المثقف - قراءات نقدية

الحــجـــاج اللغوي فـــي القصــة القصيـــرة جــــدا .. أضمومة (عرافة المساء) لشيمة الشمري أنموذجا

jamil hamdaouiالمقدمــــــة: تعد شيمة الشمري من أهم الأصوات النسائية السعودية في مجال القصة القصيرة جدا بثلاث مجموعات هي: (ربما غدا[1]، وأقواس ونوافذ[2]، وعرافة المساء[3]) ، إلى جانب أميمة الخميس بمجموعتها (أين يذهب الضوء؟)[4]، وشريفة الشملان بمجموعتها ( وغدا يأتي)[5]، وفردوس أبو القاسم بأضمومتها (لا أحد يشبهني)[6]، وحكيمة الحربي بـمجموعتها(قلق المنافي)[7]، وحكيمة لميس منصور الحربي بـمجموعتيها(سؤال في مدار الحيرة[8]) و(نبتة في حقول الصقيع)[9] ، وهيام المفلح بـمجموعتها (كما القلق.. يتكئ الجمر)[10]، وهدى بنت فهد المعجل بـمجموعتيها (بقعة ضوء)[11] و(التابو[12])، وأميمة البدري بـمجموعتها (للشمس شروق[13])، وسهام العبودي بمجموعتيها( ظل الفراغ[14]) و( خيط ضوء يستدق)[15]، ومنيرة الإزيمع بمجموعتها( الطيور لاتلتفت خلفها)[16]، ووفاء خنكر بمجموعتها (القفص)[17]، ومريم الحسن بمجموعتيها (آخر المطاف)[18] و(خذلان)[19]...

وما يهمنا ، في هذه الدراسة، هو التوقف عند مجموعة (عرافة المساء) لشيمة الشمري ، من أجل مقاربتها في ضوء الحجاج اللساني، من خلال التركيز على أنواع الحجاج اللغوي، مع استجلاء الروابط والعوامل الحجاجية ، واستكشاف حجاجية الصورة، وسبر أغوار الحجاج الميتاسردي، ورصد مظاهر البوليفونية اللسانية أو التلفظية.

 

القســــــم النظــــــــري:

تهدف نظرية الحجاج اللغوي أو اللساني (l’argumentation dans la langue) التي وضعها كل من أنسكومبر (ANSCOMBRE J.C) وأزوالد ديكرو(O.Ducrot)[20] إلى دراسة الجوانب الحجاجية في اللغة ووصفها انطلاقا من فرضية محورية ألا وهي: " أننا نتكلم عامة بقصد التأثير".أي: تحمل اللغة، في طياتها، و بصفة ذاتية وجوهرية، وظيفة حجاجية تتجلى في بنية الأقوال ذاتها، صوتيا، وصرفيا، وتركيبيا، ودلاليا.ومن ثم، " تنتمي دراسة الحجاج إلى البحوث التي تسعى إلى اكتشاف منطق اللغة.أي: القواعد الداخلية للخطاب، والمتحكمة في تسلسل الأقوال وتتابعها بشكل متنام وتدريجي. وبعبارة أخرى، يتمثل الحجاج في إنجاز تسلسلات استنتاجية داخل الخطاب."[21]

وعليه، تندرج نظرية الحجاج اللغوي ضمن النظريات الدلالية الحديثة التي تقدم تصورات جديدة حول المعنى، وتقترح مقترحات جادة حول كثير من القضايا والظواهر اللغوية، وتتجاوز مجموعة من المشاكل المنطقية الكلاسيكية، وخاصة المشاكل المرتبطة بالدور التفسيري لمفهوم الصدق(vérité). وينضاف إلى ذلك، أن وظيفة اللغة الأساسية ليست هي الوظيفة التواصلية الإخبارية، بل هي الوظيفة الحجاجية. ويعني هذا أن الوظيفة التواصلية وظيفة ثانوية ليس إلا.

هذا، وتتعارض النظرية الحجاجية اللغوية مع مجموعة من النظريات الحجاجية الكلاسيكية، مثل التي تنتمي إلى البلاغة الكلاسيكية كما عند أرسطو، أو التي تنتمي إلى البلاغة الحديثة كما عند بيرلمان(Perlman)، وأولبريخت تيتيكا (Tytecaa)، وميشيل مايير(Michel Meyer)...، أو التي تنتمي إلى المنطق الطبيعي كما عند جان بليز غرايس...

ومن ثم، تنطلق هذه النظرية من تصورات أزوالد ديكرو[22] ، كما بينها،بشكل جلي، في نظريته الحجاجية سنة 1973م. ومن ثم، فهي نظرية لسانية تعنى بالوسائل اللغوية الحجاجية التي تتضمنها اللغات الطبيعية، مع دراسة الأهداف الحجاجية ، ورصد تأثيرها التداولي على المستمع. ويعني هذا أن الأقوال اللغوية تحمل، في جوهرها، مؤشرات لسانية ذاتية تدل على طابعها الحجاجي، دون أن يكون ذلك متعلقا بالسياق التداولي الخارجي. وإذا قلنا: المغاربة أفارقة، زيد مغربي، إذاً، زيد أفريقي، فهذا برهان أو قياس منطقي حتمي وضروري.أما إذا قلنا: انخفضت درجة البرودة، إذاً، سيمرض زيد. فهذا حجاج أو استدلال طبيعي غير برهاني، يحمل استنتاجا احتماليا.ويعني هذا أن اللغة الإنسانية لغة حجاجية ومنطقية من داخل بنيتها اللغوية الداخلية. وقد استفاد دوكرو من نظرية أفعال الكلام كما عند سورل وأوستين وغرايس. وأضاف دوكرو فعلين هما: فعل الاقتضاء، وفعل الحجاج. وينضاف إلى هذا، أن الحجاج يتميز عن البرهان أو الاستدلال المنطقي بكونه يتأسس على بنية الأقوال اللغوية وتسلسلها واشتغالها داخل الخطاب.

وإليكم هذه الأمثلة:

è" أنت مرهق، إذا، فأنت في حاجة إلى الراحة".

تتضمن هذه الجملة دلالات حجاجية، فهناك الحجة أو الدليل(أنت مرهق)، والنتيجة( أنت في حاجة إلى الراحة). و الدليل على الطبيعة الحجاجية لهذه الجملة هو وجود الرابط الحجاجي: (إذاً). وقد يكون هذا الرابط مضمرا، وتكون النتيجة أيضا مضمرة بدورها كما في هذه الجملة:

è" أنت مرهق . أنت في حاجة إلى الراحة".

وهكذا، يتبين لنا بأن الحجج اللغوية سياقية، تتحدد حجيتها بالسياق اللغوي، فقد تكون العبارة الواحدة إما حجة وإما نتيجة. ومن جهة ثانية، تكون الحجج اللغوية نسبية، مادامت هناك حجج مضادة محتملة من المستمع. وهنا، يمكن القول بأن هناك حججا قوية، وحججا ضعيفة، وحججا أوهى، وحججا أضعف...كما تكون هذه الحجج قابلة للإبطال. ويعني هذا أن الحجاج اللغوي" نسبي ومرن وتدريجي وسياقي، بخلاف البرهان المنطقي والرياضي الذي هو مطلق وحتمي".[23]

وتسمى العلاقة التي تجمع بين الحجة والنتيجة العلاقة الحجاجية، وهي تختلف جذريا عن الاستلزام أو الاستنتاج المنطقي. ويمكن الحديث أيضا عن السلم الحجاجي الذي يتكون من فئة حجاجية موجهة، ويتكون من مجموعة من الدرجات في القوة والضعف.

وللتمثيل، نقول:

1- حصل علي على دكتوراه الدولة

2- حصل علي على الإجازة.

3- حصل علي على البكالوريا.

يلاحظ أن هذه الجمل الحجاجية تنتمي إلى الفئة الحجاجية نفسها، وإلى السلم الحجاجي نفسه، وتؤشر على نتيجة مضمرة ، تتمثل في كفاءة علي، وتثبيت مكانته العلمية المتميزة. بيد أن الدليل القوي على مكانته العلمية وكفاءته المعرفية يدل عليه الدليل القوي ألا وهو الحصول على الدكتوراه. ومن ثم، ينبني السلم الحجاجي على قوانين ثلاثة: قانون النفي (ليس علي مجتهدا، إنه لم ينجح في الامتحان)، وقانون القلب( لم يحصل علي على الدكتوراه، بل لم يحصل على الماجستير)، وقانون الخفض أو الدونية مثل: (الجو ليس باردا، لم يحضر كثير من الأصدقاء إلى الحفل).

وهناك مفهوم آخر مرتبط بالسلم الحجاجي" هو مفهوم الوجهية أو الاتجاه الحجاجي(L’orientation argumentative). ويعني هذا المفهوم أنه إذا كان قول ما يمكن إنشاء فعل حجاجي، فإن القيمة الحجاجية لهذا القول يتم تحديدها بواسطة الاتجاه الحجاجي، وهذا الأخير قد يكون صريحا أو مضمرا، فإذا كان القول أو الخطاب معلما (marqué).أي: مشتملا على بعض الروابط والعوامل الحجاجية، فإن هذه الأدوات والروابط تكون متضمنة لمجموعة من الإشارات والتعليمات التي تتعلق بالطريقة التي يتم بها توجيه القول أو الخطاب.أما في حالة كون القول غير معلم، فإن التعليمات المحددة للاتجاه الحجاجي تستنتج إذاك من الألفاظ والمفردات ، بالإضافة إلى السياق التداولي والخطابي العام"[24].

علاوة على ذلك، تشتمل اللغة العربية على مجموعة من الروابط الحجاجية، مثل: لكن، وبل، وإذاً، وإذن، وحتى، وكي، ولام التعليل، ولاسيما، وإذ، ولأن، وبما أن، ومع ذلك، وربما، وتقريبا، وإنما، وما....إلا، وإنما، وبيد أن...وتستتبع هذه الروابط علاقات حجاجية قائمة على الحجج والنتائج، وقد تكون هذه الروابط صريحة أو مضمرة حسب السياق التداولي. ومن ثم، يتحدث ديكرو   (O.Ducrot) وأنسكومبر (J.C.Anscombre)عن التداوليات المندمجة (La pragmatique intégrée) التي تقرن الحجة بالنتيجة بواسطة الروابط الحجاجية. وهذا ما دفع ديكرو للتفكير في وضع مقاربة حجاجية لسانية، تهدف إلى وصف هذه الروابط اللغوية في سياقها التداولي، بعيدا عن وصفها النحوي التقليدي. كما ينبغي التمييز - حسب دوكرو- بين الروابط الحجاجية (les connecteurs) والعوامل الحجاجية(les opérateurs)، فالروابط الحجاجية هي التي تربط بين قولين أو بين حجتين على الأصح أو أكثر، وتسند لكل قول دورا حجاجيا محددا حسب السياق التداولي. ومن بين هذه الروابط: بل، لكن، حتى، ولاسيما، إذن، بما أن، إذ...إلخ. أما العوامل الحجاجية، فهي لا تربط بين حجة وأخرى، بل تقوم بدور حصر الإمكانات الحجاجية وتقييدها داخل ملفوظ حجاجي معين. ومن أدواته " ربما، وتقريبا، وكاد، وقليلا، وكثيرا، وما...إلا، وجل أدوات الحصر والقصر[25].

وعلى العموم، فثمة أنماط عدة من الحجج، مثل: الروابط المدرجة للحجج (حتى، وبل، ولكن، ومع ذلك، ولأن...)، والروابط المدرجة للنتائج، مثل: ( إذن، إذاً، وبالتالي...)، والروابط التي تدرج حججا قوية ( حتى، بل، لكن، لاسيما..)، والروابط التي تدرج حججا ضعيفة، وروابط التعارض الحجاجي، مثل: (بل، ولكن، ومع ذلك...)، وروابط التساوق الحجاجي، مثل، (حتى، ولاسيما..).

أما المبادئ الحجاجية، فهي بمثابة ضمان للروابط الحجاجية، وتقابل ما يسمى بمسلمات الاستنتاج المنطقي في المنطق الصوري والرياضي، ولها خصائص ومميزات وقواعد ومبادئ عدة، منها: أنها مجموعة من المعتقدات والأفكار المشتركة بين الأفراد داخل مجموعة بشرية معينة. كما تتصف بالعمومية.أي: تصلح لعدد كبير من السياقات المختلفة والمتنوعة، وتتميز بالتدرج من خلال الانتقال من الحجة إلى النتيجة، والعكس صحيح أيضا، ومبدأ النسبية.أي : قابلية الحجة المعروضة للتفنيد والنفي والإبطال بحجة مضادة قوية ، أو تكون الحجة الواردة في الملفوظ قابلة لنفيها، كأن نقول: اجتهد، إذن تنجح، وربما قد تؤدي الحجة إلى نقيضها ألا وهو الفشل. وللتمثيل: (سينجح زيد لأنه مجتهد)، وتترجم المبدأ الحجاجي لهذه الجملة بالشكل التالي: كلما كان زيد مجتهدا، كان يستحق النجاح، أو يؤدي الاجتهاد إلى النجاح، أو تكون فرص نجاح زيد بقدر عمله واجتهاده.وفي هذا الصدد، يقول أبو بكر العزاوي:" المبادئ الحجاجية هي مجموعة من المسلمات والأفكار والمعتقدات المشتركة بين أفراد مجموعة لغوية وبشرية معينة، والكل يسلم بصدقها وصحتها، فالكل يعتقد أن العمل يؤدي إلى النجاح، وأن التعب يستدعي الراحة، وأن الصدق والكرم والشجاعة من القيم النبيلة والمحببة لدى الجميع التي تجعل المتصف بها في أعلى المراتب الاجتماعية، والكل يقبل أيضا أن انخفاض ميزان الحرارة يجعل سقوط المطر محتملا، وبعض هذه المبادئ يرتبط بمجال القيم والأخلاق، وبعضها الآخر يرتبط بالطبيعة ومعرفة العالم.

وإذا كانت المبادئ الحجاجية ترتبط بالإيديولوجيات الجماعية، فإنه من الممكن أن ينطلق استدلالان من المقدمات نفسها، ويعتمدا الروابط والعوامل نفسها، ومع ذلك يصلان إلى نتائج مختلفة، بل متضادة. ولم يفسر هذا إلا باعتماد مبادئ حجاجية تنتمي إلى إيديولوجيات متعارضة، لكن إلى جانب هذه المبادئ المحلية(Topoi locaux) المرتبطة بإيدولوجيات الأفراد داخل المجموعة البشرية الواحدة، هناك مبادئ أخرى أعم، وهي مشتركة بين جميع المجموعة اللغوية، ومؤشر لها داخل اللغة."[26]

ومن المعلوم أن هناك أنواعا عدة من المعاني، سواء أكان المعنى ظاهرا أم باطنا. ومن أنواع المعنى الظاهري: المعنى الحرفي، والمعنى القضوي، والمعنى البنيوي، والمعنى المعجمي، والمعنى الإخباري الإعلامي....

ومن أنواع المعنى الباطني: الاقتصاء، والاستلزام الدلالي، والتضمين، والاستلزام الحواري، والقيمة الحجاجية أو المعنى الحجاجي.

وإذا كان العديد من اللغويين والفلاسفة والمناطقة منذ أفلاطون إلى اللسانيات الحديثة يرون أن وظيفة اللغة إخبارية وصفية تصف العالم وتمثله. بمعنى أن اللغة لها وظيفة وصفية تمثيلية، فإن النظرية الحجاجية اللسانية ترى بأن اللغة وظيفتها الأساسية حجاجية ليس إلا. أما باقي الوظائف الأخرى كالوظيفة التواصلية، فهي ثانوية. ومن ثم، تربط النظرية الحجاجية القول بالوظيفة أو المقصدية أو المقام السياقي التداولي. ومن ثم، لا يعتمد تسلسل الأقوال والجمل في الخطاب المعنى الإخباري أو المحتوى الإعلامي، وإنما يعتمد بالأساس على المعنى الحجاجي أو القيمة الحجاجية للقول. ومن هنا، فما يهم النظرية الحجاجية هو دراسة كيفية اشتغال الأقوال داخل خطاب ما.أي: رصد تسلسلها وتواليها داخل الخطاب بصورة استنتاجية .أي: دراسة منطق الخطاب تواليا وتدرجا. ويعني هذا ربط القول دائما بمقصديته التداولية والسياقية والمقامية. فجملة: (السماء صافية) ليس فيها إخبار تواصلي، بل هناك وظيفة تداولية تتمثل في: لنخرج في نزهة، هناك معنى حجاجي.

وتحوي اللغة العربية مجموعة من الروابط الدالة على الحجاج والإبطال، مثل: بل ولكن، وحتى... ومن جهة أخرى، تعد الاستعارة أقوى الأقوال حجاجية من الأقوال العادية، كما يرى ميشيل لوغيرن في مقاله (الاستعارة والحجاج)، ومن ثم، فالاستعارة " من الوسائل اللغوية التي يستعملها المتكلم للوصول إلى أهدافه الحجاجية، بل إنها من الوسائل التي يعتمدها بشكل كبير جدا، مادمنا نسلم بفرضية الطابع المجازي للغة الطبيعية، ومادمنا نعتبر الاستعارة إحدى الخصائص الجوهرية للسان البشري."[27]

وإذا كانت الأقوال العادية تقبل الإبطال أو التعارض الحجاجي ، مثل: (الجو جميل لكنني متعب/ لن أقوم بنزهة)، فإن الأقوال الاستعارية لا تقبل هذا التعارض الحجاجي، ويأبى " أن يجيء بعده رابط من روابط التعارض الحجاجي مثل: لكن وبل .أي: إنه لايقبل أن يرد في سياق الإبطال أو التعارض الحجاجي.

وهذا ما يفسره لحن الجمل الآتية:

- زيد أسد لكنه مشهور.

- خالد بحر لكنه مسرف."[28]

وتتميز الاستعارة الحجاجية برغبة المتكلم في إيصال فكرة ما إلى المستمع تأثيرا أو إقناعا. أما الاستعارة البديعية أو الجمالية، فلا يقصد بها الحجاج أو الإقناع ، بل هي وسيلة لغوية جمالية تراد لذاتها ليس إلا. وترد الاستعارة الحجاجية في الكتابات السياسية والصحفية والعلمية والأدبية، وهي مرتبطة بمقاصد المتكلمين وسياقاتهم التخاطية والتواصلية.

وعليه، فلقد اهتم دوكرو، منذ 2004 م ، باللسانيات الحجاجية باعتبارها اتساقا بين الجمل والملفوظات. وقد أشار إلى مجموعة من أنواع الحجاج كحجاج الوصل، وحجاج الفصل، وحجاج التناقض، وحجاج الشرط، وحجاج التقييد، وحجاج التضمن، وحجاج التعارض، وحجاج الاستنتاج، وحجاج السبب، وحجاج الهدف... ويعني هذا أن الجملة حجاجية بطبيعتها وفطريتها تحمل، في طياتها، آثارا حجاجية واستدلالية.

وتعتمد منهجية دوكرو على وصف الشواهد اللغوية أو النصية في ضوء رؤية لغوية حجاجية تركيبا ودلالة وتداولا ، من خلال التركيز على مجموعة من المفاهيم الإجرائية ، مثل: الروابط الحجاجية، والعوامل الحجاجية، والمبادئ والعلاقات الحجاجية، والسلم الحجاجي، و الأدلة الممكنة والمحتملة، والإبطال، والدليل الأقوى، والسياق، والمقصدية، ومراتب السلم الحجاجية، والنتائج، والقوة الحجاجية، والاستعارة الحجاجية التي تشير إلى أن الأقوال الاستعارية أعلى حجاجية من الأقوال العادية.

 

القســـــم التطبيقــــي:

تهدف دراستنا التطبيقية إلى استخلاص مجمل الروابط والعوامل والآليات الحجاجية التي استخدمتها شيمة الشمري في مجموعتها القصصية القصيرة جدا(عرافة المساء) ، مع إبراز أنواع الدلالات والوظائف الحجاجية ، وتبيان أنواع الروابط اللسانية ذات البعد الحجاجي، وتحديد البعد البوليفوني في هذه المجموعة القصصية.

 

آليــــات الحجــــاج اللغــــوي:

يمكن الحديث عن مجموعة من آليات الحجاج اللغوي التي تسهم في تحقيق الوظيفة الحجاجية للنص.بمعنى أن النص الأدبي لايهدف إلى تمثيل العالم أو نقل متخيله المرجعي والإحالي فقط،بل يحمل هذا النص تبادلات لغوية وتلفظية ذات طبيعة حجاجية.أي: إن ثمة ملفوظات لغوية ولسانية يمكن توجيهها توجيها حجاجيا. ومن هنا، يتم الحديث عن حجاج الوصل، وحجاج الفصل، وحجاج التناقض، وحجاج الشرط، وحجاج التقييد، وحجاج التضمن، وحجاج التعارض، وحجاج الاستنتاج، وحجاج السبب، وحجاج الهدف...... ومن ثم، يمكن توضيح هذه الآليات الحجاجية على الوجه التالي:

 

žحجـــاج التــــــدرج:

يقوم حجاج التدرج (Graduation) على رصد الزيادة أو النقصان في الحدث أو الواقعة اللسانية.ويعني هذا الخضوع التام لسلم الحجاج الذي قد يكون بالتعالي والزيادة من جهة، أو بالنقصان والانخفاض من جهة أخرى. ومن ثم، تعبر قصيصة (المصير) لشيمة الشمري عن هذا النوع من الحجاج القائم على التدرج، لكنه تدرج بالزيادة والتعالي.إذ تبدأ القصيصة بصراخ الفتاة اليافعة في صالة المطار، ليبلغ هذا الصراخ مداه الواسع بإثارة التوتر والقلق وشد انتباه الآخرين.ومن ثم، يندرج هذا الصراخ - قضويا- ضمن حجاج النتيجة. لذا، يستلزم هذا الحجاج معرفة السبب. بيد أن السياق الحجاجي الداخلي للنص لا يوضح أي شيء بشكل جلي، إنما يشير فقط إلى الحالة الهستيرية التي كانت عليها الفتاة اليافعة، والأم التي تحاول إخراجها من المطار، والأب الذي يحضر مسرعا ليحملها بعيدا. وتبقى الدلالة الحجاجية مفتوحة أمام المتلقي ليمارس التأويل الحجاجي والمنطقي. كأن يقول - مثلا- بأن الفتاة اليافعة مريضة بعلة ما، لكن هناك عامل حجاجي تقييدي (يبدو) يبين لنا بأنها ليست مريضة (فتاة يافعة بدت كمن لا يشتكي من علة !). ومن ناحية أخرى، يمكن أن يتخيل المتلقي بأن سبب صراخها يكمن في إلحاح الفتاة على رفض السفر مع والديها.

أضف إلى ذلك، أن هذا الصراخ الغريب قد أثر في الحاضرين؛ وخاصة في الساردة التي مازالت تتذكره كل مساء؛ مما كان يعمق مأساتها اليومية، ويثير أحزانها الشجية. كما يتضح ذلك جليا في هذه القصيصة:

" في المطار ، في صالة الانتظار .. في الركن الأيمن هناك ..

تعالى صراخها .. فتاة يافعة بدت كمن لا يشتكي من علة !

لا تتحدث .. تصرخ فقط ..!

أمها تحاول أخذها إلى خارج المكان ، من هنا تعالى صراخها ..

استمرت على هذه الحال وسط ذهول من حولها ..

تصرخ وتضرب الأرض بيدها ..

استماتت والدتها محاولة إخراجها .. رحلتهم حان موعدها ...

لم تجد تلك المحاولات ...

حضر والدها حملها ... ساروا بعيدا ...

ومازال صراخها حاضرا ..

ومازال صوتها يزورني كل مساء ![29]"

وهكذا، يحضر حجاج النتيجة (تدرج الصراخ)، ويغيب حجاج السبب، ولايمكن التيقن منه أو التثبت منه بشكل دقيق؛ لأن ليس هناك معطيات واضحة، وظاهرة للعيان ، سواء أكان ذلك على مستوى السياق الحجاجي الداخلي أم على مستوى السياق الحجاجي الخارجي. ومن ثم، سيبقى متلقي هذه القصيصة أمام رهان الاحتمال و التخييل والافتراض .

ويحضر حجاج التدرج أيضا في قصيصة (فضفضة)، والدليل على ذلك (الارتفاع السريع)، و(الهبوط الأسرع) ، وتحول الهدوء إلى بكاء وصراخ:

"السيدة الأنيقة .. الهادئة ..

تخرج - كعادتها - كل خميس مع أطفالها إلى مدينة الملاهي ..

تشاهدهم وهم يلعبون ويصرخون ويستمتعون ..

هذه الليلة - على غير عادتها - جلست في اللعبة المزعجة التي يعشقها أطفالها ، حيث الدوران والحركات المفاجأة .. الارتفاع السريع والهبوط الأسرع ..

هذه الليلة - على غير عادتها الهادئة - ما إن بدأت اللعبة حتى بدأت الصراخ .. حيث لا أحد يسمعها ... استمرت بالبكاء والصراخ ...

وبعد أن انتهت اللعبة ...كفكفت دموعها ثم نزلت ، واستعادت هدوءها المعتاد.[30]"

وهكذا، يعبر هذا الحجاج التدرجي عن مدى شدة المأساة التي تعانيها السيدة الأنيقة الهادئة؛ قد يكون ذلك من جراء وحدتها، أو فقدانها لزوجها.

 

ž حجـــاج التعـــليل:

يقوم الحجاج على التعليل عندما يرتبط الاستدلال بالعلة التي تعقبها النتيجة، كما يتضح ذلك جليا في قصيصة (وفاء):

" تمنت الليل لتحضنه طويلا ...

حلَّ الليل ولم يحضر !

منذ سنوات وحتى الآن لم تطلع شمسها ..![31]"

يتضمن هذا الملفوظ السردي حجاج التعليل القائم على الرابط الحجاجي الذي يتمثل في لام التعليل (لتحضنه). ومن ثم، ترتكز القصيصة على حجاج الإثبات (حلول الليل) الذي يعقبه حجاج النفي مباشرة ( عدم حضور المحبوب المنتظر). وكذلك، يشتمل هذا المقطع السردي على حجاج الاستغراق (منذ سنوات وحتى الآن لم يطلع شمسها).

 

ž حجــاج التضمــن:

من المعروف أن الأقوال العادية لاتكتفي بالمنطوق الصريح فقط، بل تحمل، في طياتها، دلالات ضمنية أو متضمنة ، تفهم بطريقة التأويل والاستدلال والاستنباط. كما يظهر ذلك واضحا في قصيصة ( ويل لهم)، فقد تضمنت حجاج السبب وحجاج النتيجة معا. ويتمثل حجاج السبب في رغبة الساردة في التحرر الإنساني، والإقبال على الحياة. في حين، يكمن حجاج النتيجة في مصادرة حرية كل من يتمرد عن القوانين والتقاليد والعادات والأعراف الموروثة، أو ينشق عن قوانين السلطة ومؤسساتها الرسمية. لذا، تعرضت الشخصية / الساردة لأنواع من التعذيب المازوشي من أجل خنق أنفاسها، وإسكات الألسنة الصارخة . ومن ثم، تتضمن القصيصة دلالة ضمنية أو مضمنة داخل الملفوظ السردي ، تتجاوز الدلالة الحرفية أو التقريرية المباشرة، وتتمثل في ضرورة الثورة على أعداء الحياة من أجل الحصول على الحرية. ويسمى هذا التحصيل بحجاج الهدف.

ويلاحظ أيضا أن الاستعارة المكنية في هذه القصيصة (كانت السماء كريمة- كانت الأرض رحيمة) ليست استعارة جمالية أو بديعية فحسب، بل هي استعارة حجاجية قوية، أو لها قوة حجاجية وإقناعية وتأثيرية لافتة للانتباه؛ إذ تعبر عن مآزرة الطبيعة (السماء والأرض) للإنسان في محنه، وفي أثناء تحرره وانعتاقه من إسار الذل والعار والهوان. بمعنى أن الطبيعة تبارك الفعل الإنساني الذي يستهدف إثبات الذات، والاستمتاع بالحياة والحرية والنضال من أجلهما:

 

" قتلوني .. قطعوني .. مزقوني ..

هؤلاء المساكين دفنوا أشلائي كل جزء في مدينة .. غمروني بالتراب مفرقا ..

حتى أكون عبرة لعيون خائفة وقلوب ترفض الحياة !!

نسوا أمري ..

كانت السماء كريمة ..

كانت الأرض رحيمة ..

امتزجت بأصلي وكل جزء مني اكتمل ...!

وعدت في كل مدينة ، وخرجت من كل مدينة ؛ لأصبَّ عليهم لعنة الحرية !!"[32]

هكذا، يتبين لنا بأن هذه القصيصة مليئة بآليات الحجاج اللغوي، كحجاج التضمن، وحجاج السبب، وحجاج النتيجة، وحجاج الهدف، وحجاج الاستعارة .

 

ž حجـــاج الإثبـــات:

ثمة مجموعة من الروابط اللسانية التي تفيد الإثبات، مثل: رابط (أن وإن). وتعمل هذه الروابط على تأكيد الوقائع والأحداث اللسانية والسياقية، وتثبيتها ضمن سياقها الحجاجي الداخلي أو الخارجي. ومن ثم، تنقل الساردة عالمين سيميائيين متناقضين: عالم سيميائي ممكن ، هو عالم الأحلام الخيالية، وعالم سيميائي مرجعي حقيقي يتمثل في الواقع. ومن ثم، تنتقل الساردة من عالم الافتراض والإمكان إلى عالم الحقيقة وماصدق.

ومن هنا، يفصل حجاج الإثبات بين حجاج الإمكان والافتراض وحجاج ماصدق. بمعنى أن الحلم قد يتحول إلى واقع أو هو انعكاس لضغوطات الواقع:

"في ليلة تعج بالأحلام .. حلمت ...

حلمت أني أُحيك العباءات وأبيعها ...وغرفة نومي كانت محل لبيع العباءات

الفاخرة .. بعت كثيراً منها ... بعت لسيدة ما عباءة مطرزة ...

صحوت من غفوتي ... ضحكت كثيراً من حلمي الغريب ...

بعد ثلاثة أيام وتحت العمارة التي أقطنها كانت هناك سيدة تسأل عن محل العباءات أين وكيف انتقل ؟ وبيدها عباءة مطرزة تشبه عباءة حلمي !!!"[33]

يتبين لنا بأن الحلم القضوي هو نتاج لسياق حجاجي خارجي قائم على علاقة التطابق أوعلاقة الانعكاس أو علاقة الحدس. ومن ثم، يتدخل حجاج الإثبات ليؤكد هذا المسار الحجاجي الذي ينطلق من حالة الافتراض إلى حالة التيقن.

وكذلك، يحضر حجاج الإثبات في قصة (اعتراف)، عندما تثبت المرأة الذاهلة عشقها السابق، وتعترف به بكل صدق وصراحة ويقين:

"قالت المرأة التي اعتنقت الذهول فيما بعد : كنت يوماً ما عاشقة ..!"[34]

إذاً، تتضمن هذه القولة التصريحية حجاج الإثبات الذي يعبر عن فعل إنجازي تصريحي وتقريري.

 

ž حجـــاج السبب:

تزخر مجموعة من قصيصات شيمة الشمري بحجاج السبب الذي يؤدي إلى نتائج وردود فعل مختلفة يقوم بها الشاهد أوالفاعل المضاد. ويهيمن هذا الحجاج كثيرا على النصوص السردية القائمة على الترابط السببي والترتيب المنطقي. ومن باب العلم، فإن الرواية أو القصة أو القصة القصيرة جدا تترابط أحداثها إما بطريقة سببية وإما بطريقة كرونولوجية زمنية. ومن هنا، فإن هذه القصيصة تسرد لنا مجموعة من الأسباب /الحجج التي أودت بالعشيقين إلى الموت، مثل: انكشاف أمر الحبيبين، واستنكار لقائهما السري، ثم كثرة النظرات ودقات النبضات الدالة على فعل الحب، ثم التربص بهما متلبسين بالواقعة، ثم الاعتراف بالحب، ثم إقامة الحد عليهما:

"عرفوا بأمرهما ..!

استنكروا اللقاء ..

نددوا بالنظرات والنبضات ..

أمسكوا بهما ..

قال : أحبها ؛ فقطعوا لسانه !

هرعت إليه .. صوبوا إلى قلبها السهام ...!

قتلوهما على مرأى ومسمع من هذا الكون الصامت ...

وضعوا جثة كل منهما على جبل أبعد ما يكون عن الآخر .. نكاية بهما ..

نكاية بالحب ...!

مازلنا نسمع أنينا وغناء حزينا كل ليلة ...! [35]"

إذاً، تحبل هذه القصيصة بمجموعة من الأدلة والحجج السببية ، مع خلوها من الروابط الحجاجية ماعدا رابط( الفاء) الذي يحيل على النتيجة.ويعني هذا أن حجاج القصيصة حجاج قضوي يضم المحمولات والموضوعات، ضمن نسق استدلالي قائم على حجاجي السبب والنتيجة.ومن الطبيعي أن يترابط حجاج السبب بحجاج النتيجة.

ويتبين لنا من هذا كله أن شيمة الشمري تكتب بطريقة جمالية، ولكنها تنسى أنها تكتب الوقائع الحدثية بطريقة فكرية وحجاجية.

وكذلك، يحضر حجاج السبب بكثرة في قصيصة (لي لي):

"في المقهى تذكرتُ ( لي لي ) تلك الفلبينية الجميلة التي كانت تشع بالحياة

وهي تعد ( الكابتشينو ) لزبوناتها ...

آخر مرة رأيتها كادت تطير من الفرح لأنها ستسافر إلى بلدها وحبيبها

في إجازتها المعتادة ...

( لي لي ) لم تعد ؛ فحبيبها كان ينتظرها ليفرغ حمولة مسدسه العاشق في صدرها ..!

قتلها لأنه لا يستطيع انتظارها مجددا !!

مسكينة هي .. ومسكين هو .. ومسكينة أنا ..

كلنا فقدنا ( لي لي ) الجميلة ...

وهذه الدنيا نصف الجميلة فقدت ابتسامة كانت تشع بالحياة ..."[36]

تتضمن هذه الحبكة السردية ملفوظات حجاجية قائمة على السبب؛ لوجود بعض الروابط السببية، مثل: لأن، والفاء ، ولام التعليل، والسبب المعنوي الذي يتجلى في جملة (وهذه الدنيا نصف الجميلة فقدت ابتسامة كانت تشع بالحياة)، فالحياة قد أصبحت نصف جميلة (النتيجة)؛ بسبب فقدانها لتلك الابتسامات التي توزعها (لي لي) على الزبونات اللواتي كن يحضرن في المقهى من أجل ارتشاف الكابتشينو(السبب).

 

žحجــــاج النتيجــــة:

لا يفهم الحجاج اللغوي - دائما- بواسطة الروابط والعوامل الحجاجية المباشرة، بل يمكن استكشافه عبر تحليل الملفوظات اللسانية وتأويلها، ضمن سياقها التلفظي الداخلي أو عبر سياقها الخارجي. ومن هنا، تتضمن قصيصة (انقلاب) حجاج النتيجة؛ لأن سياق الحدث ومقامه التناصي يحيل على ثورة شهرزاد المعلنة ضد الجميع، ولاسيما الذين مارسوا القمع والقهر والقتل ضد الأنثى المغلوبة، مثل: شهريار، والجلاد، والسياف...ومن ثم، فثورة شهرزاد نتيجة استدلالية لفعل الظلم والقهر والاعتداء الذي مورس ضد الأنوثة من قبل الذكورة المستبدة:

" شهرزاد لم تصمت – هذه المرة – عند صياح الديك ،

بل استمرت في الكلام المباح ... واللا مباح ...

امتد لسانها واستطال حتى التف حول عنق الديك !!

و امتد حتى جلدَ السياف ...

شهريار نام متلحفًا رعبه ...

شهرزاد استمرت في الكلام والكلام ... والكلام ...[37]"

إذاً، تحمل هذه القصيصة رسالة توجيهية وتحذيرية للمتلقي، قوامها السخط على الظلم، والتنديد بالرجولة الظالمة، وإدانة الغطرسة الذكورية .ومن هنا، يصبح الكلام المباح وغير المباح سلاحا خطيرا تستخدمه المرأة للانتقام والتخلص من جبروت المستبدين الذكور.

 

žحجــــاج التقييـــد:

يستند حجاج التقييد إلى الحصر والاستثناء والقصر عبر عامل الحجاج(لم...إلا)، كما يظهر ذلك جليا في قصيصة (عزم). ومن ثم، فقد انشغلت شخصيات السجن برسم الحرية الحمراء، وهي تشرئب إلى السماء:

"عندما زجُّوا بي في القفص مع رفقاء التحليق ...

لم أشغل نفسي إلا برسم جناحين بلون الحرية .. وبوابة باتجاه السماء ..!"[38]

إذاً، يحيل عامل الحصر والتقييد على المساحة الضيقة التي تنفتح عن أحلام مجهضة راغبة في التحرر والانعتاق والتخلص من إسار المكان.

 

žحجـــاج الاستنتــاج:

هناك فرق بسيط بين حجاج النتيجة وحجاج الاستنتاج، فالحجاج الأول معنوي ومضمر يفهم من خلال السياق اللغوي، يمكن تبينه من خلال معرفة السبب؛ لأن السبب مرتبط بالنتيجة.أما الاستنتاج، فهو مقترن بالرابط الحجاجي: لذا، إذاً، إذن،...

ومن هنا، فقصيصة (ظلماء) تتضمن رابطا حجاجيا دالا على الاستنتاج هو رابط (لذا). ويفصل هذا الرابط بين قضيتين منطقيتين: قضية الظلم، والنتيجة التي تتمثل في الغدر والانتقام والنكاية بالآخر:

" تلك المدعوة ( ظلمى ) تعرضت للخيانة مراراً .. لذا هي لا تشبع من أكل لحوم البشر .. ! تقتات عليهم وتزداد قوة وغدراً ، ورغبة الانتقام مازالت تتأجج ![39]"

إذاً، تتحول كثير من القصيصات إلى ملفوظات حجاجية، تترابط فيها الأسباب مع النتائج بغية تطوير الحبكة السردية قصة وخطابا، وتأزيمها دراميا.

 

ž حجــــاج الافتـــراض:

يقوم حجاج الافتراض على اقتراح واقعة مرتبطة بواقعة أخرى، أو افتراض فعل مشروط بجزاء. ويحضر حجاج الافتراض في قصيصة (تردد):

" لو كنت أعلم أن حبك سيعلق قلبي بين نجمتين لتعلمت كيف أصنع أرجوحة ..![40]"

 

تستند هذه القصيصة العاطفية إلى فعل الافتراض (الانسياق وراء الحب) المبدوء برابط (لو)، وفعل الجواب الذي يتمثل في الاستجابة لهذا الحب، بصنع الأرجوحة الرومانسية التي تجعل المعشوقة دائما معلقة بهذا الحب المثالي. ويعني هذا أن حجاج الافتراض قائم على الشرطية والتمني والاحتمال ضمن عوالم سيميائية وخيالية ممكنة.

 

ž حجــــاج النفـــــي:

 

يكون حجاج النفي بمجموعة من الروابط، مثل: لا النافية، وليس، ولم...

ويتقابل حجاج النفي مع حجاج الإثبات على مستوى القضية المنطقية. وإليكم قصيصة تتأرجح بين حجاج الإثبات وحجاج النفي. إذ تتحدث القصيصة عن معجب رومانسي كثير الإلحاح والاتصال بمن يحبه، مدة ثلاث سنوات بدون جدوى، ولم يجد من الآخر سوى حجاج النفي والمنع والصمت والسب والشتم:

"يتصل ويرسل باستمرار ، لا أعرفه !

يتقبل عدم الرد، وجفوة الكلام، وحتى الشتائم ! ثلاث سنوات لا يملُّ ولا يكلُّ ..

حتى أصبح هذا الكابوس جزءاً من حياتي .."[41]

ويحضر هذا الحجاج مرة أخرى في قصيصة (بين بين):

" أوسعني الحنين لهيباً ...لم أكن أنوي العودة .. ولم أكن أهوى الانفلات .. بت أرجوحة بين هذياني و صمتي ...!"[42]

تبدأ هذه القصيصة بحجاج الإثبات الذي يعبر عن حنين الساردة وشوقها العارم.وبعد هذا الحجاج، يحضر حجاج النفي برفض الهروب والعودة معا؛ مما جعل الساردة تتأرجح بين حالتين سرياليتين: الصمت والهذيان.

 

ž حجـــاج الاستدراك:

يكون حجاج الاستدراك برابط (لكن) الذي يفصل بين النفي والإثبات المقرر ، كما يبدو ذلك واضحا في قصيصة (معاناة):

"تلك الآثار على يدي تشير إلى أنني لستُ أحلم ! ..

هم لا يصدقونني ! ولا يرون قطتي الصغيرة المشاكسة .. لكنها تأتي لزيارتي كل أربعاء في الموعد ذاته الذي دُهست فيه أمام منزلي ...![43]"

تتضمن هذه القصيصة مجموعة من الملفوظات السردية التي تشير إلى حقيقة حلم الساردة الذي يستحضر القطة المشاكسة التي تزورها في الموعد الذي دهست فيه. ويعني هذا أن الساردة لا تستطيع نسيان قطتها، ولا فراقها على مستوى المتخيل. لذلك، تدلي الساردة بمجموعة من الأدلة والحجج التي تثبت صدق المعطى، قصد إزالة النفي والإنكار لدى المتقبل الواقعي الذي لا يؤمن بماهو خيالي وحلمي وافتراضي.

وكذلك، يتجلى حجاج الاستدراك في قصيصة (حرص):

" تفاحتي التي أعطتني إياها أُمّنا حواء، وهي تحذرني، وضعتها في صندوق أمين، لكنني لم أستطع إنقاذها من الدود الذي لم يبقِ منها إلا البذور ..!"[44]

تحمل هذه القصيصة أبعادا تناصية (حواء)، كما تحوي حجاج التخصيص (التفاحة) ، وحجاج الإثبات ( المحافظة على التفاحة باعتبارها أساس العلاقة الإنسانية الأولى)، وحجاج الاستدراك الذي يشير إلى ضياع تلك التفاحة، وتلك السعادة الفضلى؛ بسبب طغيان العدوان والشر واضمحلال الكينونة البشرية.

 

ž حجــــاج المفارقـــة:

يقوم حجاج المفارقة على تناقض القضايا المنطقية إيجابا وسلبا، وتعارض المقول مع الفعل على مستوى الإنجاز والأداء والممارسة، كما يبدو ذلك جليا في قصيصة (النظام):

"يتوهمون إسقاطه .. وفي كل مرة يعود , في ثوب جديد , وشكل جديد ..

وسط تصفيقهم وتكبيرهم ..!"[45]

إذاً، يكمن حجاج المفارقة في التناقض الصارخ بين فعلين متضادين: فعل إسقاط الرموز السياسية المستبدة الفاسدة من قبل الشعوب الثورية المتطلعة إلى الحرية والأمن والعدالة الاجتماعية، وعودة هذه الرموز، مرة أخرى، بأشكال وهيئات أخرى، بمباركة هذه الشعوب نفسها.

 

žحجـــاج الهـــدف:

نعني بحجاج الهدف أو حجاج الغاية ارتباط القضية بهدف ما أو غاية معينة، اعتمادا على مجموعة من الروابط الحجاجية التي تدل على ذلك، مثل:( حتى، إلى أن...).ويعني هذا أن الواقعة التي يقوم بها الفاعل المنطقي مقيدة بهدف أو غاية معينة، كما في قصيصة (عابر):

" تبحث عن ألواح شوكلاتة حين رأته .. ورآها ..

للحظة توقف الزمن ..

كان يحمل حقيبة صغيرة ، ثم عرج على محل هدايا وأخذ هدية ، ووضعها في علبة وردية وغلفها ...

هي كانت ترقبه ..

هو كان يلتفت كل لحظة ليرمقها بنظرة ..

تبعها حتى جلست في مقهى قريب .. جلس قبالتها ..

أخرجت كتاباً مدعية القراءة ....

لحظات و رفعت رأسها إلى مكانه .. لم يكن هناك .. !

تلفتت .. بحثت عنه ...

كان قد اختفى ...

أيقنت أن الهدية والنظرة لم تكن لها ..."[46]

يتضح لنا، من هذه القصيصة، أن ثمة نظرات متبادلة بين شخصيتين واهمتين، إذ تعتقد الأنثى العاشقة أنه يحدق فيها، وهو عازم على التقرب منها تمهيدا للتواصل معها ، مع عقد لقاء رومانسي يجمع بين القلبين معا.لذا، اختارت العاشقة المقهى هدفا لها تسهيلا للقاء المرتقب. بيد أن العاشق الآخر كان ينتظر عشيقته الأخرى. في حين، كانت المعشوقة تنتظر الراغب فيها، مع تبادل النظرات الخاطفة في اتجاهات محددة. وعندما أرادت أن تتأكد من صدق نظراته الخاطفة، وجدته قد ترك المقهى، وانصرف يبحث عن معشوقته، بينما هي أسرعت لتبحث عن طيف عابر.

ويلاحظ أن فضاء المقهى هو وسيلة وهدف في آن معا، من أجل تثبيت الحب الذي يجمع بين طرفين واهمين. لكن النتيجة كانت عكس ما كانت تعتقد هذه العاشقة الولهى. فليس الهدف دائما يتحقق بوجود سبب افتراضي ما.

 

žحجـــاج الاعتــــراض:

يقوم حجاج الاعتراض على إيراد قضيتين متعارضتين أو متضادتين أو متناقضتين، كما يبدو ذلك جليا في قصيصة (توحد):

"رغم إزعاج الألعاب وزحمة المتسوقين أجلس وحيدة ، والحقيقة لا أدري كيف أشعر بالهدوء والسكينة وسط كل هذا الضجيج .. !؟"[47]

تتضمن القصيصة حجاج التعارض القائم على الرابط المنطقي ( رغم) الذي يفصل بين محمولين متناقضين، محمول الوحدة، ومحمول الضجيج. بيد أن هذين المحمولين خاضعان لعلاقة التناسب والانسجام والانصهار في بوتقة نفسية واحدة.

 

الحجـــاج الميتاســـردي:

وظفت شيمة الشمري الحجاج الميتاسردي من أجل فضح اللعبة السردية، واستجلاء تفاصيل حكاياتها وعواملها وأفضيتها السردية، مع الثورة الصاخبة على شخصياتها التي تمردت عن ساردتها باسم الحرية والاستقلالية ، والرغبة في رسم مصائرها عن طواعية وإرادة حرة، دون أن يتحكم أحد في خيوط اللعبة كما يشاء، وبدون توجيه الكائنات السردية التي تعج بها الحكاية قسرا وإجبارا واضطرارا.

وعليه، يقصد بالميتاسرد أو الميتاقص(Métarécit) ذلك الخطاب المتعالي الذي يصف العملية الإبداعية نظرية ونقدا. كما يعنى هذا الخطاب الوصفي برصد عوالم الكتابة الحقيقية والافتراضية والتخييلية، واستعراض طرائق الكتابة وتشكيل عوالم متخيل السرد، وتأكيد صعوبات الحرفة السردية، ورصد انشغالات المؤلفين السراد ، وتبيان هواجسهم الشعورية واللاشعورية ، ولاسيما المتعلقة بالأدب وماهيته ووظيفته ، واستعراض المشاكل التي يواجهها المبدعون وكتاب السرديات بشكل عام. بمعنى أن الخطاب الميتاسردي يحقق وظيفة ميتالغوية أو وظيفة واصفة(Fonction métalangage)، تهدف إلى شرح الإبداع نشأة وخلقا وتكونا، وتفسير آلياته وتقنياته الفنية والجمالية قبل الإبداع، وأثنائه، وبعد الانتهاء منه. ويذكرنا هذا الخطاب بالميتامسرح، وخطاب السينما داخل السينما، والسيرك داخل السيرك.

كما يحيلنا هذا المفهوم على الروائية أو ما يسمى كذلك بالرومانيسك (Romanesque). ويعني هذا أن الخطاب الميتاسردي كتابة نرجسية قائمة على التمركز الذاتي، وسبر أغوار الكتابة الذاتية، والتشديد على الوظيفة الميتالغوية بمفهوم رومان جاكبسون(Roman Jakobson). أضف إلى ذلك، يسائل الخطاب الميتاسردي طرائق تكون الإبداع ونشأته، ووصف عملية الكتابة وخطواتها، ورصد التناص والمناص والنص الموازي ، وتبيان أنواع التداخل بين النص الإبداعي والنص الميتاسردي، هل هو قائم على التأطير التعاقبي أو التناوبي أوالمتوازي أو المتقاطع؟! مع تبيان عمليات الانتقال من النص السردي إلى النص الميتاسردي، والعكس صحيح أيضا.

ولم يعد الخطاب الميتاسردي أو الميتاقص- اليوم - مجرد تضمين أو تداخل النصوص السردية، بل يتخذ عدة أشكال تتعلق بالتناص، والنص الموازي، والعتبات، والبناء السردي، والخطاب النقدي، والخطاب التنظيري، ومتخيل القراءة، وتعدد السراد والرواة، وميتاسرد الشخصية، وتكسير الإيهام السردي، ورصد عوالم الكتابة ، وشرح تكون السرود انبناء وتشكيلا وتركيبا، وتبلورها فنيا وجماليا ودلاليا ورؤيويا. ومن ثم، يرتكز الخطاب الميتاسردي على تصوير عالم الكتابة السردية، وتجسيد قلق الكتابة ، وتبيان كيفية تفكير القصة أو الرواية أو الحكاية في نفسها أو ذاتها بطريقة نرجسية أو مرآوية ذاتية. وإذا كان السرد - من جهة- يشخص الذات والواقع ، فإنه- من جهة أخرى- يشخص أيضا ذاته، ويرصد عملية الكتابة نفسها، ويبرز مراحل تكونها وتطورها إلى أن يستوي النص السردي عملا إبداعيا، يستقبله القارئ الضمني أو المفترض استهلاكا وتقبلا وقراءة ونقدا.

ومن القصص الوجيزة التي تتضمن الحجاج الميتاسردي نذكر قصة(تمرد):

"أنهيت كتابة قصتي وبدأت بقراءتها مزهوة بما كتبت ...

الأميرة والقصر والخدم ... الفارس والجنود والخيول ... الحدائق والجبال والوادي ...

ألبستهم ما أريد .. عريتهم كما أريد .. حركتهم كما أريد ...

خلقت لهم أحداثا مربكة ... جعلتهم يركضون .. يبكون .. يلهثون ..

يقتلون ..ويُقتلون ..

فجأة ..

بدأوا يعصون قلمي ..!!

أعلنوا سقوطي وطالبوني بالتنحي !

الفارس لم يعد فارسا ؛ فقد قتله جنوده ...!

الأميرة لم تكن تحب الفارس ... بل كانت تميل إلى جندي مجهول .. لم نعرفه ..

لكنها أحبته وأحبها خلف كواليس الورق !!

الجنود عاثوا في القصر فرحا ومرحا على أنغام سقوطي ...

وأنا ..

نعم أنا .. قررت أن أصبح أحد الجمهور وأتوارى خلف قناع التصفيق ...

حتى يتسنى لي حق اللجوء إلى قصة أخرى ... !"[48]

إذاً، يهيمن الحجاج الميتاسردي على هذه القصيصة التي تتمرد فيها الشخصيات عن الساردة المستبدة التي تتحكم في مصائرها توجيها وسردا وتنسيقا ورؤية.

 

الصـــورة الحجاجيــة:

لم تعد الصورة البلاغية مجرد حلية لفظية أو جمالية أو بديعية فحسب، بل أضحت مكونا حجاجيا ذا وظيفة حوارية وإقناعية وتأثيرية. وهكذا، يتحدث أرسطو عن الاستعارة باعتبارها محسنا بديعيا من جهة، ومقوما حجاجيا من جهة أخرى[49]. في حين، أدرج شايمبيرلمان(Chaïm Perelman) الاستعارة ضمن الحجاج إلى جانب التشبيه والمقارنة، مادامت هذه الصور تهدف إلى استمالة المتلقي تأثيرا وإقناعا. أما الصور التي لاتهدف إلى الإقناع والتأثير، فهي محسنات بديعية ولفظية وجمالية ليس إلا. وهكذا، فقد طهر شايم بيرلمان البلاغة من المحسنات البديعية، واحتفظ على جانبها الحجاجي والإقناعي، مادام يظهر فيها الباث والمتلقي معا[50].فـبدءا من بيرلمان، " أصبح كل خطاب تندرج فيه شخصية الباث والمتلقي خطابا حجاجيا.وواضح أن الخطابات التي يمكن أن تستثنى من الحجاجية هي الخطابات العلمية التجريبية أو النظرية من قبيل الرياضيات والمنطق الصوري. بل إن الفلسفة نفسها التي لا تستقيم للخطابين الرياضي والتجريبي هي من قبيل الحجاج أو الخطابة الشيء الذي لم يكن ليتبادر إلى ذهن أرسطو. لقد كان البلاغيون التقليديون ينظرون إلى الاستعارة باعتبارها " «تغييرا سعيدا لدلالة كلمة أو عبارة."[51]

وبناء على ماسبق، يمكن الحديث عن استعارات علمية من سماتها الإفهام، واستعارات شعرية قائمة على الغموض، واستعارات حجاجية هدفها الإقناع والتأثير ، كما يبدو ذلك جليا في الاستعارات الإشهارية والدعائية.

وعليه، فالصورة البلاغية لاتهدف فقط إلى نقل العالم وتمثيله بيانيا، بل تهدف إلى الإقناع والتأثير، وخلق حوار تفاعلي مع المخاطب المتلقي. ومن هنا، فالحجاجيون "لا يسلمون بأن مهمة الخطاب تقوم على وصف العالم، وإنما تقوم على تحفيز المخاطب على سلوك ما. والواقع أن مجرد التفكير في تلقين المخاطب صورة ما، ولو كانت عاطفية، عن الأشياء، فإننا نكون بصدد الحجاج.ولأمر فإن بعض المحسنات البلاغية التي لا تلقى التكريم عند علماء الشعرية ينوه بها الحجاجيون.إن الاستعارة التي تدعى في البلاغة العربية استعارات غير مفيدة تلقى الترحيب عند بيرلمان ليس لجمالها، ولكن لفعاليتها الإقناعية :«حينما يكون اللفظ الاستعاري اللفظ الوحيد الذي يعبر به عن شيء في لغة ما يطلق عليه الاستعارة غير المفيدة{الكتاكريز}مثال ذلك: " قدم الجبل" " ذراع الكرسي". وعلى الرغم من أن هذا الجنس من الاستعارة يبدو منحطا في رأي علماء بلاغة المحسنات، فإن بعضهم، مثل واتْلي تبعا لستيوارت وكوبْليسْتون، يعتبرونها أداة أرفع من الاستعارة الفعالة وذلك لأنها قد فقدت الاتصال مع الفكرة البدئية التي كانت تحيل عليها بالوضع، تماما كما أن سْتيفنْسون يذهب إلى أن هذه الاستعارة،ونظرا إلى أنها لا تقبل إلا تأويلا واحدا، فإنها تقدم دليلا ما raison وهذا على العكس مما يحدث بالنسبة إلى الاستعارة الفعالة التي هي موحية."[52]

وإذا كان الفيلسوف الأمريكي تولمين(Toulmin) يرى بأن الحجاج يتعارض مع الشعر؛ نظرا لتعارض ماهو خيالي مع ماهو عقلي ومنطقي، فإن الشعر يمكن أن يتضمن صورا ذات وظيفة حجاجية وتأثيرية وإقناعية.

وإذا أخذنا ، على سبيل المثال،هذه القصة الوجيزة التي تتضمن استعارة مكنية (يلبس القمر السواد حزنا)، فإننا لانكتفي بالدلالة الصريحة الظاهرة التي تعبر عن الحزن والمأساة التي تنتج عن ظاهرة الخسوف الطبيعي.أما المنطوق الضمني، فيحمل بعدا حجاجيا يتمثل في إيصال المتكلمة إلى المتلقي رسالة وصفية لحالة نفسية حزينة قلقة؛ من جراء التغير المفاجئ الذي أصاب القمر، فحوله من حالة فرح إلى حالة حزن وكآبة.أي: هناك تبليغ من متكلمة منفعلة تستعمل استعارة حجاجية لتؤثر في المتلقي ، وتثبت مدى حزنها ، ونقمتها على الحالة التي آل إليها الوضع الذاتي والنفسي والشعوري؛ بسبب ما وقع على مستوى المنظور والمدرك والمتخيل.

"يلبس القمر السواد حزناً على سقوط نجمة استثنائية ..![53]"

ولا يقتصر الحجاج على الاستعارة فقط، بل قد يتعدى ذلك إلى الصور والمحسنات البديعية الأخرى، مثل التشبيه، كما في قصيصة (جرعة حب):

" الحبُّ كالدواء يؤخذ على جرعات منتظمة ومستمرة .. إن أخذته دفعة واحدة قد تموت !

أطرقت برأسها وهي تقول له هذه الكلمات ... وتركته ينازع ...![54]"

يحمل التشبيه، في هذه القصيصة، بعدا حجاجيا إقناعيا لاستمالة المخاطب السامع، والتأثير فيه إيجابا أو سلبا. ويتمثل هذا الإقناع في توجيه نصيحة تعليمية إرشادية أو تقديم نصيحة في الحياة، تتعلق بالحب، وكيفية التعامل معه، كأن المعشوقة تنصح حبيبها بألا يبالغ في حبها حتى لايموت فيها كمدا وعناء وشقاء.

 

البوليفونيــــة الحجاجيـــة:

تقترن البوليفونية (Polyphonie) ، على الصعيد الأدبي، بميخائيل باختين (Bakhtine) وشارل بالي(Charles Bally). فقد وسع باختين نظريته البوليفونية في كتابه(شعرية دوستويفسكي)[55] ، وفي كتابه الآخر حول فرانسوا رابلي (Rabelais) .ومفاد نظريته أن ثمة مجموعة من الأصوات التي تعبر عن نفسها داخل الرواية، لكن دون أن يهيمن صوت على الآخر. ويعني هذا أن الرواية البوليفونية تتناقض مع الرواية المنولوجية ذات الصوت الواحد.

أما أزوالد دوكرو ، فقد تناول مفهوم البوليفونية من الوجهة الحجاجية اللسانية والتلفظية[56]، متأثرا في ذلك بمفاهيم جيرار جنيت(G.Genette) الذي قسم الأطراف التواصلية إلى عناصر أساسية ثلاثة: الكاتب، والسارد، والشخصية.

وقد تطور هذا المفهوم مع ماريون كاريل(Marion Carel)[57]؛ ولوران بيران(Laurent Perrin) الذي ميز بين الصوت ووجهة النظر، فالصوت هو شكل.في حين، تقترن وجهة النظر بالمضمون[58] . وتعمق هذا المفهوم - كذلك- مع ألفريدو ليسكانو (Alfredo Lescano) الذي تحدث عن ثلاثة مفاهيم أساسية هي: المتكلم، والشاهد، والعالم، ضمن نظرية تسمى بالنظرية البوليفونية الحجاجية (théorie argumentative de la polyphonie)، والمختزلة في تاب (TAP).

هذا، وقد عرف مفهوم البوليفونية تطورا أعمق مع الدارسين السكندينافيين(Scandinaves)،أمثال: نولكه(Nølke) ، وڤلوطوم(FLØTTUM, K)، ونورين(NORÉN, C)[59]، ضمن نظرية تسمى بـ( la ScaPoLine)[60]. وكان الهدف من هذه النظرية هو وضع نظرية شكلية لمختلف التعارضات اللغوية واللسانية التي تتحكم في التأويل البوليفوني، من خلال الانتقال من ملفوظات لغوية فردية منعزلة إلى مقاطع نصية وخطابية تتضمن مجموعة من الملفوظات .أي: دراسة البنية البوليفونية لسانيا وتلفظيا، ووصفها ضمن سياقاتها النصية والخطابية تحليلا وتأويلا، مع التوقف عند العناصر التالية بالدرس والاستكشاف: السارد، ووجهات النظر،والذوات الخطابية، والروابط التلفظية، والبوليفونية الداخلية، والبوليفونية الخارجية[61] ...

وعلى العموم، فلقد ارتبطت البوليفونية اللغوية باللسانيات التلفظية التي ظهرت في فرنسا في السبعينيات من القرن الماضي، وقامت على أكتاف الأسلوبي شارل بالي، وعمقها لسانيا كل من: أزوالد دوكرو(Ducro)[62] ، وديسكلي (Desclés)[63]، وبانفيلد(Banfield)[64]، وبلينا (Plénat)، وأنسكومبر (Jean-Claude Anscombre)[65]...

وقد طبقت البوليفونية اللسانية في مجالات عدة، منها: الحجاج، واللسانيات النصية، وتحليل الخطابات الحوارية، وعلم السرد...

وعليه، ترتبط البوليفونية بالكلام عند علماء الأدب. في حين، ترتبط بالشكل والخطاب والحجاج والتلفظ عند علماء اللسانيات[66]. فمعناه في الأدب وجود مجموعة من الأصوات السردية التي تتفاعل وتعبر عن همومها الذاتية والموضوعية، دون أن يهيمن صوت على الآخر[67]. أما في مجال اللسانيات الحجاجية، فقد تعامل دوكرو مع البوليفونية في ضوء رؤية تلفظية لسانية، انطلاقا من أن النص ليس فيه صوت واحد، بل هناك أصوات متعددة ومتقابلة ومتعارضة، فهناك ملفوظ الكاتب، وملفوظ السارد، وملفوظ الشخصية.

إذاكان جنيت يميز بين الكاتب، والسارد، والشخصية ، فإن دوكرو - كذلك- يميز بين الذات المتكلمة (الكاتب)، والمتكلم داخل الخطاب (السارد) ،و متكلم العالم (الشخصية ). وتتحقق البوليفونية اللغوية عبر السخرية، والنفي، والأسلوب المباشر، والأسلوب غير المباشر الحر، وتعدد وجهات النظر ، وعلى مستوى الروابط والاستدلال والتضمن الحجاجي...

وعليه، فثمة مجموعة من الشواهد القصصية القصيرة جدا التي تحمل بعدا بوليفونيا حجاجيا، كما يبدو ذلك واضحا في هذه القصيصة:

"قال لها : هل نسيت كل ما بيننا بهذه السهولة ؟ نسيتني !؟

قالت : بل بصعوبة .. والأشياء التي تغادرنا بصعوبة لا تعود !! [68]"

إذاً، يمكن الحديث عن مجموعة من الذوات الخطابية في هذا القص الوجيز. فهناك الكاتبة، والساردة، والشخصيتان. هنا، يقوم السارد بوظيفة السرد والتنسيق بين الشخصيتين المتحاورتين، من خلال استخدام لفظتي القول: (قال وقالت). ومن ثم، يعرض الحوار ضمن (الرؤية من الخلف) المبنية على الضمير الغائب الذي يعبر عن السارد الموضوعي المحايد. في حين، يشخص لنا محور العالم الفراق الذي تحقق بين الذاتين المتخيلتين.ويعني هذا أن ثمة بوليفونية تلفظية وحوارية متعددة.فهناك ملفوظ الساردة، وملفوظ الشخصية العاشقة (أ)، وملفوظ الشخصية المعشوقة(ب)، وملفوظ الكاتبة على لسان الساردة.أي: ثمة وجهات نظر مختلفة وأصوات لفظية متعددة قائمة على تبادل وجهات النظر.

ويلاحظ أن شخصية (أ) تستخدم حجاج التأثير العاطفي والشعوري من أجل التأثير في الشخصية (ب)، بتكرار كلمة (نسيتني) الدالة على التنبيه واللوم والعتاب والتقريع. وتحيل كلمة النسيان الداخلية على العالم الإحالي الذي تحقق فيه فعل الفراق والنسيان والانفصال بين الذاتين الراغبة والمرغوبة. كما أن لفظة (بسهولة) بمثابة مقياس استدلالي وحجاجي وحصري ، يتسلح به الخصم لمقارعة خصمه الذي تنازل عنه، دون أن يقدر قيمة العلاقة التي كانت تجمع بين الطرفين.

أما الشخصية (ب) ، فلم تكن طرفا سلبيا على صعيد البنية الحجاجية، فلها من الأدلة والحجج ما يجعلها تدافع عن موقفها المختار. إذ لم تتخل عن الشخصية (ب) إلا بصعوبة. وتحيل هذه الكلمة الكمية (بصعوبة) على مدى صبرها على التحمل الشديد للواقع، وعدم الاستطاعة لتحمله أكثر.ومن هنا، فثمة وجهتان حجاجيتان مختلفتان : وجهة ترغب في الوصال، ووجهة ترغب في الفراق. في حين، لم نتبين وجهة الساردة والكاتبة معا بشكل دقيق، وهذا إن دل على شيء، فإنما يدل على مدى بوليفونية هذه الشذرة القصصية، وعدم هيمنة الصوت الواحد على مجرى الحكاية. وهكذا، يتضح لنا أن الشخصية (أ) قد التجأت إلى استعمال حجاج الإنكار واللوم والعتاب. في مقابل، حجاج الإضراب(بل)، وحجاج الإثبات المستعملين من قبل الشخصية (ب)، بل يمكن الحديث عن حجاج التأثير (الشخصية أ)، وحجاج الاقتناع (الشخصية ب).

وقد تبرز البوليفونية التلفظية عبر الأسلوب غير المباشر الحر(Style Indirect libre)، كما في هذه القصيصة التي تتضمن أصواتا متنوعة، تعبر عن وجهات نظر مختلفة. إذاً، فهناك صوت الساردة، وصوت المرسلة المتلفظة، وصوت المتقبل، ومدار التخاطب الذي يتمثل في الفراق والبين والنسيان. ويلاحظ أن هذا الموضوع يتكرر كثيرا في أضمومة شيمة الشمري.ويعني هذا غلبة الموضوع الذاتي على هموم المبدعة على غرار الكتابة النسائية العربية بصفة عامة. ومن هنا، تعبر المتلفظة المرسلة عن شعور ثوري غاضب على عشيقها الذي نسيها بسهولة، محاولة اقتلاعه من قلبها، مستخدمة في ذلك سلاح السخرية والنكاية والتحدي، والرغبة في التخلص منه. أما المرسل إليه، فلم يكن يعرف إلا لغة الابتسامة والبراءة والضحك، وكثرة الإمعان والتحديق في العاشقة الولهانة.وإذا كانت الأنثى الغاضبة قد استعملت سلاح الغضب، وتهجير الآخر، وإبعاده نكاية وحقدا وانتقاما، فإن الآخر قد استعمل ضدها سلاح المحبة والمودة والدفء العاطفي والرومانسي:

" لم يكن قرار نسيانكَ سهلاً ولن يكون ، لكنني قررت اجتثاثكَ من ذاكرة قلبي..

بتَّ تزورني كلما أغمضتُ عينيّ ساخراً ؛ فعمدتُ إلى عدم النوم نكاية بك !

صوتكَ .. هيئتكَ .. ابتسامتكَ .. تظهر لي باستمرار ...

أحيانا أجدكَ جالساً خلف مكتبي تحدَّقُ إلي وتبتسم ...

وأحيانا تطلُّ علي من الشباك ضاحكاً ، كأنك تتحداني ، أو لعلك تحثني على النسيان ...

ذات غضب اقتربتُ منكَ ... هالة بيضاء تحيط بك ..

احتويتك ... حملتك بعيداً نحو الأفق .. رميتكَ هناك ..

عدتُ ونشوةُ فرح تعتريني ... دخلتُ غرفتي حيث تلاشت ابتسامتي ، و تعثرت خطاي ... هويت بعنف لولا أن يديكَ كانتا أسرع من جاذبية "نيوتن" ...[69]"

إذاً، لانعرف، في هذه القصيصة، من يتحدث: هل الشخصية أم السادرة، فقد اختلطت الأصوات والحناجر ووجهات النظر، وهذا ما يسمى بالأسلوب غير المباشر الحر الذي قد يتداخل حتى مع المنولوج أو ما يسمى بالحوار الداخلي، ضمن بوليفونية أسلوبية .

وكذلك، تحضر هذه البوليفونية اللغوية في قصيصة (فرح صامت)، إذ تحضر مجموعة من الأصوات المتلفظة ووجهات النظر المتوافقة. فهناك صوت الساردة التي تستعرض حدث اللقاء العاطفي، بوصف صديقتها الرومانسية الحالمة. وهناك أيضا صوت العاشق الذي يخبر معشوقته بكثرة التفكير فيها. وهناك كذلك صوت المعشوقة الذي يعبر عن فرحها الدال على القبول والاستجابة. لكن الساردة تتدخل بتقويمها الذاتي (مساكين !). ويحيل هذا التقويم- الذي يعبر عن اندماج الساردة في عملية التلفظ- على احتمالين: احتمال البراءة، واحتمال السذاجة؛ فالاحتمال الأول مقترن بطيبوبتهما، ويؤشر الاحتمال الثاني على أنهما لايعرفان ما ينتظرهما من عوائق وعواقب ومصائب:

"صديقتي البارحة كادت تطير ومن دون أجنحة ...

فقط لأنه قال لها : أفكر بك كثيرا ... هل يضايقك هذا ؟

هي لم تجبه ...!

وهو لم يعلم بفرحتها ...!

مساكين !"[70]

إذا كانت بعض القصيصات ترد فيها الساردة محايدة نسبيا، فإن بعض القصيصات تتدخل فيها عبر فعل الاندماج والتقويم التلفظي.

 

الخاتمـــــــة:

وخلاصة القــول، يتبين لنا، مما سبق ذكره، بأن المبدعة السعودية شيمة الشمري قد وظفت، في أضمومتها (عرافة المساء)، مجموعة من الروابط والعوامل الحجاجية على مستوى ملفوظات الجملة والنص والخطاب، حيث استخدمت أنواعا مختلفة من الحجاج اللغوي واللساني، مثل: حجاج الإثبات، وحجاج النفي، وحجاج السبب، وحجاج الحجة، وحجاج التعارض، وحجاج الاستدراك، وحجاج الاستنتاج، وحجاج المفارقة، وحجاج الافتراض، وحجاج الهدف والغاية...

ومن جهة أخرى، فقد استعانت شيمة الشمري بآليات حجاجية أخرى لدعم مختلف الأنماط الحجاجية السابقة على مستوى التلفظ اللغوي واللساني، كالصورة السردية الحجاجية، والحجاج الميتاسردي، والبوليفونية الحجاجية .    

ويعني هذا كله أن المبدعة لا تعنى بما هو جمالي وبلاغي وخيالي وتصويري فحسب، بل هي تكتب سرودا ومتخيلات لسانية حجاجية ، بسلالم إقناعية وتأثيرية متفاوتة من حيث القوة والضعف، يحضر فيها الباث والمتلقي والسياق من جهة، وترد فيها مقصدية الإقناع والتأثير والحوار من جهة أخرى.

 

................

[1] - شيمة الشمري: ربما غدا، منشورات نادي المنطقة الشرقية الأدبي، المملكة العربية السعودية، الطبعة الأولى سنة 2009م.

[2] - شيمة الشمري: أقواس ونوافذ، منشورات دار المفردات، الرياض، المملكة العربية السعودية، الطبعة الأولى سنة 2011م.

[3] - شيمة الشمري: عرافة المساء، مؤسسة الانتشار العربي، بيروت، لبنان، الطبعة الأولى سنة 2014م.

[4]- أميمة الخميس: أين يذهب الضوء؟، منشورات دار الآداب، بيروت، لبنان، الطبعة الأولى سنة 1996م.

[5]- شريفة الشملان:وغدا يأتي،مطابع الوفاء بالدمام، المملكة العربية السعودية، الطبعة الأولى سنة 1997م.

[6] - فردوس أبو القاسم: لا أحد يشبهني، منشورات دار الحضارة للنشر والتوزيع، الرياض، المملكة العربية السعودية، الطبعة الأولى سنة 1425 هجرية الموافق لسنة 2004م.

[7] - حكيمة الحربي: قلق المنافي، منشورات دار الكنوز الأدبية، بيروت، لبنان، الطبعة الثانية سنة 2004م.

[8] - حكيمة لميس منصور الحربي: سؤال في مدار الحيرة، النادي الأدبي بحائل، المملكة العربية السعودية، الطبعة الأولى سنة 1422هجرية الموافق لسنة 2002م.

[9]- حكيمة لميس منصور الحربي: نبتة في حقول الصقيع، منشورات دار عالم الكتب للنشر والتوزيع، الرياض، المملكة العربية السعودية، الطبعة الأولى سنة 1423 هجرية الموافق لسنة 2002م.

[10]- هيام المفلح: كما القلق...يتكئ الحجر،منشورات الدار العربية للعلوم(ناشرون)، بيروت، لبنان، الطبعة الأولى، سنة 2007م.

[11]- هدى بنت فهد المعجل: بقعة ضوء، منشورات النادي الأدبي بحائل، المملكة العربية السعودية، الطبعة الأولى سنة 1426 هجرية الموافق لسنة2005م.

[12]- هدى المعجل: التابو، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، بيروت، لبنان، الطبعة الأولى سنة 2005م.

[13]- أميمية البدري: للشمس شروق، منشورات نادي جازان الأدبي، المملكة العربية السعودية، الطبعة الأولى سنة 1426 هجرية الموافق لسنة 2005م.

[14]-سهام العبودي: ظل الفراغ، منشورات دار المفردات الرياض، المملكة العربية السعودية، الطبعة الأولى سنة 2009م.

[15]- سهام العبودي: خيط ضوء يستدق، دار النشر بعمان، الأردن، الطبعة الأولى سنة 1425 هجرية الموافق لسنة 2004.م.

[16]- منيرة الإزيمع : الطيور لاتلتفت خلفها، مؤسسة الانتشار العربي، بيروت، لبنان، الطبعة الأولى 2009م.

[17]- وفاء خنكر: القفص، نادي الرياض الأدبي، المملكة العربية السعودية، الطبعة الأولى سنة 2012م.

[18]- مريم الحسن : آخر المطاف، دار الكفاح للنشر، الدمام، المملكة العربية السعودية، الطبعة الأولى سنة 2010م.

[19]- مريم الحسن: خذلان، رباط نيت، الرباط، المغرب، الطبعة الأولى سنة 2014م.

 

[20]- ANSCOMBRE J.C., DUCROT. O : L’argumentation dans la langue, Bruxelles,Mardaga, 1983.

[21]- د.أبوبكر العزاوي: اللغة والحجاج، العمدة في الطبع، الدار البيضاء، المغرب، الطبعة الأولى سنة 2006م، ص:8.

[22] - ولد اللساني الفرنسي أزوالد دكرو سنة 1930م. وهو مبرز في الفلسفة، وقد كان مديرا لمعهد الدراسات العليا في العلوم الاجتماعية بباريس.

[23]- د.أبوبكر العزاوي: نفسه،ص:20.

[24]- د.أبوبكر العزاوي: نفسه، ص:25.

[25]-O. Ducrot :(notes sur l’argumentation et l’acte d’argumenter), Cahiers de linguistique française, Genève,no : 4,1982 ; (opérateurs argumentatifs et visée argumentative), Cahiers de linguistique française, Genève,no : 5,1983.

[26]- د. أبو بكر العزاوي: نفسه، ص:33.

[27]- أبو بكر العزاوي: نفسه، ص:105.

[28]- أبو بكر العزاوي: نفسه ، ص:107.

[29]- شيمة الشمري: نفسه، ص:11.

[30]- شيمة الشمري: نفسه، ص:21.

[31] - شيمة الشمري: نفسه، ص:23.

[32]- شيمة الشمري: نفسه، ص:13.

[33]- شيمة الشمري: نفسه، ص:15.

[34]- شيمة الشمري: نفسه، ص:25..

[35] - شيمة الشمري: نفسه، ص:19.

[36]- شيمة الشمري: نفسه، ص:53.

[37]- شيمة الشمري: نفسه، ص:51.

[38] - شيمة الشمري: نفسه، ص:27.

[39]- شيمة الشمري: نفسه، ص:133.

[40] - شيمة الشمري: نفسه، ص:67.

[41] - شيمة الشمري: نفسه، ص:101.

[42] - شيمة الشمري: نفسه، ص:91.

[43] - شيمة الشمري: نفسه، ص:103.

[44]- شيمة الشمري: نفسه، ص:85.

[45] - شيمة الشمري: نفسه، ص:95.

[46]- شيمة الشمري: نفسه، ص:61.

[47] - شيمة الشمري: نفسه، ص:81.

[48] - شيمة الشمري: نفسه، ص:37.

[49] - أرسطو: كتاب الخطابة، ترجمة: عبد الرحمن بدوي، وزارة الثقافة، بغداد، العراق، طبعة 1986م، ص:155-156.

[50]-Chaïm Perelman: Traité de l'argumentation : La nouvelle rhétorique, avec Lucie Olbrechts-Tyteca, Bruxelles, Éditions de l'Université de Bruxelles, 2009.

[51] - د. محمد الولي: (الاستعارة الحجاجية بين أرسطو وشايم بيرلمان)، مجلة فكر ونقد، المغرب، العدد: 61 ـ 2004، ص: 79.

[52] - محمد الولي: (الاستعارة الحجاجية بين أرسطو وشايم بيرلمان)، صص:79

[53] - شيمة الشمري: نفسه، ص:149

[54] - شيمة الشمري: نفسه، ص:107.

[55] - ميخائيل باختين: شعرية دوستويفسكي، ترجمة: جميل نصيف التكريتي، دارتوبقال للنشر، الدار البيضاء، المغرب، الطبعة الأولى سنة 1986م.

[56]- Oswald Ducrot: Le Dire et le dit, Editions de Minuit, Paris 1984.

[57] - Marion Carel : L'Entrelacement argumentatif. Lexique, discours et blocs sémantiques, Honoré Champion, février 2011.

[58] -PERRIN, L. (éd.) : Le sens et ses voix. Dialogisme et polyphonie en langue et en discours, Recherches Linguistiques, 28 Metz : Université Paul-Verlaine2006.

[59] -NØLKE, H., FLØTTUM, K. & NORÉN, C: ScaPoLine. La théorie scandinave de la polyphonie linguistique, Paris : Kimé.2004.

[60]-la théorie Scandinave de la Polyphonie Linguistique.

[61] -NØLKE, H., « Le subjonctif : fragments d’une théorie énonciative », Langages, 80,1985, 55-70.

[62]-DUCROT, O. : Dire et ne pas dire, Paris : Hermann.1972.

[63]-DESCLÉS, J.-P. : « Quelques opérations énonciatives », Logique et niveaux d’analyse linguistique, Paris : Klinksieck, 1976, 213-242.

[64]-BANFIELD, A. : « Où l’épistémologie, le style et la grammaire rencontrent la théorie littéraire », Langue française, 44,1979, 9-26.

[65] -ANSCOMBRE, J.-C. (éd.) : Les objets de la polyphonie, numéro thématique du Français moderne, 74, (éd.) 2006, 1.

[66]- Dominique Maingueneau : Les termes clés de l’analyse du discours, Collection Points, Éditions du Seuil, 2009, p : 99.

[67]- Dominique Maingueneau : Les termes clés de l’analyse du discours,p :99.

[68]- شيمة الشمري: نفسه، ص:17.

[69]- شيمة الشمري: نفسه، ص:22.

[70]- شيمة الشمري: نفسه، ص:63.

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 3007 المصادف: 2014-11-29 04:52:32