المثقف - قراءات نقدية

منير مزيد ورحلته إلى الشِّعر المطلق .. قراءة في ديوان الحَفْرُ في يَنَابِيْعِ الضَّوْءِ

munir mazyadالسيرة الموجزة للشاعر والأديب منير مزيد تحدد بعض العناصر الأساسية التي تمكننا من تحديد مصادر بنيوية لشخصية الشاعر المركبة حيث تقول بأننا مجموعة من الاسْتِعْدَادات المحلية (اتجاه نحوَ سلوكٍ خاصٍّ ، نتيجَةَ عواملَ عضويةٍ ، أَو نفسيةٍ ، أو هما معًا)، الخلفية العائلية والتعليمية والثقافية والدينية والوطنية. من خلال تلك العناصر وغيرها نستطيع تشكيل وجهة نظر حول الصورة المركبة والمعقدة لشخصية الشاعر والأديب منير مزيد.

الاسْتِعْدَادات المحلية : لقد كشف الشاعر عن موهبته الشعرية من خلال رؤية سماوية ذاتية إذ ذكر في سيرته بأنه قد إِلتَقَى بعرافة أمريكية تؤمن بعملية ما يسمّى "تناسخ الأرواح" (حلول الروح قي عدة أجساد قبل تطهرها وإِنتِقالها من إنسان لآخر) وأخبرته بأن روح الشاعر منير مزيد الحالية كانت في أجساد شعراء كبار. حديث تلك العرافة قد أَعْطَى الشاعر حافزاً قوياً واستعدادا نفسياً في اللاشعور من دون أن يُدرِك وهو إنه قد كتب لمنير مزيد أن يكون شاعرا عظيماً.

البيئة الأسرية: ولد في الأردن من عائلة فلسطينية نبيلة وكريمة، غادر الأردن بحثاً عن حريته وعن مكان يستطيع ممارسة إبداعه الفكري بحرية .

التعليم والثقافة والدين: مسلم يحترم ويمارس الشعائر الدينية ، يفتخر بانتماه إلى الحضارة العربية والإسلامية من دون أي تعصب أو مغالاة، لا تحكمه ايديولوجية معينة ومنفتح على جميع الثقافات إذ نجد تأثير تلك الثقافات في قصائده لكن تبقى الثقافة العربية والإسلامية هي النبع الأساسي الذي يغرف منه الشاعر والأديب منير مزيد ثقافته. درس في إنجلترا والولايات المتحدة الأمريكية، سافر إلى جميع أنحاء العالم، وأخيرا اِسْتَقَرَّ برومانيا وتزوج الدكتورة مادالينا التي بدأت بالعمل على ترجمة جميع أعماله الشعرية إلى اللغة الرومانية.

البيئة الوطنية: يتعرض الشاعر والأديب الكبير منير مزيد إلى حملة تعتيم كبيرة، ممنهجة ومبرمجة، في الدول العربية بسبب عبقريته الشعرية وأفكاره التنويرية والتحررية، وكذلك بسبب نضاله من أجل حقوق الإنسان، ومن أجل الديمقراطية وحرية المرأة، من قبل المؤسسات الثقافية والإعلامية العربية التي تدار من قبل أشباه المثقفين وتحكمها ايديولوجية معينة حيث تراه تلك المؤسسات عدوا خطيرا يهدد مصالحها، وخاصة إن الشاعر والأديب الكبير منير مزيد يرفض الانتماء إلاّ للثقافة الإنسانية التي تخدم الإبداع.

في حوار للشاعر والأديب منير مزيد مع الإعلامية الرومانية مدالينا كورينا دياكونو قال : لقد وجدت ووضعت نظرية ورؤية حول كتابة نمط وأسلوب جديد في كتابة الشعر من خلال الدراسة والبحث وقد أطلقت عليه " الشِّعر المطلق". وأضاف قائلاً إن أغلبية الناس لا تعرف هذه الحقيقة لأن الأمر يحتاج إلى سنوات في البحث والتعمق في قراءة قصائدي وتحليلها على المستوى النقدي والاِبْتِعَاد عَن إخضاعها أو تناولها بمفاهيم نقدية تقليدية أو كلاسيكية، ناهيك عن الحصار والتعتيم الذي تمارسه المؤسسات الأدبية والإعلامية العربية ضدي، وهذا الحصار هو خسارة كبيرة للشعر العربي، وإِنتِصار كبير للشعر الإنساني ولي شخصيا، وهزيمة تاريخية ساحقة لكلّ المؤسسات الثقافية والإعلامية العربية إذ تكشف زيف جميع الادِّعاءات حول دعمها للثقافة والإبداع والأهم تكشف عجز قدرتها على التفريق بين الغَثِّ والسمين وأنها لا تزال تعيش في عصور الظلام.أما أنا فمن حقي أن أفْتَخِر بما أنجزته وَلَوْ كَرِهَ الْجَاهِلونَ .

لقد عَبَرَ الشاعر والأديب منير مزيد عن رؤيته حول المفهوم الجمالي للشِّعر المطلق بلغة مجازية إذ قال : يسألونني عن الشِّعر المطلق وأرد قائلاً ببساطة هُنَاك فَرْقٌ كَبِيرٌ بَيْنَ الشِّعر الأدائيّ والشِّعر المطلق ، الأَوَّلُ ينظمه خَزَّافٌ يُحاوِلُ زَخرَفةَ الأَوْثَانِ بِأَلْوَانِ الْكَلاَمِ مُعْتَمِداً عَلَى مَهَارَاتِه اللُّغَوِيَّةِ ، والثَّانِي يكتبه نَبيٌّ وَسَاحِرٌ يَضَع الكَوْنَ بَيْنَ يَديك قَطْرَةَ ضَوْءٍ بِصَوْلَجان الْكلِمَةِ الإلهيَّةِ مُعْتَمِداً عَلَى غَرائِزه الرُّوحِيَّةِ ،وَعَلَى غَزَارَةِ عِلْمِه، وَسَعَةِ اطِّلاعِه بِالعُلومِ الحَديثَةِ، وَقُدْرَته عَلَى تَمثُّلِ مَا يَقْرَأ مِنَ الآدَابِ وَالفنُونِ وَالعُلومِ وَالْمَعَارِف الإنْسَانِيَّةِ . بهذا التعبير يعيد الشاعر والأديب منير مزيد الإِكْلِيل الذي تَمَّ فَصْلُهُ وإِبْعَادُهُ عَنِ المركز والنبع الأصلي منذ قرون طويلة.

في مقالة أخرى لخص فيها الشاعر والأديب منير مزيد رؤيته للمفهوم الجمالي والفلسفي للشِّعر المطلق إذ قال :"يعتمد الشعر المطلق أساساً على مبدأ الفكرة المتصلة بإسقاط الروح على الأشياء عن طريق مدركات الحواس وإسقاط الرّؤى الميتافيزيقية على مجموعة الأشياء المحيطة بها لأجل الحصول على الصورة الناتجة عن التأمل النفسي في البحث عن الذات االكونية في داخل الذات عندها تصبح المحاكاة كونية لا تتجزأ فالروح الكونية واحدة لا تتجزأ .فالشعر المطلق لا يعبر عن أفكار أو عواطف أو أي نشاط ذهني أو نفسي بل يعبر عن حالة من حالات التجلي الروحي وحالة من المكاشفة بين الله والشاعر، وكل شيء في الشعر المطلق يفكر ويمتلك ذاتا وذاكرة.

بما أن الشعر المطلق يهدف إلى خلق كون آخر، والتواصل مع الله لأجل الوصول إلى الحب الإلهي المطلق والحصول على المعرفة الإلهية المطلقة تعتبر الصورة الشعرية نتاج ملاحقة الشاعر بخيوطه الروحية المسقطة على شيئية الأشياء. لهذا تأتي متأرجحة بين الدهشة والغرابة والتناقض - فالتناقض هو جذور كلّ حركة وحياة كما ذكر الفيلسوف هيغل - ومفعمة بالجمال والسحر والغموض والرموز والاستعارات بحيث تأخذك إلى عالم ملائكي رسمته أنامل لغة أثيرية تشبه لغة التمائم والتعاويذ .

تتحرك تلك الصورة بشكل هادئ بين الــ" ين " والــ " يانغ" في المساحة العقدية الواسعة المتكونة من جزيئات صورية أكثر تعقيدا وهي الجمل الصورية التي هي بدورها تتكون من نقاط عقدية أكثر تعقيدأ هي الكلمات المفردة الدالة ذات الأبعاد المتعددة التي تعتبر في مجموعها فكرة ملهمة بأطر خيالية تقع في مساحة إِفتراضيّة أثناء إِنتِقال الفرد بين مستويات اللاشعور والشعور المتعدد . فكلّ جملة شِعريّة عبارة عن صورة متعددة الظلال والألوان وكلّ صورة عبارة عن كون .."

إن مصطلح " الشِّعر المطلق" ولد أساساً من رحم الرومانسية الألمانية باعتبارها موازية لمصطلح "الموسيقى المطلقة" كما هو مبين في أعمال الموسيقار الألماني كارل دخلهوس وإن فكرة "الموسيقى المطلقة" قد ظهرت في عام 1989 في جامعة شيكاغو. أما نوفاليس، الفيلسوف والشاعر والكاتب ألماني فقد قال حول اللغة الشِعريّة: ما هو جمالي في الموسيقى يتطلب آلات موسيقية، والكون هو الآلَة الميتافيزيقية الَّتي يعزف عليها الشاعر. فالشِّعر إذن يرتبط إِرتباطاً وثيقاً بالحلم، وعلى القصائد أن تكون أثيرية ورَخِيمَة ومفعمة بالصور والشفافية، والشِّعر الحقيقي يمكن أن يكون، على الأقل، له معنى استعاري ينتج تأثيرا غير مباشر مثل الموسيقى.

في أعقاب مفهوم "الشعر المطلق"، يظهر مفهوم آخر ومثير للاهتمام في الأدب العالمي والإنساني "البعد الرابع" كعنصر مهم جدا في تطور الفن والأدب المعاصر.

إن مفهوم "البعد العالي" الذي وجد في أعمال كبار الكتاب المبدعين في العالم لاقى اهتماماً كبيراً من قبل المؤسسات الأكاديمية المهتمة بالأعمال والدراسات الأدبية وفي تلك المؤسسات الأكاديمية تم مناقشة تلك الأعمال في عام ١٨٠٠حول مسألة مفهوم "البعد العالي" الذي ظهر في أعمالهم الإبداعية.

في رواية " الإخوة كارامازوف" للكاتب الروسي فيودور دوستويفسكي والتي نشرت في فصول في مجلة «الرسول الروسي» وأنجزها في تشرين الثاني (نوفمبر) من عام ١٨٨٠ ، يضع دوستويفسكي كلمات في فم شخصية إيفان كارامازوف إذ يقول : "... أنا أمتلك عقلاً دنيوياً فكيف أستطيع أن أجد حلولا لقضايا ليست من هذا العالم ...." أنصحك بعدم التفكير فيها، يا عزيزي وخاصة القضايا التي تتعلق بالله حول إذ كان موجودا أم لا فكل هذه الأسئلة ليست مناسبة للغاية للعقل الذي خلق لكي يعي أفكاراً تنتمي إلى البعد الثالث....

في قصة "شبح كانترفيل" التي تعد من الأدب الرومنسي الواقعي للمؤلف المسرحي والروائي والشاعر الإيرلندي أوسكار وايلد أراد المؤلف وضع منطقه الخاص في تعريف معنى"البيت المسكون بالأشباح " إذ تحدث عن البعد الرابع : من الواضح جدا عدم وجود وقت لكي نهدره لهذا يجب الإِسْراع في تبَنّي وإِعتِماد فضاء البعد الرابع كمعنى للهروب والاختفاء في الممرات وبهذا الاعتماد يعود الْهُدُوءُ إلى البيت..

إِستَخدَمَ الأديب، المفكر، الصحفي، عالم الاجتماع، والمؤرخ الإنجليزي هربرت جورج ويلز الذي يعتبر واحدا من أشهر مؤسسي أدب الخيال العلمي، فكرة الأبعاد الزمانية في روايته الأولى التي نشرت عام ١٨٩٥ وحملت عنوان آلة الزمن ... كما إِستَخدَمَ الأديب الإنجليزي بولندي الأصل جوزيف كونراد "مفهوم البعد الرابع" لشرح التغيرات في المجتمع التقليدي.

الشاعر الأمريكي، والناقد، والموسيقي عزرا باوند أحد أهم شخصيات حركة الحداثة في الأدب العالمي أنهى في المقطوعة رقم ٤٩ (البحيرات السبع) بهذه الأبيات الشعرية

العبد الرابع هو بعد السكون

والسلطة على الحيوانات البرية

في الوقت الحاضر، هناك من الناس من يتحدث عن البعد الخامس وعن صعود كوكب الأرض

وسكانها إلى البعد الخامس.

حين وضع الشاعر والأديب الكبير منير مزيد "مفهوم الشعر المطلق" ذكر في مقالته الشهيرة والتاريخية "الطريق نحو الشعر المطلق " قائلاً : بما أن الإنسان هو كائن متعدد الأبعاد يعيش في كون متعدد الأبعاد وبما أنّه جزء من وعي لا متناهي وأبدي والوجود لم يولد ولا يموت ، والحياة دائمة وأبدية ، وبما أنّ عملية الخلق هي تعبير عن فكر واحد لا نهائي، وكل أشكال الحياة هي مظاهر من ذلك الفكر الموحّد ، وكل شيءعبارة عن وعي، والوعي هو طاقة وكلاهما شيء واحد، فإنّه من هذه الرّؤية ولدت فكرة الشعر المطلق .. حين أدرك الإنسان أنّ نظرة الجزء من خلال الكل هي النظرة السائدة والفاعلة و كيف تستطيع الجزئية تسيير مصالحها من خلال استخدام الكلية الكونية عمل على الرّبط والمقاربة بين مفاهيم الكون وظواهره المتضاربة والمتناقضة بصور أكثر قربا إليه وإلى تفكيره.. هذا التقارب ألهب خيال الإنسان وحوله من متفرج إلى خالق وحين بدأ الإنسان يقدر على الخلق ولدّ مجموعة من الأساطير التي تتحدث عن الخلق وكيفية نشوء الكون وأصول الأشياء فقد آمن بقوى إلهية وبأن هذا الكون العظيم قد خلق من قبل خالق عظيم و هو الله فبدأ يتقرب إليه و كلما اقترب منه ازداد خياله خصوبة واتساعا .. لهذا علينا التفريق بين عملية الخلق والمهارة. فعملية الخلق ليست حرفة بل إلهام ومصدره التأمل و التخيل فيما يراه آخرون إلهي . وهذا ما عناه أفلاطون في محاورته "ايون" التي تعد أوسع عرض في العالم القديم و تذهب إلى أنّ الشعر إلهام خالص ومصدره إلهي محض و قد قرن الشاعر بالأنبياء وبالعرافين، وهذه الفكرة مرجع من اعتادوا بالإلهام والقريحة في الشعر لا بالصنعة والتعلم. .... يعتمد الشعر المطلق أساساً على مبدأ الفكرة المتصلة بإسقاط الروح على الأشياء عن طريق مدركات الحواس وإسقاط الرّؤى الميتافيزيقية على مجموعة الأشياء المحيطة بها لأجل الحصول على الصورة الناتجة عن التأمل النفسي في البحث عن الذات االكونية في داخل الذات عندها تصبح المحاكاة كونية لا تتجزأ ز فالروح الكونية واحدة لا تتجزأ. .... الشعر المطلق لا يعبر عن أفكار أو عواطف أو أي نشاط ذهني أو نفسي بل يعبر عن حالة من حالات التجلي الروحي وحالة من المكاشفة بين الله و الشاعر، و كل شيء في الشعر المطلق يفكر ويمتلك ذاتا و ذاكرة. .... بإختصار شديد الشعر المطلق هو شعر سماوي ومصدره الإلهام ، ويعد امتدادا للشعر الصوفي و لكن برؤية أكثر عمقا تحول الشاعر من راء إلى خالق يعمل على خلق كون آخر ويضعه بين يديك قطرة ضوء بصولجان الكلمة الإلهية ز بهذه الرؤية سيدرك الإنسان بأن ما يحدث في هذا العالم هو إنعكاس لما يحدث داخلنا ونحن من صنع هذا الواقع وبأننا قادرون على تغييره وقادرون على صناعة المعجزات، وبأن خلاصنا في أيدينا عندها يصبح الشعر أهم مصادر الخلق كونه منبعا للخيال و الخيال يعد أهم من العلم كما صرح ألبرت أينشتاين، وطريقا نحو الانعتاق والتحرر من كل أشكال العبودية .

إن محاولة الاِقْتِرَاب من أعمال منير مزيد الشعرية يمكننا أن نرى أن قصائده تعمل على إثارة روح القارئ وتحفيزها على الانعتاق والتحرر ومن هذا المنطلق يبرز سؤال مهم ، ما هي المفاتيح المناسبة التي يمكن استعمالها للولوج إلى عالمه الشعري وتحليله نقدياً وخاصة أننا أمام نص مغاير تماما عن النصوص الشعرية السائدة...؟

بسرعة نستطيع أن نفهم إن تلك القصائد ملغزة وعلى درجة عالية من التركيب إلاّ أنها في نفس الوقت سلسة ومرنة (السهل الممتنع) وهذا يعني إن العديد من المفاتيح يمكن أن تكون مناسبة بشرط القبول بأن الشعر هو إلهام ومكاشفة بين الله والشاعر كما ذكر الشاعر والأديب منير مزيد حين قال: الشعر المطلق لا يعبر عن أفكار أو عواطف أو أي نشاط ذهني أو نفسي بل يعبر عن حالة من حالات التجلي الروحي وحالة من المكاشفة بين الله و الشاعر، وكل شيء في الشعر المطلق يفكر ويمتلك ذاتا و ذاكرة.

نحن هنا في مواجهة مع الوعي الشعري الذي يفترض وجود الخفي (الغيب) وقدرته على تحويله إلى مرئي وهذا الخفي الذي أصبح مرئيا على تواصل دائم مع الشاعر حيث يطرح الشاعر أسئلة   ويتلقى منه إجابات ، فالشاعر بدأ يدرك الأشياء وذاته من خلال مكاشفة بينه وبين الله والله هو المصدر والنبع الذي يغرف منه الشاعر وعيه وهذا النبع قد تم ابعاده في فقه الثقافة المزيفة المستندة إلى الحقائق الباطلة ، وتلك الثقافة تعمل على إِبعاد الإنسان عن الله وإِبعاد المفكرين في الخوض في تلك العلاقة وحصرها في المؤسسات الدينية واحتكارها. إن هذا الوعي الشعري الذي يمتلكه الشاعر والأديب منير مزيد سوف يجعل الحبّ يحل مكان الخوف ، وهذا المفهوم يعتبر رؤية ونظرة وجودية جديدة سوف تغير تماما وجهة النظر العالمية حول الكثير من المفاهيم السائدة وتحرير المقدس من هيمنة المؤسسات الدينية عليه حيث سيحل الضوء مكان الظل، والفرح مكان المعاناة .

إن عودة الإنسان إلى الخالق إلى الروح الإلهية ،منبع المعرفة ، موجود في كثير من الأحيان في الشعر العالمي وخاصة الشعر الصوفي .

يحتوي ديوان الشاعر والأديب منير مزيد " الحَفْرُ في يَنَابِيْعِ الضَّوْءِ" على ٥٠ ومضة شعرية وكل ومضة تتراوح ما بين ٢- ٥ أبيات شعرية وتلك الومضات تعتمد على أسلوب التكثيف والتجريد

والاختزال ومتعددة الدلالات، عميقة وذات أبعاد ومعاني روحانية ، جمالية، أسطورية، فلسفية ودينية.

هناك ثلاثة رموز مركزية في هذا الديوان الشعري: الماء والضوء والصوت، وهذه الرموز هي المادة الوراثية واللوغوس هو الله / الروح، وهناك أيضاً رموز أخرى تم استخدامها ذات الأبعاد والمعاني والدلالات المتعددة في خيال القارئ ورؤيته : القصيدة ، الروح ، الحورية ، فينوس ، الآلهة (النبوءة الذاتية) ، الأسطورة اللامرئية ، الإلهام والخيال، بالإضافة إلى بعض الرموز الدينية: سدرة المنتهى ، اللوز والزيتون ، الكرمة....

الماء، كعنصر مائي ، ومتعدد المظاهر والأبعاد، يعتبر العنصر الثابت والأساسي في قصائد منير مزيد وتجربته الشعرية ، لهذا حين نتحدث عن شعر منير مزيد فهناك طقوس مائية أو بمعنى آخر إن الماء عنصر مقدّس وصورة مثالية بنيوية قد تكون في اللاشعور حيث المياه شحيحة في الأرض التي ولد وعاش فيها الشاعر أو أننا في حضرة الماء المقدّس وفي الماء الحي الذي يحمل في أعماقه الحياة والفرح والحبّ...

في شعر منير مزيد يمكننا تحديد عناصر معينة من فلسفة سقراط كما جاء في تاليس وهيراقليطس: كل شيء يولد من الماء (المادة الوراثية)، والماء هو مظهر من مظاهر البلل المرئي حيث روح الإنسان من الماء وكلّ شيء في حركة دائمة / في حالة تدفق مستمرة فتدفق المياه يمثل ما لا نهاية لأن الماء يعبر من حالة إلى حالة أخرى وفي حالة تغير دائمة ،السائلة ،والصلبة ، والغازية، وجوهر أساسي في نشأة الكون ويلعب دورا أساسيا في تقدم وبقاء الحضارة الإنسانية وقد نهضت الحضارات الأولى في وديان الأنهار الكبيرة وانهارت حينما نضبت موارد المياه.

يتكامل الماء مع الإنسان في علم الكونيات ويختزن النعمة الإلهية، والسر الذي يتدفق في داخل الإنسان ويغذيه بالمعرفة..

في القصيدة # 1 ( فِي الْبَدْءِ كَانَ الْمَاءُ / وكَانَ الْمَاءُ صَوْتي ) هنا إشارة رمزية لسفر التكوين من خلال إعادة الصياغة على مستوى شعري حيث الصوت هو اللوغوس ، والكلمة هي حاملة الروح الخالق / جوهر الروح القدس ، فالروح / أو جوهر روح القدس تأتي على شكل مظهر في حالة تجسد (الظواهر الروحية - هيغل) من خلال التحدث عن الذات وهنا يخلق اللوغوس الوجود الكوني.

في القصيدة # 2 (حين تَظمَأُ الكَلِمَاتُ / لا تشْرَبُ إِلَّا مِياه خَيالي) الخلق هو نتاج الخيال : تشْرَبُ مِياه خَيالي .

في القصيدة # 3 (الكلِمَةُ التي لا تَبَلُّلُ صَوْتي / بالنُّورِ / لا يَكْتَرِثُ صَوتي بالنظرِ إليها) ليست كل كلمة تحمل الروح / النُّور

الخلق يعني بذل الجهد "الحفر" ، الأدوات التعبيرية مجازا "مَعاول الكلِمَةِ" والنتيجة هي الاتصال الدائم مع الأبعاد الإلهية ، فالشاعر يدرك إن هذه الحالة لا تعنيه فقط بل المجتمع / الإنسانية أيضاً وإن يَنَابِيْع الضَّوْءِ غير محظورة بل متاحة لمن يسعى إليها. من هذه الرؤية الشعرية لمنير مزيد نجد " فهماً أو وعياً اوروفيلي" وهذا الفهم كجزء من الطاقة الكونية العظمى وهذا يعني إن مفكراً قد إِستَطاعَ الإستثمار في الطبيعة الإلهية ( أرسطو - الروح ) ..

في القصيدة # 5(حين تستَنشَقُ الرُّؤيةُ غُبَارَ الوَهْمِ / تَسقُطُ السَّماءُ فَرِيسَةً ِ/ لعُوَاءِ الْخَرِيفِ الجافّ) .. قصيدة # 6 (لَمْ يَبْقَ في عُشّ الكلِمَةِ/ غير عَويلِ شُمُوعٍ/ وزَنابِقَ مُنتَحِرةٍ...)، قصيدة # 7 (في عُشّ الْمَاءِ / لَمْ يَبْقَ غير أَشْجَارٍ بيضاءَ/ تُرمِّمُ آثارَ عِطْرٍ مَيِّتٍ...)

 

هذه القصائد تلفت الانتباه إلى المادة المعرفية بوصفها مجازفة خطرة حين تتنفس تلك المعرفة غبار الوهم، فالوهم أو الخداع يعمل على تشويه وخداع الوعي والادراك من خلال خلق صور باطلة ومزيفة حيث تتجلى الأوهام في الوجود البشري من خلال الألم والمعاناة "عُوَاء الْخَرِيفِ"، "عَويل الشُمُوعٍ" ،

" زَنابِقَ مُنتَحِرة" ، فهذه التعاليم تحمل خطايا الروح الخالدة للإنسان المذنب إذ يجب أن يعاني لأنه يقف منغلقاً في جسده الترابي وعليه أن يحرر شعوره بالذنب (أفلاطون - "فيدروس).

المبدع الحقيقي في نظر الشاعر والأديب منير مزيد هو الشاعر الذي يجعل القصيدة حاملة للنور فالقصيدة هي التعبير الصادق عن الفرح ، والانتصار ، والثناء، وتمجيد الخلق الذي يمتلك الفضائل التحويلية والسحرية لأن المعرفة ترتدي نماذج كونية ، أسطورية ، وروحانية ، فتجربة الخالق (الشاعر) هي أبعد بكثير من استيعاب عقيدة الخلود..

قصيدة # 39 (فِي فِرْدَوْسِ اللَذّةِ / يُضَاجَعُ صَوتي حُوريَّةَ الضَّوْءِ/ والقصيدةُ طِفْلتُنا اللَّعُوبُ...)

القصيدةُ هنا "طِفْل لعُوب" ، ثمرة عشق بين اتحاد جسدين وروحين في فردوس اللذة ، صوت الشاعر وحورية الضوء، فهذا المشهد الصوري تم إنشاؤه في فضاء الخيال الشعري ، وهنا نحن أمام بناء أسطورة كاملة وجديدة إِبتَكَرَها الشاعر العبقري منير مزيد بكلمات قليلة حيث أصبح فيها الشاعر منير مزيد أورفيوس آخر يخلق أسطورة مفرحة للخيال والقلب والعقل حيث تعيش في خيالات ايروس المليئة بالمسرات .. الحورية كفينوس هي الصور الرمزية للإلهة العظيمة / أم الآلِهة حيث تعمل على غرس إيروس في كل مكان لنشر الخصوبة ...

يقدم هذا الديوان الشعري خيارات عديدة للقارئ أو المتلقي الذي يتناوله حيث يضعه في حالة من حالات التجلي الروحي فيعيش ويبقى في نشوة روحية من خلال قراءة نصوص شعرية فريدة ومتفردة

ذات أبعاد ومعاني متعددة وتتوقف وتسلط الضوء على قضايا محددة تبدو قريبة هيكليا...

إن الجانب الأكثر أهمية في الشعر هو الخيال الشعري حيث يعمل الشاعر على خلق فضائه الشعري من مجهوده المعرفي وخياله الذاتي، وفي الخيال كلّ شيء ممكن ، لكن على الفضاء أن يحمل في طياته بصمة الشاعر الخاصة .. بما إن كل شيء قد خلق من الكلمة الإلهية (صوت الشاعر) عندها يصبح الشاعر المبدع مثل الآلهة يستخدم أسرار اللغة المقدسة حيث يقوم بخلق نبوءة ورؤية من خلال الدخول إلى فضاء التأمل (المحراب المقدس) فالشاعر النبي يمتلك وعياً ومعرفة مختلفة قادرة على تمزيق حجاب الوهم وغير متأثرة بوساوس الوهم وقد استطاع الشاعر والأديب منير مزيد تمزيق الوهم وتعريته ...

قصائد الشاعر والأديب منير مزيد لها تأثير باطني وسحري قوي على القارئ ليس فقط على المستوى اللغوي، أو الجمالي، أو الثقافي، أو الفكري، أو الفلسفي أو الروحي ولكن أيضا النتائج المؤثرة على المستوى الكيميائي والإلهي الخفي في وعي القارئ فهذا التوليف الكيميائي يخلق مفارقة جمالية على مستوى العاطفة والعقل بحيث توحد قصائده العقل مع القلب في أعمق حالة من حالات التأمل أو الصلاة...

الصورة الشعرية عند الشاعر العبقري والأديب والمترجم والفيلسوف والمفكر والنبي منير مزيد تشتمل على كل مظاهر وعناصر الكون الجوهرية : الهواء والنار والماء، والروح.. والقصائد، طلاسم وتعاويذ سحرية ، تربطنا مباشرة مع الخالق / الله برباط مقدّس ومتين حيث يصبح الشاعر قادرا على وصف وشرح عظمة الخالق في ذات الإنسانية وهذا يعني إن الشاعر نبي قد تم اختياره لمهمة وهي توصيل كلمة الله وتبليغ رسالته

كُلُّ شَيْءٍ يستحمُّ في الأُسْطُورة الزرقاء

و ضُوءُ النُّبُوءَةِ الغَامضةِ يَشربُ اِنْعِكَاسَ صَوتي

يَملأُ السِّحْرُ المُقدِّسُ زَوايا الكلِمَةِ

بعِطرِ الأَبَدِيَّةِ

هنا يتلقى الشاعر ضُوءَ النُّبُوءَةِ الغَامضةِ ويتذوق جوهر ذاته (اِنْعِكَاسَ صَوتي) ويضع الأقدار في ("السِّحْر المُقدِّس).... (الكهف أسطورة أفلاطون).

   من خلال هذا الديوان الشعري الفريد "الحَفْرُ في يَنَابِيْعِ الضَّوْءِ" والمقال "الطريق نحو الشعر المطلق" نستطيع أن نقول إن الشعر المطلق هو في الواقع نداء إلهي حيث يعمل الشاعر على خلق

الأكوان في عالم الخيال واللغة الشعرية هي كلمات الله من أجل كشف الخفي...

قصائد هذا الكتاب هي التعبير الشعري المثالي لتجربة الشاعر والأديب منير مزيد في توضيح المفهوم الجمالي والفلسفي للشعر المطلق حيث كانت الكلمة الإلهية وفيها جميع الصفات الجوهرية / العضوية.

 

فلاريا فايدا : باحثة وكاتبة وناقدة رومانية وأُسْتَاذة الأدَب الروماني

هذه المقالة جزء من كتاب فلاريا فايدا بعنوان منير مزيد ورحلته إلى الشِّعر المطلق

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 3007 المصادف: 2014-11-29 11:31:28