المثقف - قراءات نقدية

الشعر والصراع الطبقي والثورة في فقه الغضب ليوسف مسلم

husam alhadadليس من السهل الدخول لعالم يوسف مسلم الشعري، فلابد ان تكون مسلحا بكم هائل من التنوع الايديولوجي، وان تكون محملا بكم هائل من التنوع الفكري والاطلاع على وقائع مجتمعك الذي تعيش فيه، حيث ينطلق يوسف مسلم من الذات الكاشفة العارفة إلى الواقع حيث يقدم رؤيته الخاصة للأني والمعيش في جدلية بين الذاتي والموضوعي من ناحية وبين الفكر وممارسته من ناحية اخرى.

 

فقه الغضب

يتكون عنوان الديوان من لفظتين يدور حولهما الكثير من التعريفات اللغوية والاصطلاحية، فنجد اننا امام عنوان مشكل في حد ذاته فلفظة " فقه " اختلف العلماء حول معناها، فقيل : مطلق الفهم، وقيل: فهم غرض المتكلم من كلامه، والقول الثالث: أنه فهم الاشياء الدقيقة.

أما الفقه اصطلاحا فهو العلم بالأحكام الشرعية العملية المستنبطة من أدلتها التفصيلية .

واذا قمنا بالقياس المصطلحي من خلال قراءتنا للديوان الذي بين ايدينا وهو العلم بالأحكام العملية للغضب ، حيث هو المسيطر على الحالة العامة في الديوان . وكيفية التعامل مع هذا الغضب وتحركاته على أرض الواقع.

اتفق العلماء العرب القدامى على أن الغضب ثوران في القلب لقصد الانتقام. ومن حيث المفهوم فيرى علماء النفس ان الغضب احساس أولي، وطبيعي، وناضج مارسه كل البشر في بعض الأوقات على أنه شيئ له قيمة وظيفية من أجل البقاء على قيد الحياة . فالغضب يمكنه تعبئة الموارد النفسية لاتخاذ أفعال تصحيحية، كما أن الغضب الغير متحكم منه يمكنه ان يؤثر على الاصلاح النفسي والاجتماعي.

وحول هذه المفاهيم تدور النصوص لتنتج لنا فهما حقيقيا وشعوريا واعيا بالغضب.

 

البعد الطبقي للنصوص

من البداية يعلن الكاتب انحيازاته الطبقية والتي تشكل وعيه وممارساته الابداعية، فينحاز لأكثر الفئات الاجتماعية غضبا ، مصدرا ديوانه بسطر شعري لمحمود درويش

سنصيرُ شَعْبًا حِينَ لَا نَتْلُو صَلاَةَ الشُّكْرِ للوطَنِ المقدَّسِ، كُلَّمَا وجَدَ الفَقِيرُ عَشَاءَهُ

وعنوان النص لدى درويش " ان اردنا " مجسدا اهم الخطوات التي يجب علينا اتخاذها كي نكون " شعبا" وتتساوق نفس الفكرة في الديوان الذي بين ايدينا حيث انه يضعنا امام انفسنا، في مواجهة صادمة لحقيقتنا التي نحن عليها بكل تناقضاتها . محدد في الوقت نفسه انحيازاته وراصدا مآسينا فيقول:

•فتتسَاقَطُ صُورُنَا مبرُومَةً

كذكْرِيَاتٍ قذرةٍ مِنْ كابُوسِ يَقَظَةٍ . ص9

***

الأَطْفَالُ الذاهبونَ إِلَى مدارِسِهُمْ

لابَسِينَ أحذيةً مِنْ القَشِّ

" وكانتِ المَدَارِسُ مَحْضَ زنازنْ " ص12

***

عِطْرٌ فقيرٌ نَخْنِقُ بِهِ عَرْقَنَا

عَنْدَمَا ندِّخرُ بَعْضَ قُرُوشٍ

لنلاقي فتياتِنَا

عِنْدَ نَاصِيَةٍ فـي آخِرِ العَالَمِ، ص 15

***

هَادِئُونَ فـي الليلِ وودعاءْ

تتَقَاسَمُونَ وجعًا يملككُمْ،

ورَغيفًا لا تملكونَهُ،

تدَنْدنُونَ لحْنًا سكرانًا لا يسكرُكُمْ

ترفعُونَ أيْدِيكُمْ إلى سماءٍ صماءٍ

ثُمَّ تقبّلُونَ الكفَّ مِنْ الوجهيْنِ

ممتنينَ على كُلِّ مكرُوهْ . ص22

كل هذا الزخم الكاشف بدقة عن انحياز طبقي داخل النص هو في نفس الوقت داعي لرؤية هامة يؤكد عليها من خلال ثنائيات طبقية مسميا الاشياء بأسمائها دون تحوير او انحراف بالغة فنجد ألفاظ مثل " فاشستي ، برجوازي ، مارشال ... وغيرها" موصلا لنا رسالة مفاداها أن الثورة التي كنا نريد لا يصنعها الفقر بينما يصنعها الوعي بالفقر وشتان الفارق بين الحالين .

 

الواقع السياسي

تقوم النصوص على امتدادها بصفحات الديوان بعملية كشف للواقع مقدمة بين الحين والآخر ثقبا للهروب أو الفرار منه لكنه لا يكتمل حيث أصبح الواقع سجنا والوطن لا وطن واللاعبون كثر من بينهم :

الإله

والذي يظهر في النص الاول في صور متعددة فيقول الكاتب على لسانه

بَيْنَما كُنْتُ ألهَثُ صَارِخًا

» أَجملُ الآلهةِ لَمْ يُعْلَنْ أُلُوهِيّتَهُ بعدْ «ص 8

ثم يظهر الإله في بقية المقاطع بمفردات فاعلة " يقف، يقترب، يقلص، يدقق، ينتقي، يلعب، يعزف " وكلها افعال مضارعة ومعروف ما للفعل المضارع من دلالة الحدوث والتجدد ، أي: الاستمرارية في الحدث. فهو لذلك يعزز موقف الشاعر في إرادة البقاء. وهكذا معظم الأفعال المستخدمة في الديوان مما أعطى الألفاظ حيوية وحركة مستمرة

ويتضح جليا تقسيم النص وتشريحه للمجتمع في قصيدة " تصبحون على وطن " ص 21

فيقدم قصيدته مخاطبا المجتمع :

تَائِهُونَ فـي الظهيرةِ

والشمسُ تدْهَسُ رؤُوسَكم دُونَ رَحْمَةٍ

وكأنه يطور هنا مقولة "محمد ابو سويلم " في فيلم الارض " تروح الشمس فين من على قفا الفلاح "

تلك الشمس التي كنا نصطلي حرارتها ونحن تائهون نبحث عن حقوقنا من بداية الثورة حتى الأن، نتخبط بين متاجرون بالدين وبين طغمة مالية وثالثة عسكرية . نتقاسم وجع يملكنا ورغيفا لا نملكه ، رغم ذلك نكون ممتنين على كل مكروه يحدث لنا. واللاعبون المهرة الذين يتاجرون بأحزاننا هم الذين يملكون الأعمار وحتى الثورات المبتسرة التي قمنا بها ويطالبنا فريق أخر من هؤلاء بالرحيل من أوطاننا بحثا عن أوطان جديدة ، ولا نجد أمامنا سوى ذلك الحكيم الذي يوجه خطواتنا انه " الشارع "

يُحدِّثكُم الشارعُ :

ما الذي تملكونَه الآن؟!!!

وكالعادَةِ تقولُونَ: لَا شَيْء

فيقولُ : إِذَنْ فلتقاتلوا

مِنْ أجلِ هذَا اللاشَيْء. ص 26

وهنا فقط يظهر العنوان جليا واضحا

ربَّما تتعلمونَ الغَضَبَ فجأةً

فالرصيفُ يمنحُكُمْ فِقْهًا للغَضَبِ

وتمنَحونه المزِيدَ مِنْ دمائِكم ص 28

تلك هي المعادلة الحقيقية التي يتركز النص فيها ليكون فقه الغضب هنا هو بداية التغيير فالدم المراق على أسفلت الشوارع والارصفة هو الثمن الحقيقي للتغيير الذي ننشده . رغم ان هذا الرصيف الذي منحكم فقه الغضب هو نفسه الذي ينتج لكم كائنات تلتهمكم ، وكأنه يقول لنا لو تفهمون الغضب وتحولوه الى قوة تغيير حقيقية لان له قيمة وظيفية من أجل البقاء على قيد الحياة . حيث ان الغضب يمكنه تعبئة الموارد النفسية لاتخاذ أفعال تصحيحية، الا أن الغضب الغير متحكم منه يمكنه ان يؤثر على الاصلاح النفسي والاجتماعي ، من الممكن لهذا الغضب أيضا نتاج كائنات تأكل الأخضر واليابس.

الموقف من السلطة

تتجسد السلطة في النصوص بتنظيماتها العسكرية سواء كانت شرطة أو جيش، فالنص معادي للسلطة نفس عدائه لهؤلاء المتاجرون بالدين وهؤلاء الذين نطلق عليهم مجازا " فلول" حيث ان الجميع في بوتقة واحدة وهم فقط مجموعة من السماسرة الذين يأخذون أوامرهم من المارشال أيا كان قابع هذا المارشال ربما يكون محلي وربما يكون عالمي .

فـي العُيُونِ التـي لَا تَفِيقُ،

أَرَى وجْهَي مَضْغُوطاً بَيْنَ رَصيفٍ وحِذاءٍ،

يمرُّ بـي النهارُ متخفيًّا فـي سُتْرَةِ شُرْطِيّ مُخَنَّثٍ،

يُربـّي فـي قَلْبِهِ القَساوةِ ..

يَشتمُنـي .. فَأَشْتِمُهُ ..

يَضربُنـي .. فَأَضْرِبُهُ ..

يطرحُنـي على الأرْضِ ..

يُعفِّرُ عَيْنـي بكُبشةٍ مِنْ رمادٍ يتجشَّأه ..

يُفتّشُنـي .. فيُخرجُ مِنْ جُيُوبـي

مُدُنًا وصَحَارَى وقَبَائِلَ

شُعرَاءَ وشُيُوعِيّينَ قُدَامَى

وعُشَّاقًا ينحنُونَ، فـي جلالٍ،

على سُيوفِهُمْ الَّتـي خلَّفتها الهزائِمُ. ص45

هذا نموذج للسلطة تطرحه النصوص وهناك نماذج أخرى نأخذ منها مثال أخر:

هُو عاشقٌ

كان يحلُمُ بأرصفةٍ دونَ عساكرٍ

يلوثونَ خطاكما

لذا..

سيصحبكِ يومًا إلى قاهرتِه

بعيدًا عن العَسْكرِ والمُخْبِرين والقَوَّادين

حيثُ لا مطاعمَ للبيتزا فـي شوارِعِها

ولا مُولاتٍ تُفْرِخُ حُكماءً للعالمِ الجديدِ ص 56

 

وفي هذا المقطع يجتمع كل أعداء الشاعر الطبقيين تلك الفكرة المهيمنة على الديوان وكأنه يقدم لنا منفستو جديد بديلا عن " البيان الشيوعي "

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 3007 المصادف: 2014-11-29 05:17:29