المثقف - قراءات نقدية

البوح ألساخر في (قريبا سأحبك)

rahman khodairabasللكاتب المغربي محمد كروم، صدرت مجموعة قصصية جديدة، بعنوان (قريبا ساحبك) وهي العمل الثالث في مسيرته الكتابية بعد (شجرة القهر) وهي مجموعته القصصية الأولى التي صدرت عام 2008 ثم روايته (بادية الرماد) التي صدرت عام 2011. والكاتب من مواليد مراكش، حاصل على دبلوم الدراسات المعمقة في الأدب العربية من جامعة القاضي عياض. وقد مارس الكتابة الصحفية والأدبية، وفاز ببعض الجوائز ومنها الجائزة الثانية في مسابقة أحمد بوزفور للقصة القصيرة.

حينما تَلجُ ابواب المجموعة تجد أنها قد إتّخذت مسارين مختلفين وفضائين مختلفين أيضا . الأول فضاء المدينة وبكل ماتنطوي عليه من أسرار وملذات وترف وتناقضات . المدينة التي تبدو بشعة رغم تبرجها . حيث أنّ خمارها الحضاري لم يستر عوراتها، فأظهرها الكاتب وكأنها مسرح للعلاقات العاطفية والجنسية الطائشة وغير البريئة .أمّا الفضاء الثاني فهو فضاء القرية، بشظف عيشها وبقسوتها وفاقتها وقدرتها على التكيف أمام الصعاب . القرية الطاردة لأبنائها والجاذبة لهم، القاذفة بهم في وهج الحياة الحادة كالصخر، والحانية عليهم بعطف أمومي . القرية التي تنزوي في كيانها وفي ترتيبها الهامشي في أدنى مرتبات التدرج الإجتماعي والإقتصادي والتعليمي .

لقد كان إنحياز الكاتب الى القرية وقيمها وفضائها الإجتماعي والنفسي واضحا، فكان يدافع عنها، مقارنا بين عفتها ونقائها وبين عهر المدن وتلوث قيَمها " بدت له المدينة كعاهرة شمطاء وكل مافيها ومن فيها رديء ...ص50 " . لذا فقد أفرد جُلّ قصص المجموعة عن أجواء الريف وعلاقة الأنسان بالأرض وطرق الإنتاج والإستهلاك والتقشف الذي فرضته الفاقة المحيطة بذالك الفضاء، وتمسك الأنسان بالأرض تمسكا جعله يرفض كل إفرازات الحداثة(آثاث البيوت والتلفزة والدراجة البخارية ..الخ) حتى جعلته يرفض حتى انتماء الأبناء الذين لايحافظون على أرض آبائهم، حينما قال زعفان لأبنه غاضبا: " الله يلعن أبوك وابوهم ".

القصص الأولى، إبتداءاً من الغزو الجميل الى عصافير، تتناول العلاقات الإنسانية وتحديدا بين المرأة والرجل . المطارحات الغرامية، العشق واوجاع الرغبة، أحلام في لقاء او فراق . ففي القصة ألأولى يسفح الكاتب نصا يكشف عن تصدع في مؤسسة الزواج وإنكسارها، لطبقات إجتماعية مترفة ولكنها جائعة لرغبات الجسد . " في البيت سألها الزوج هازئا عن حفلة رأس السنة فردت هادئة - أحلى حفلة في حياتي ..ص8 . وفي القصة الثانية تبرز الثيمة إيّاها، من خلال حوار ساخن عن مشروع حب يتأرجح بين الحقيقة والتمني، ويتكرر نفس الموقف في النصوص الموالية . ولكن الصوت الذكوري هو الذي يطوّع السرد لصالحه، فتبدو المرأة صدى باهتاً لصرخات الجسد، كما تبدو غير قادرة على لجم رغباتها الجنسية . ومن المفيد القول أنّ الكاتب استخدم قدرته التعبيرية، واستخدم ثراءه اللغوي ليتحول النص النثري أحيانا الى مقاطع شعرية كما في قصة هي هجرة أخرى والتي يشحنها بلغة اقرب الى الشعر منها الى النثر " فلتشربي البحر أيتها ألسماء/ فلتمطري أكثر أيها السحابة المحلقة ...الخ ص20 .بعد ذالك ينتقل الكاتب الى فضائه الأثير على نفسه وهو الريف، الذي يتجلى من خلال الطفولة الشقية والمعذبة والتي تعاني من إنعدام وسائل النظافة والتي تجعل هذا الطفل الصغير فريسة لأسراب القمل الذي يعشعش في راسه وبين ملابسه، ومن خلال السرد يقرب لنا الكاتب وبواقعية عالية، اسلوب المعيشة القروي وتدني اساليب التعليم وقسوتها .وفي قصة اخرى يتناول حدة الواقع المعيشي وخشونته وطريقة وسائل الإنتاج التي تعتمد على المقايضة- البيضة مقابل علبة الكبريت - ووفق هذه التضاريس الأجتماعية التي تسرق الإنسان من طفولته . ولكنه -اي الطفل يحاول أن يتمسك بحلمه وألعابه، ولكنه يفقد علبة الكبريت ويكون العقاب كبيرا ..كما تناول القاص من خلال الطفولة لحظة الختان بشكل قصصي جميل، يبين الألم والإفتتان به مستفيدا من المفاهيم الفرويدية في هذا المجال، وكأن لحظة الختان رغم ألمها ودمها قربانا للفحولة الآتية، وكأنه شبيه للزواج . ومن خلال الدم تعلن لحظة البلوغ والرجولة ومن خلال الدم للبكارة تعلن لحظة إثبات العفة معجونا بالأنوثة ولذة الألم .لقد استطاع الكاتب أن يغوص بالجانب النفسي للطفولة وهي تحاول أن تصل الى مبتغاها الغريزي لتأكيد سيرورة الجنس البشري وهو يتناسل . بعد ذالك يتحول القاص الى تناول عالم القرية من خلال بطل واحد اطلق عليه إسم (زعفان) ومع ان الزمن الذي يحيط بزعفان لاينمو بشكل طبيعي ، وإنّ طبيعة الأحداث وتسلسلها لاتثير الأعتقاد إنه ذات الشخص . لأن زعفان في الرجال والأرض هو غير زعفان في الجائزة الكبرى، وكذالك في القصص التي تليها ،فمرة يكون شيخا حكيما يتمسك بأرضه ومرة يظهر كطفل مشاكس او كمراهق أومغامر . مما يدعو الى الإستغراب، هل اراد الكاتب ان يجعل من هذا الإسم رمزا لأبناء القرى والمناطق النائية ؟ قد يكون الإحتمال واردا، لاسيما وان الأسم بحد ذاته ذو دلالة على الغضب حسب اللهجة الدارجة المغربية، وقد يكون من نتاج الأسلوب الساخر الذي إتّخذه القاص طريقةً للتعبير . هل أراد أنْ يعبر عن الغضب مما هو سائد ،ام أراد السخرية من الواقع بإختراع اسم سيصبح قاسما مشتركا لكل الفضاء القروي ؟ كلا الأحتمالين وارد وممكن .

في قصته (الرجال والأرض) يدرك ألبطل قيمة الأرض ويقاوم كل محاولات الإغراء والضغوط لبيعها . لكنه يجد نفسه وحيداً أمام تيار التفريط بالأرض وبيعها لتلبية الحاجات الأستهلاكية الطارئة، حتى إبنه لم يقف معه . وكأن الكاتب يرمز الى إنهيار الأصالة وندرة من يتشبث بها . ولكنه في قصة أخرى يجعل زعفان كدون كيشوت يحارب طواحين الفقر بافتراضات غريبة، يوحي للجميع بأنه تحول الى فارس لايشق له غبار وإنه دخل باب الشهرة ولكنه ينكشف أمام الناس ويتحول الى شيء تافه . وفي قصة (المحاكمة) والتي تتحول الى توزيع أدوار لكل المهمشين والذين يعبرون عن مظالمهم يشكل تراجيدي وإنهم يحاكمون الواقع بإستحضار تراجيديا مفتعلة وواقعية في آن واحد، مما يجعل الممثلين يبكون حالة ذهنية تحولت من خيال ساخر لتصبح حقيقة مؤلمة تستدر دموعهم، وفي قمة الشد الدرامي يفجر الكاتب ابتسامة القاريء حينما يكتشف الممثلون إحتراق الأكل في الكميلة، وفي تقديري تعتبر هذه القصة متميزة وقد أبدع الكاتب في حياكة عناصرها . كما أبدع أيضا في قصته (من يجرؤ على التذكر) والتي يتحدث عن المناضل الذي يخرج من السجن للبحث عن حبيبته والبحث عن الماضي الجميل الذي فقده وهو في غمرة احتراقه من أجل المباديء التي إعتنقها، ولكنه يجد نفسه ضائعا في زمن لاملامح له، وحينما يستفسر عن المراة التي شكلت حلمه الأخير يجدها في زوبعة من حكايات في مجملها تجعله يعود الى اليأس والخيبة" سقطت الوردة من يده ..أحس بدوار غريب" ص79. ولكن هذا الإبداع يختفي في قصص اخرى ويتحول النص الى عبيء أدبي على المجموعة مثل قصة الجائزة الكبرى والتي لاتتوفر فيها اسلوب القص، بل تميل الى إدانة للأنتقائية في تفضيل النصوص وإعطاء الجوائز .

لقد كان السرد في أغلبه يتكأ على السخرية، والسخرية في أبسط مفاهيمها تعتمد على إضاءة العتمة بشكل فني، يتأتى هذا الشكل من خلال الإنفلات من الأطر الصارمة في جديتها لتقديم موضوع معين، ولكن تقديمه بشكل ساخر سيؤكد تأثيراته على المتلقي . لقد كان برنادشو فيلسوفا وكاتبا متميزا،ولكن أسلوبه الساخر كان سببا كبيرا في تأثيره على جمهرة كبيرة من المتلقين . السخرية أكثر ايقاعا وتأثيرا لدى القاريء، ولكنها أكثر صعوبة على الكاتب نفسه، فمن السهل أن تكتب الأشياء كما هي، ولكن أن تغلفها بطابع ساخر، فذالك يحتاج الى قدرة على إنتقاء اللحظة المؤثرة التي تثير ضحك المتلقي وربما الى إنهمار دموعه . لقد كان القاص محمد كروم حاذقا في توليف المواقف لأثارة القاريء واستدرار تعاطفه "إلتفتت فرأتني سابحا أطير. إعتراها الذهول . فإبتعدت . حاصرتها بنظراتي...لم تفه بكلمة واحدة . أشارت برأسها . أحنيت رأسي فاكتشفت أني خرجت بدون سروال ص18 " لقد إستطاع أنْ يجعل القاريء متعاطفا معه الى حد الضحك . وهناك أمثلة كثيرة زخرت بها المجموعة، منها على هيئة جمل صغيرة يبثها بين دفة النص ومنها ما يكون نصا كاملا . ثمة خيط رفيع في الفن الساخر مابين الضحك او البكاء، الحزن او الفرح . حينما قُدّم الى الفيلسوف سقراط كأس السم (قال له تلامذته : من المؤسف أنْ تموتَ دون ذنب. فأجابهم : وهل تظنون أنّ الموت سيكون أسهل لو كنت مذنباً ! فضحك تلامذته وهم يبكون) وهذا يدل على ان السخرية الضاحكة قد تضم حزنا عميقا .

لقد كانت لغة الكاتب تتوهج أحيانا للتحول الى بهاء الشعر ، كما ورد في قصته (قريبا سأحبك) فقد اشعل النثر شعرا، وكان من حقه أنْ يجعلها عنوانا لمجموعته لما فيها من همس شعري رقيق . ولكن هذه اللغة الشعرية تختفي أحيانا لتحل محلها لغة ركيكة رثة في تكرارها وفي بنائها في مواضع أخرى مثلا على ذالك " غرس منقاره في منقارها غرست منقارها في منقاره ..ً24 " كما أنّ أبيات المتنبي أصبحت عبئا على النصوص، وليس إضاءة لها . فقد حاولت أن اربط ما بين الأبيات ومحتوى النصوص فلم اجد علاقة وثيقة، ففي عرف السرد أنّ الإستشهاد بمتن نص آخر، سيساهم في إللإلتحام مع النص الجديد وسيحاول إثراءه ولكنني لم أجد أدنى علاقة بين الأبيات المبثوثة وبين السرد، اللهم الآ هذا البيت (حسن الحضارة مجلوب ..الى آخر البيت والذي يدل على أفتنان الكاتب بالريف وطبيعته العفوية وانحيازه ضد أجواء المدن .

لقد استخدم الكاتب اللهجة الدارجة بشكل جميل وقد شكلت بمجملها ثقلا للمعاني التي تعجز عنها اللغة الفصحى أحيانا فشكلت لمسة فنية في النصوص . وفي كل ذالك فقد كانت المجموعة القصصية (قريبا ساحبك) للكاتب محمد كروم عملا إبداعيا جميلا لكاتب يَزنُ ما يقول .

اوتاوة / كندا / 2014

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 3023 المصادف: 2014-12-15 00:36:01