المثقف - قراءات نقدية

تشيخوف وغوغول

تشيخوف وغوغول – علمان من اعلام الادب الروسي والعالمي ايضا، وعلى الرغم من ان تشيخوف ولد عام 1860، بينما توفي غوغول عام 1852، الا ان نقاد الادب، وبالذات الادب المقارن، غالبا ما يربطون هذين الاسمين معا، او بالاحرى يربطون اسم تشيخوف باسم غوغول، ويجدون في نتاجاته بعض عناصر التناغم مع نتاجات غوغول، وهذا ما سنحاول الكلام عنه في هذه المقالة الوجيزة .

النقطة الاولى (التي يتوقف النقد الادبي الروسي عندها عادة بشأن موضوعة تشيخوف وغوغول) تتناول الموقف المشترك بينهما بشأن رسم شخصية الانسان المسحوق والمغلوب على أمره والبائس في المجتمع الروسي في القرن التاسع عشر، والذي يترجم بعض المتخصصين العرب ترجمة حرفية من اللغة الروسية الى العربية تسمية النقد الادبي الروسي لهذه الظاهرة بالشكل الآتي – (الانسان الصغير)، وهي ترجمة ليست خاطئة بالطبع ولكنها غير دقيقة ولا يمكن لها ان تعبر تعبيرا صحيحا وشاملا عن المعنى الكامن في التعبير الروسي بالنسبة للقارئ العربي، اذ ان المصطلح الروسي (الانسان الصغير) يعني ذلك الشخص الذي تسحقه هموم الحياة اليومية والذي تجعله خائفا ومرتعبا دائما امام تلك القوى الهائلة التي تسيطر على مسيرة حياة المجتمع بشكل عام، والتي لا يستطيع هذا الشخص ان يقف ضدها او يقاومها او حتى ان يغيٌر واقعها ولو بشكل - ما، وقد ابتدا بوشكين (باعتباره بداية البدايات كما اسماه غوركي) بالكتابة عن هذه الشخصية و رسم تلك الصورة الفنية والواقعية في الادب الروسي في قصته المعروفة – (ناظر المحطة)، ولكن غوغول بالذات هو الذي منحها تلك الروحية والنكهة العالمية والسمات الواضحة المعالم في قصته العظيمة – (المعطف) والتي اعطت للادب الروسي و للعالم باجمعه شخصية اكاكي اكاكيفتش، والذي لا يزال يعيش بيننا و يطرق ابواب عالمنا يوميا لحد الان (خصوصا في بلداننا العربية مع الاسف)، والذي يتحدث عنه الكثيرون في الادب والفن وفي كل جوانب الحياة الاخرى، والذي ارتبطت به تلك الجملة الشهيرة عالميا لدستويفسكي – كلنا خرجنا من معطف غوغول (انظر مقالتنا بعنوان – هل خرج دستويفسكي من معطف غوغول، وانظر كذلك مقالتنا الاخرى بعنوان – هل خرج احمد سعداوي من معطف غوغول؟)، وقد ساهم دستويفسكي بالطبع في الاستمرار بتقاليد الادب الروسي في هذا الشأن عبر روايته القصيرة – (المساكين) وبطلها ديفوشكين، الا انه لم يستمر – كما هو معروف - بذلك بعد رجوعه من الاعتقال والمنفى، اما تشيخوف فقد ابتدأ في مسيرته الادبية بالذات في اطار هذه الموضوعة واستطاع ان يرسم شخصيات فنية جديدة بكل معنى الكلمة في هذا المجال، ومن هنا جاءت هذه المقارنة مع غوغول، واصبح الحديث عن بطل تشيخوف المسحوق حياتيا والمرتعب ابدا امام المجتمع يذٌكر باكاكي اكاكيفتش – بطل معطف غوغول، وغالبا ما يتناول النقاد قصة تشيخوف المشهورة (موت موظف) ويعتبرونها نموذجا لتلك المقارنة ( انظر مقالتنا بعنوان – حول قصة تشيخوف القصيرة – موت موظف)، ونموذجية تلك المقارنة لا تكمن في ان تشيخوف قد حاكى غوغول او كرر موضوعه او كتب تحت تأثيره، وانما تكمن في ان تشيخوف قد كتب قصة خاصة به وبابداعه المرتبط بمجتمع يتميز عن ذلك المجتمع الذي عاش به غوغول، ولكن الرعب الذي يحيط بذلك الانسان المسحوق والبائس والمغلوب على أمره والذي يخاف طوال الوقت (من خياله ! كما يقول المثل العراقي المعروف الطريف) هو الذي أدٌى الى تلك المقارنة، ولا مجال هنا طبعا للاستطراد اوالتعمق بشأن هذه النقطة والتاكيد على ان تشيخوف لم يفكر او يخطط عندما كتب تلك القصة ان يقارنها بقصة غوغول المذكورة، بل انه كتبها عندما كان طالبا في كلية الطب بجامعة موسكو ونشرها في مجلات فكاهية من الدرجة الثانية كما يسمونها، ولكن النقاد وجدوا فيها (بعد مرور فترة طويلة من الزمن طبعا) هذا التشابه والتناغم واجواء المقارنة مع غوغول. ولم تقتصر هذه المقارنة بين تشيخوف وغوغول على هذه القصة القصيرة فقط وانما شملت مجموعة عديدة اخرى من قصص تشيخوف ايضا كانت تدور حول تلك الشخصيات الخائفة والمرتعبة ابدا في اطار ذلك المجتمع، ومنها على سبيل المثال وليس الحصر قصة (البدين والنحيف) المشهورة ايضا او قصة (الحرباء) اوغيرها من القصص الاخرى المعروفة، وعلى هذا الاساس اصبح لتشيخوف مكانة خاصة في هذا المجال، مكانة تذٌكر بموضوعة غوغول ولكنها تتميز عنها وتحمل في طيٌاتها خصائص تشيخوفية – ان صح التعبير – تنعكس في البنية الفنية لتلك القصص القصيرة ورشاقتها في المضمون والشكل، والتي تعد خطوة جديدة بكل معنى الكلمة في مسيرة الادب الروسي . وهناك نقطة اخرى يتحدث عنها النقاد في مجال المقارنة بين غوغول وتشيخوف وهي تلك الروحية المرحة والساخرة والتي تؤكد على عنصر الفكاهة والنقد الساخر الذي يثير الابتسامة وحتى الضحك ولكنه يبقى طبعا مغلفا بنبرة الحزن وسماته في نهاية المطاف، وهذه النقطة توحد بين غوغول وتشيخوف بشأن تصويرهما لمعاناة الشخص المنسحق اجتماعيا والبائس هذا، وهو ما يميزهما (اي غوغول وتشيخوف) عن بوشكين ودستويفسكي، اللذان كتبا حول هذه الموضوعة كما اشرنا في اعلاه، الا اننا لا نجد عندهما استخدام عنصر الضحك والسخرية المرحة تلك. وكما كان تشيخوف متميزا عن غوغول في طرحه لذلك الشخص البائس، فانه كان متميزا ايضا بروحية الفكاهة واستخدام عنصر الضحك هذا . لقد استقر تقريبا مصطلح – (الضحك عبر الدموع) في تاريخ الادب الروسي وارتبط بغوغول قبل كل شئ، ولكن هذا المصطلح لم يقترن بتشيخوف ابدا، رغم ان نتاجات تشيخوف كانت تثير طبعا الضحك ايضا، ولكن ضحك تشيخوف لا يمر عبر الدموع – ان صح التعبير – وانما يثير ابتسامات هادئة وتعاطف انساني وتأملات فكرية عميقة، وحتى عندما يصل تشيخوف الى نهاية تراجيدية لبطله (مثل موت موظفه رعبا وخوفا لانه عطس ليس الا امام ممثل تلك القوى التي كان مرعوبا منها في ذلك المجتمع) فان القارئ لا يذرف الدموع لان تشيخوف يعلن عن ذلك في صيغة سريعة وحاسمة لا تتعدى بضع كلمات ليس الا، بحيث ان القارئ يندهش ويفغر فاه ويصاب بالدهشة وسط ذلك الجو المضحك لدرجة لا يتمكن ولا يستطيع ان ينتقل الى اجواء اخرى وبهذه الوتيرة السريعة كي يصل في هذه الاثناء الى البكاء والدموع، ويبدأ هذا القارئ باستيعاب تلك المأساة بعد الانتهاء من القراءة وفي لحظات التأمل التي تتبع تلك القراءة، وربما يمكن القول ان عظمة الفن القصصي عند تشيخوف تكمن بالذات في هذه البنية الفنية الرشيقة وتلك اللمسات السريعة، التي تشد القارئ وتضطره ان يبقى في تلك الاجواء حتى بعد الانتهاء من القراءة، يبقى وهو يفكر ويتأمل!! .

هناك عناصر عديدة اخرى طبعا يتحدث عنها الباحثون في هذا المجال و نقاد الادب بشان المقارنة بين النتاجات الابداعية لكل من تشيخوف وغوغول، ومنها مثلا تلك اللوحات الرائعة الجمال التي رسماها بالكلمات للطبيعة الروسية في نتاجاتهما، وهذه النقطة واسعة جدا و تتطلب – بلا أدنى شك - مقالة مستقلة بحد ذاتها كي تحدد ابعادها، ونتمنى ان تسمح لنا الظروف بالعودة اليها لاحقا .

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 3011 المصادف: 2014-12-03 00:04:04