المثقف - قراءات نقدية

وديع شامخ بين تداولية الصورة وتشتيت الفضاء (انفلات المحيط الدلالي) .. قراءة في مجموعة (مراتب الوهم)

haidar abdullradaعند كتابة الشاعر للقصيدة، هناك أحيانا شكلا من أشكال الانطباعية المحسوسة، المتآتية بموجب دائرة من الفاعلية الهواجسية،حيث يكون من شأنها جعل النص الشعري، عبارة عن فضاء من الكلام والأقوال والصور المتطايرة هنا وهناك، كما لو ان القصيدة بذلك الأمر، تبدو عبارة عن بلوغيات غير متكاملة في رسم غايات تكوينية ومشهدية صورة النص نفسه، ودلالات الخطاب الشعري، الذي بدا بذلك الشكل متساوقا بموجب فراغات الخطاب التنصيصي في النص نفسه .. وأنا أقرأ مجموعة قصائد (مراتب الوهم) للشاعر وديع شامخ، ساورني ثمة هاجس ما، ينص على ان مكونات مشروعية قصائد هذا الشاعر في هذه المختارات الشعرية، ما هي ألا محمولات استيهامية خالطتها جملة تقويمات التداولية الانطباعية الشخصية المباشرة في تكوين مفردات الافكار والاشكال الاستعدادية لفكرة صياغة الظاهرة الاسلوبية في مقولات دوال النص لديه، فمثلا على سبيل المثال، وجدنا الشاعر شامخ وفي أماكن عديدة من وظائف ووحدات قصائد مجموعته الشعرية هذه، يحاول انتزاع لوحة أصوات الاشياء وبوحها وفضاءاتها، بطريقة شبه تشخيصية كاملة التنضيد والتدوين، بيد أنها من جهة ما، تخلو تماما من بريق استقرارية تصورات المحسوس الدلالي في الصورة القولية الدلالية:

(لو أدري ان أقلامي التي بريتها ..

ستكون رماحا في خاصرتي ..

والأقلام التي أرضعتها حبر روحي ..

تتنازعني الساعة على قلقي ..ص10)

ما نوع هذا الكلام بحق جلالة الرب العظيم؟ أهو مجرد واقعة فوضوية في انشائية مداليل الاشياء؟ أم تراها لهو ولعب في مجامع الخواطر الهذيانية من لدن الشاعر؟ لعل وديع شامخ يظن بأن القصيدة مجرد أسطوانية وعائية لفض ما يحلو للشاعر قوله كيفما أتفق الأمر على وجه ما، أم لعله يعتقد بأن عملية أنجاز مجموعة قصائد، يحفظ فوقها عادة حقوق الطبع، واسم الشاعر بخط عريض، وعنوان القصائد، من خلال عبارة عنوانية غير دالة على متن محتوى ومضمون القصائد: هل هذه هي القصيدة حقا التي كتبها وديع شامخ في نظر بعض الشعراء والنقاد؟ وهل هذه هي اشتراطات بنيوية ومختزلات صورية ومضامين القصيدة الناجحة؟ أنا شخصيا لا أجد ثمة معنى ما متكامل في أقوال ودوال وأفعال قصيدة هذا الشاعر وبشكل فعال وخالق، ألا بأستثناء مواقف ومواطن نسبية الحضور والإعلان:

(أضع أصبعي في عين يومي / لي صليبي /

وسلة أحصي بها جراحي وفرحي /

لي قشة في عين صاحبي /

وتل

خشب في عيوني /

أنا .. الذي أريد عبور النهر مرتين/

وصاحبي يتطهر في ألمي .. ص56)

ان الوظيفة التعينية المتعارف عليها في محاور دلالات وموجهات كل ما هو شعري، يتكون عادة من حالة من حالات المراوغة في حفريات مؤشرات مداليل النص الظاهرية الشكل والموجه نحو مرسلا أليه ثابت المطابقة والتعيين القرائي والاطلاعي . ولكن ما وجدناه في مقاطع قصيدة الشاعر هنا، ما هو بهذا ولا بذلك الشكل من تحولات الفعل المتشظية في القول المقصدي المرسل، بل أننا وجدنا أغلب حالات الكشف والرسم في مقولات تلقي الحالة المتصورة المركونة في أنطباعية الموجه الكلامي، قد جاءت على أساس توزيعية غير منصوصة على ترتيب (ميتانصي) ما، ولا على أطروحة تأويلية مقصودة في محفزات القراءة والفضاء الواصف . فمثلا ما وجه وحدود تلخيصية ومجازية مثل هذا القول جدلا:

(الحلاق يكنس نصف فروتي درأ للفتنة ..

كيف أمضي للموسيقى ودكان الحلاق يتوعدني بالقصاص ..

كيف أرنم واللحى لا عطلة لها .. ص62)

في الواقع أنا شخصيا لم أسمع في يوم من الأيام بأن الناس تذهب عادة لسماع الموسيقى والايقاع اللحني في دكاكين الحلاقين؟ كما ولم أسمع بأن هناك حالة من حالات الفتنة والحروب في فروات شعر من يأتون لغرض التزيين وأتمام مراسيم تأنقهم لدى الحلاق؟ إذا كان الأمر هكذا بالنسبة لدلالات وديع شامخ الشعرية، فالأفضل لنا من اليوم فصاعدا، ان لا يذهب أحد منا بعد اليوم لغرض حلاقة وتشذيب ملامح شعيرات رأسه في صالونات الحلاقة ؟ مع الأسف هل هذه هي حدود أفق مخيالية وديع شامخ، وهل هذه هي مستويات دلالاته التعينية في خطاب القصيدة، بل أنها بالأكيد مجرد مستويات من التضمينات اليومية الفاترة في سطح خطاطة تستهدف كل كلمة وعنوان عابر في شوارع المخيلة الباردة، وبطريقة غير مسوغة وغير دالة . ومن جهة أخرى لاحظنا بأن منتج قصائد مجموعة (مراتب الوهم) ذات تشكلات استجابية نسبية المحايثة والنمو، مع خطوط علاقات مؤشرات العضوية المضمونية في الانتاج القولي الأخير في النص، بل أننا لاحظنا بأن ليس هناك تواصل حقيقي وعضوي ما بين عتبات سياقية الفكرة وبين شروعية مقاطع انتظارات القراءة والقارىء، فعلى سبيل المثال، لنقرأ شيئا من مقاطع هذه القصيدة:

(بين عراق وعراق ..

الحياة تتلوى بين طرق الفقهاء ووجه الله ..

والله كما هو ..

جالس على عرش المرايا يتفحص السرائر بنهم ..

والفجر قاب قوسين من ملائكة يسبحون لحولهم ..

وبين عراق ومدى الصوت القادم مبحوح ..

والبكاء وفير بين عراق وحانة .. ص68)

هل يستطيع (وديع شامخ) من خلال هذه المقاطع الشعرية، إيضاح وتبرير مشروطية المنتج الدلالي من وراء كل هذه الخرابيش والهذيانات بحق بلده العراق وبحق تصويرية جلالة الرب العظيم والملائكة الصالحين الكرام، لو يدري وديع شامخ لحظة واحدة ما معنى دلالة قوله الواصف (ملائكة يسبحون لحولهم) لما أستطاع بعد اليوم القول على نفسه بأنه شاعر في يوم من الأيام أبدا أبدا، لأن الملائكة في قانون الملكوت الأعلى، لا يسبحون سوى إكراما لوجه الرب العظيم والى حوله العظيم، وليس الى أحوالهم النفسية والمادية والخلقية، وذلك أيضا لأن كينونة كائنية الملائكة، ليست ظاهرية وكسبية المحتوى والمصدر والمضمون، بل أنها دينامية نورانية في أقصى حالات الاظهارية العبادية لله وحده عز وجل . أما قول الشاعر بشأن هذه الدلالة المقطعية التالية: (جالس على عرش المرايا يتفحص السرائر بنهم) إذ أن هذا القول التوصيفي بحد ذاته، لربما تنقصه المؤولات المعرفية الميتافيزيقية والعرفانية المتكاملة، التي تبدو لدى الشاعر غير متكاملة، ولربما هي غير واضحة العرفانية المدلولية بحق دلالات الملكوت الأعلى:

عزيزي شاعرنا وديع شامخ ؟ ان الله عز وجل فوق سراديق عرشه ليس بجالس يوما ما، بل أنه سبحانه (قابض ما أبداه) وسبحانه جل ثناؤه قدوس فيما أظهره وسبحانه غني عن مراقبة سرائر الشعراء، الذين لا يحسنوا حتى تصوير الاشياء بطرائق عملية وعلمية وبراهينية وسببية ناضجة   ومقنعة .. فيا صديقي العزيز؟ أبتعد قدر الأمكان عن حدود أفق تواصيف (ملكوت الغيب والشهادة) لأن في هذا الأمر ما لا يصح وصفه والأجتهاد به مهما كانت أدوات الواصف متقدمة وحاذقة وعارفة . على أية حال نأتي في الأخير لمعاينة هذه المقطعية، التي يظهر عليها، بأن ليس لها نظير في قيم التواصيف المدارية الشعرية والمخيالية الانتاجية في الشرق والغرب؟ (بين عراق .. وعراق / الجباه تتلوى بين طرق الفقهاء ووجه الله) هذه المقطعية ككل ، تبدو غير حازمة في صوت الدليل الوصفي والعقلي، لاسيما وأن المؤول قادم من اظهارية موضوع (عراق .. عراق) وبهذا الأمر تبدو علاقة التواصل الفضائية منقطعة إزاء نواة عوالم ذوات مدلول (الفقهاء .. الله) لقد سبقت الأشارة لنا في القول المكرر، بأن مدارية نصية دلالات القصيدة في وظائف تعرفية مقولات الفضاء لدى الشاعر، لا تتصل بخصوصية ما، كأن تكون مجسدة في أحوال موضوعية ومفاهيمية ومحسوسية متواصلة من زمن مقولة الاشياء والمسميات، بل أنها من جهة ما، تبدو شبه متواترة عن دوال وأقوال وأفعال وخطابات (كسولة) وشاذة عن حدود بلوغ مقامات الذات الواصفة والموصوفة .

وفي الختام لا يسعني شخصيا سوى إيراد جملة الكشف والبرهان الاستقرائي الثابت، من ان شعرية (وديع شامخ) ومنذ صدور قصائد مجموعته السابقة (ما يقوله التاج للهدهد) لم توفر ولم تقدم سوى التهشم والتهميش في صورة تواصلية فكرة وموضوعة ودلالة القصيدة، التي وجدناها فعلا واحقاقا على حد قول وصفية الشاعر لقصائد مجموعته (مراتب الوهم) بل أنها فعلا مؤكدا على أنها مجرد خطاطة واهمة في نصوص الفراغ القائم على استنطاق جزئية ذاتية الشاعر حصرا، ومن جانب ما تشكل أحادية دلالية تشتتية في مباشرية الفضاء القرائي وانفلات المحيط الاسلوبي المهمل على أبواب الدلالة الشعرية الجادة والجديدة .

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 2986 المصادف: 2014-11-08 11:56:00