المثقف - قراءات نقدية

الشاعر طلال الغوّار .. الباحث عن البديل أو النقيض لواقعه

talal algawar(احتفاء بصباحات شاغرة) مجموعة شعرية للشاعر طلال الغوّار صدرت عن دار بعل – سوريا – دمشق -2014، وهي من القطع المتوسط جاءت ب (122) صفحة واحتوت على (55) نص شعري .

إن التجربة الشعرية والحياتية للشاعر طلال إضافة إلى ذخيرته المعرفية مكنته من إثبات شروحه ومراميه للقارئ بدقة متناهية بتحديده الدلالة في القصيدة، كما أن مخيلته الأدبية شكلت صنبوراً متدفقاً من الإبداعات، حيث أنه لامس هموم الآخرين ومحاكياً خلجاتهم وسعيه لبناء نص من خلال إحساس قوي وتفكير مليء .

صياغاته الشعرية رقيقة وعذبة وصوره عميقة ومعظم نصوصه في هذه المجموعة يتخطى فيها حدود المصير البشري عاكساً رؤيته على ذاتيته ليحقق التجسيد الحميم والاتصال الرمزي بحقيقة ما يبوح به، لم يكن الطريق ممهداً أمام الشاعر طلال بل اعترضت العقبات طريقه، منها الهزّات الاجتماعية التي اجتاحت وتجتاح بلده وكذلك فوضى ضاربة أطنابها في العقائد والأفكار .

في قصيدة (حرائق) ص 20 يقول :

أنا قصيدةُ أحزانكِ

أنا انتظاركِ الذي

يشيخُ على النوافذِ

أنا جراحكِ التي

تدّونُ الحرائقَ

أنا كتابكِ الذي

دائماً أفتحهُ للشموسِ

كي أقبضَ على النهارِ

عبثاً

أحاول أن أمحوَ خيباتكِ

حين أتهجّاك بأحلامي

لقد التزم الشاعر بحرفية الفن الشعري وبقي في إطار التركيز الذي ينبعث منه الحدث، وكشف عن العلاقة الخفيّة التي تتحكم بمصير الإنسان وحركته والمعالجة عنده ليست سكونية وإنما هي تحريك العقل عند المتلقي وإدخاله في حدود العمل الفني، أن عالم الواقع لدى الشاعر كثيراً ما يختلط بعالم الأحلام والأماني وكل ذلك جَسَدَهُ في قالب فني جميل منسجم مع الحدث الذي يعرضه والموضوع الذي يناقشه .

في قصيدة (احتفاء بصباح شاغر) التي حملت عنوان المجموعة، ص 80 يقول :

في مرايا صباحكِ

رأيتني وحيداً

أبدأ خطواتي

في طرقٍ لا أعرفها

هل كنت اكتشفُ وجهي

كلمّا أوغلتُ بعيداً

كان للشجر نوافذٌ

تفتحُ كتابي للغيبِ

وللأقاصي إيماءةٌ

تلحّنُ أحزاني

آه ...

كمْ كنتُ محتفيا

بصباحي الشاغر

وهو يواكبني

لقد أكتسب الشاعر إمكانات فنية استطاع من خلالها ان يعرض تجارب شعورية صادقة يحياها القارىء، فقد عرضها من خلال أبسط وأدق جزئياتها واهتم بالأعماق فشرحها وناقشها من خلال غطسه الى أعماق المتحرك النامي، عرض موضوعاته بأسلوب فيه قدرة كبيرة على العطاء والإيحاء بجو مشحون بالأفكار والرؤى والأحلام والمشاعر والعواطف مع عرض فني للواقع الممتزج بالتطلع والأمل .

في قصيدة (النهر) ص 46 يقول :

النهرُ الذي

كان يبتكرُ ضفافه

ويودعها جدلَ الأشواق

فتنقلُ رسائلها

قواربُ الصيادين

وطيورُ الغاق

إيماءات العشاق

وصيحاتُ الأطفال

كمْ كانت موجاته

راكضةً

ثم تنتحرُ

ثم عند صخور الشاطئ

كي تولدَ مرةً أخرى

ويولدُ معها النهر

ألفيته يمتلك قدرة على تصوير النزعات الإنسانية والمواقف المتوترة والقدرة على تفجير الحدث، ذلك التفجير الذي يعطي للنص الشعري المنتج قدرته على النمو السامق ويضفي عليه نكهة مليئة بالحياة، في نصوصه يلجأ الى التحليل ورسم الأبعاد الدقيقة وعرض الجزئيات الصغيرة التي كثيراً ما تتكامل وتنمو لإعطاء الانطباع النهائي لموضوعة النص عند المتلقي .

في قصيدة (وحشة) ص 95 يقول :

........

أمسُ

رأيتُ الحديقةَ

تجهشُ بالغربةِ

في شجرةٍ بلا ظلٍ

كخطواتي

...

...

كمْ كان غيابكِ قاسياً

يا حبيبتي

الفن الشعري فن صعب يحتاج إلى تقنية فنية عالية لا تتأتى إلا عن طريق المتابعة والإطلاع والاحتكاك، ويحتاج كذلك إلى رؤية ووعي وقدرة على التغيير مع ثقافة عامة شاملة ومتأصلة لتوليد الصور الشعرية المتوهجة، والشاعر تقع على عاتقه مسؤولية اجتماعية جسيمة، مسؤولية تغيير القيم والتقاليد البالية وخلق قيم وتقاليد ومفاهيم جديدة تتماشى مع روح العصر وانطلاقة الحياة وتعمل على بناء مجتمع سليم، إذ أن قصيدة النثر تتيح للشاعر تحطيم قيوده الشكلية ليتجه إلى ما هو جوهري في الشعرية الصافية، والشاعر طلال تمكن من توظيف الاستعارة وأوجد وحدة متماسكة في المعنى المكتوب بلغة رصينة وميال إلى نوع من التنغيم .

في قصيدة (المنتحلون) ص 116 يقول :

........

لم يكن فرعون

هو الذي حملَ أحجار الأهرامات

ولا نبو بلا ناصر

جاء بأشجارِ الأرزِ

ليبني برجَ بابل

ولا جلجامش

شمّرَ عن ساعدهِ

ليرصف الأحجار

في أسوار أوروك

أنهم ليسوا إلا سرّاق

لمآثر الآخرين

الذين يحملون برؤوسهم الشموس

يقوم الشعر وينهض على الاستعارات والمجازات والصور الشعرية من اجل تأسيس معان عميقة، والحكمة والمعنى لايصيران شعراً إلا عندما يَعْرِفْ الشاعر كيف يصوغهما بكلام خاص، الشاعر طلال أثبت أنه معماري فني وجمالي بآلياته الشعرية القادرة على خلق الدهشة من خلال توهج الاستعارات الحيّة وحداثوية الشكل الشعري لبنائه بلغة مكثفة واستحضار للأحداث .

في قصيدة (أيتها النائية) ص 111 يقول :

لوحّتُ لأشجاركِ

فأختنق الأفقُ بين أصابعي

ركضتُ خلفَ صباحاتكِ

فخذلتني نسمةٌ هاربةٌ

صدحتُ أناشيدي في ناياتكِ

فتشرّدتُ في النغمات

آه ....

أيتها النائيةُ

كمْ سأقطعُ إذنْ

من مسافاتِ الخيبةِ

كي أصلَ اليكِ

كمْ أحتاجُ من الحبِّ

كي أرمِ أطواقَ نجاتي

وأنت تمّوجيني نحو ضفافكِ

كمْ من القصائدِ يكفيني

حتى أطلقَ أيائلَ أحلامي

في سفوح غيابكِ

...........

مخياله الشعري خصباً حيث تمكن من توظيفه بطريقة سليمة لينير مناطق العتمة في النفس والروح، منحنا شاعرية رائعة وفتح لنا طرقاً زاهية المعالم من خلال إبراز مفاتن النص من بديع الكلام والصور الشعرية المتقدة، لغته الكتابية اتسمت بطاقة تعبيرية هائلة عكستها مفردات نصوصه بما تحمله من دلالات ثريّة وكساها بالعديد من الإيقاعات، كما أنه أمتلك قدرة على الاختزال من خلال صياغته البلاغية التي أثرّت نصوصه، في نصوص هذه المجموعة تجلّت بوضوح عناصر الموضوعية والفنية، كاللغة والتشكيل والفنية في البناء الشعري، ولغته الخطابية لا تتوارى أو تغيب بل تحضر معلنة عن ذاتها بجرأة مشبعة باستعارات خيالية .

 

قراءة: أحمد البياتي

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 3023 المصادف: 2014-12-15 00:34:10