعرة، بلطف تعبيريّ ظاهريّ وقسوة إيحائيّة صامتة، مشهدا يبحث فيه الإنسان عن المعنى في الحسّ، فيذهب في أقصى المتعة، مأخوذا بخيلاء الصّبا والجمال (للورود بسمات تائهة ..) عاقدا كرنفالات للحسّ ومحافل للجسد (وتنتقل راضية فرحة بين أيادي العاشقين ..) راضيا أن يؤسس وجوده على هذا المذهب، سعيدا بأن يقتات من الجسد ويبني " جنّته الأرضيّة .. " على أساس أبيقوريّ واثق من كونيّة الحسّ والإحساس وأبديّتهما، واصل بين النّهار واللّيل استغراقا في مباهج الطّبيعة وإشباعا لرغائب الحواسّ (.. وما إن تهمس أول نجمة بحضورها، حتّى تسبل أهدابها على ذراع الليل ثم تغفو هانئة حالمة ..) ..

وبتكثيف شعريّ إيحائيّ، يأخذ المشهد بعده الكونيّ، فيستحيل الوجود مهرجانا مفتوحا واحتفالا للمتعة وبها، يذكّرنا بالطقوس الوثنيّة الواصلة بين الجسد والعقيدة (بهيّة بسمات الورد تتبعثر في الأنحاء، وتهب السّحر والجمال للأنام. رقيقة ضحكاتها في عيون البشر، تبلسم حنينهم، تبدّد أحزانهم، وترفق بمشاعرهم. زاهية وهي تودّع أرضها لتجمع القلوب وتلطّف احتفالاتها ..) ..

تلك هي الوردة المرأة أو المرأة الوردة الجميلة المتجمّلة الفاتنة المفتتنة بذاتها، الحاضرة في الكون عبيرا وسحرا للحواسّ، المطيعة الرقيقة الرفيقة المواسية المستجيبة السّخيّة المنفتحة المتفتّحة الفاتحة حديقتها لكلّ زائر:

" أنا واللَه أصلح للمعالي .. وأَمشي مشيتي وأتيهُ تيها

أمكّنُ عاشقي من صحن خدّي .. وأعطي قُبلتي مَن يشتهيها .." (ولاّدة)

وهي من جهة أخرى لاهية لعوب عابثة بالقلوب متمنّعة سعيدة بالعذاب في سبيل الفوز برضاها .. ("وقد يغترّ إن سار امرؤ أيّاماً ليصل إلى قمّة عالياً ليقطفه ..") ..

تلك هي صورة الورد كما رسمتها الشّاعرة وحمّلتها شتّى الدّلالات المتظافرة حول فلسفة " اغتنام اللّحظة" وتكريسا لنظرة أفروديتيّة تحتفي بالجسد والشّباب والجمال، تبحث عن السعادة في الحسّ، تنشد الحبّ في انتهاز اللّحظة الحاضرة هروبا من الوحدة المتربّصة .. وتتناسى الوردة أنّها لعبة تلهو بها الأيادي، وتذبلها ثم ترمي بها، وما عمر الوردة، أو وردة العمر، أو الوردة المرأة إلاّ لحظة بين إصباح وإمساء ..

 

2) لحظة القلق:

ليس القلق حالة لاحقة تعقب ما بدا في طور سابق من سعادة وانسجام مع " نظام الوجود "، وإنما هو شعور كامن في النّفس، تحجبه الزّينة، ويغمره العطر (قد يجاهر الورد بضحكاته ويتفاخر بسحره ورقّته. قد يتظاهر بالسّعادة ..) وهذا من لطيف ما تعبّر به الشّاعرة عن إشفاقها على الإنسان، خصوصا في العصر الرّاهن الذي استحال فيه " وردة اصطناعيّة" بلاستيكيّة بلا روح، ليس لها من دور سوى حجب الحقيقة والظهور بمظهر الجمال الزّائف والسّعادة المفتعلة .. لذلك تتوغّل الشّاعرة في عمق هذا الكائن العجيب في كذبه وزيفه وتبنّيه الأجوف لقيم الحبّ والجمال، وضحكه التراجيديّ المغالب للموت والمنذر بالنهاية الفاجعة .. وذاك هو الوجه الذي تكشفه في إشفاق وقسوة، رافضة المغالطة الكونيّة الكبرى، مشهّرة بامتهان الإنسان للإنسان ولذاته، متعفّفة عن المشاركة في قتل الإنسان باسم الحبّ والجمال، واصلة بين القلق والمصير الفاجع (وقلبه حائر قلق من غموض مصيره ..) ..

 

3) لحظة الموت:

هي لحظة الفاجعة التي كانت مقوّماتها كامنة في سلوك "الورد المغرور" المزهوّ بنزوع اللّحظة ، غير المقدّر لهشاشة الأساس الذي ابنى عليه السّلوك، واللاّمبالي بضعف المفاهيم التي اتّخذت قواعد لنظام الوجود الإنسانيّ، خصوصا ما تعلّق منها بالحبّ باعتباره قيمة مركزيّة ..

هكذا تكون "لحظات الذّبول الأخير .. "لحظات الوعي الفاجع بالمأساة والموت المتربّص، وتتجلّى صورة "الوردة الذّاوية" إعلانا عن موت الإنسان وقد ضلّ السّبيل، وتوهّم أنّه يملك مفاتيح الحبّ والسّعادة، ففتح أبواب العدم ..

وهكذا تكون الشّاعرة قد اختزلت الإنسان (الابن الضّالّ) في الخطايا الثّلاث الكبرى (التّيه غرورا وصلفا وبناء للوجود على أساس ضعيف هشّ، والقلق دودا ينخر الكيان، والموت إفناء حكم به الإنسان على نفسه وهو يعلم سبيل الخلود والسعادة الحقّ والحبّ الكامل، لكنّه يضعف ويجحد ويكابر ويعاند ..

لكلّ ذلك تحلّ "الدّمعة " محلّ " الوردة" في رهان الشّاعرة في سبيل السّعادة والحبّ .. وليس رفضها لمذهب "الورد" إلا رفضا لكلّ ما هو محكوم بقوانين الزّمانيّة والنّسبيّة والصّيرورة والفناء والموت

(ما همّ إن ضحك الورد ..) فليست هي ممّن تحرّكهنّ المباهج الصّغيرة النّاقصة الآيلة إلى الفراغ وتجّدد الرّغبة بلا طائل، ولئن كانت في تواصل مع العالم، فهي ترى حدوده ووجوه القصور والوهن في أسسه وقيمه السّائدة ..

لذلك تنصرف بكلّيتها إلى ما ترى العالم عنه لاهيا منصرفا، إلى من يمنحها الأبد، وينجو بها ومعها من أتون الخيبة والعدم، فينشأ "نصّ الحبّ والحياة والأبد " بديلا عن "نصّ الزّيف والفناء والعدم" وينساب خطاب مناجاة واحتفال وابتهال وفرح يبدّد ما ران من رثاء وحزن (وأمّا أنت، الهانئ في هيكلي، والممسك بأنفاس نبضي، اللّطيف الرّقيق، الحليم الشّفيق، تغدق عليّ بسمات قلبك ومن شدّة الفيض تدمع عينيك فيتراقص نداها على خيوط روحي ..) وليس الدّمع بهذا المعنى سوى اللغة البديل تعبيرا عن فيض الحبّ وعظمة الشّوق وسخاء القلب يقول حبّه بأوّل الوسائل قبل أن يكون الصّوت ويتقطّع كلمات ورموزا ..

وهكذا يكون الضحك عنوانا للشّقاء والغباء والفراغ، ويكون البكاء عنوانا للامتلاء والشوق والطّهر ، وتكون الدّموع في منطق النّصّ الماء الحيّ المحيي الواهب مطلق السّعادة وكمال الحبّ :

(ولي حبيب يزرع بسماته في نفسي، يقطر العبرات، فيسقيها ويرعاها. تنمو في قلبي غماماً أقحوانيّاً، أقطف منه فرحي، وأغرف سعادتي، ..) ..

وبين ورد يضحك إغواء وتيها وضلالا وحجبا للهوّة الرّهيبة وتأسيسا للكيان على الفراغ والعدم، والدّمع يهمي غيثا محييا ما هو أصيل في ذات إنسانيّة رفيعة العنصر جديرة بأرقى المقامات وأرقى الدّرجات، وبالفرح الكامل والسّعادة المطلقة (ولا الفرح ينتهي ولا سعادتي تذوي ..) بنت الشّاعرة رؤيتها للعالم معاينة لموطن الهشاشة والوهن فيه، وتبيانا لسبيل النّجاة ..

"أوفيليا" رأت الموت في الزّهر وكانت قد ظنّت فيه البقاء وتمام الحبّ والجمال، فاختارت الموت والرّحيل رفضا للمصير المأسويّ .. إلاّ أنّ سبيل الشّاعرة كانت غير هذه السّبيل، لأنّها كانت محلّ عناية الحبّ الذي منحها الاهتداء إلى سبيل الخلاص والنّجاة واجتناب الهاوية (الورد يزهو ليرحل ويهلك، وحبيبي يسعد ليحيا فيّ وأحيا فيه ..) ..

والشّاعرة رأت في البكاء الطريق إلى الأبد .. لأنّها من طينة العارفين، مثل " أنسي " إذ يقول :

" تقولين البُكاء يَغمر كالضمّة.

تعالي .. سأكون أنا البكاءَ إلى الأبد .. "

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 2971 المصادف: 2014-10-24 01:49:49