المثقف - قراءات نقدية

دوائر الحنين في شعر السياب

rafef alfaresصوتٌ مسافر

عطر يتصاعد.

اسمه الحنين .

 

في اللغة كلمة حنين، مصدرها حَنَّ والحَنين (اسم)، وهو خروج الصوت من الفم وصوت النَّاقة إذا حنت وصوت الأم الى ولدها وصوت الذي في فؤاده نزعة ألم

وصوت الريح والنسيم الرقيق وصوت العود عند النقر عليه وصوت القوس عند الإنباض وصوت المرأة تفتقد زوجها (1) وهو اخيرا صوت المشتاق.

فالحنين اذن كل ما يشعر به الانسان من اشتياق يتعدى التذكر.

 

(الام)

حين نتناول السياب شعرا فأن اول ما يتبادر الى الذهن هو غربته .. يحلم بحضن الام التي لن تعود لتُقبل دمع صغيرها..تبدأ حياة السياب بحرمان لا يردم المه اي فرح .. ويكبر السؤال معه عن تلك التي لن تعود ..

((كأنِّ طفلاً بات يهذي قبل أن ينام:

بأنَّ أمّه – التي أفاق منذ عامْ

فلم يجدها، ثمَّ حين لجّ في السؤال

قالوا له: "بعد غدٍ تعودْ .. "

لا بدَّ أن تعودْ

وإِنْ تهامس الرفاق أنهَّا هناكْ

في جانب التلّ تنام نومة اللّحودْ

تسفّ من ترابها وتشرب المطر ؛)) (2)

 

لهذه الصورة الاليمة (الطفل يلج في السؤال عن عودة الام) اثر المعاول في اديم الروح.. الضياع الذي يولد فراغا لا يملؤه الا الدمع المنساب على جوانب النص والذي راكمته الغربة المتمثلة بالبعد عن القرية والوطن والام..

((هي دورة الأفلاك في عمري، تكوّر لي زمانه

في لحظتين من الأمان، و إن تكن فقدت مكانه

هي وجه أمي في الظلام

وصوتها، يتزلقان مع الرؤى حتى أنام)) (3)

 

(جيكور)

حنين يفرضه الواقع المر لليتم هذه الدائرة التي تشكلت في قلب الشاعر صغيرا ادرك من خلالها قيمة النعم الصغيرة التي تتجسد فرحة في قلب اي انسان يعاني الما مزمنا .. النعم التي لازمت الطفولة وكونت ذكرياتها الصغيرة الفرحة، النخيل الذي يعشقه في وهج النهار ويخاف اخيلته ليلا.. حبات المطر التي ترتسم في مخيلته بكل معانيها الهادئة والجامحة، الخير الذي يجلبه ومماثلته للدمع .. القمر حين يحتل كبد السماء هيبة وجمال .. السفن المصطفة بأشرعتها البيضاء والسمراء.. الطفولة بكل فوضويتها وفضولها تمد خيال الشاعر بالصور الصادقة التي ترتفع معها امواج الذكريات والحنين الى القرية الام ومنها الى اتساع العالم حيث ان العالم في نظر الصغير نهر ونخيل وجيكور التي احتضنت احلامه الصغيرة ..

 

((جيكور جيكور يا حقلا من النور

يا جدولا من فراشات نطاردها

في الليل في عالم الأحلام و القمر

ينشرن أجنحة أندى من المطر

في أول الصيف

يا باب الأساطير)) (4)

 

(الوطن)

دوائر الحنين في ذهن السياب متداخلة دوما فلا فاصل زمني يفصلها ولا فاصل مكاني انما يحركها ويوسعها او يقلصها عامل الغربة وما يعتمل في نفس الشاعر من حوار داخلي يناجي عالم الذكريات والحاجة الى الملاذ، وبالتالي الشعور بالحنين لا يخضع لفترة زمنية معينة فلايمكن ان ينتهي في سنةٍ ما ليبدأ في سنة اخرى، بل هو خضم متصار ع احيانا لا يجد لتقلباته عنوان معين او مسمى او حتى مسوغ .. الحنين بحر متلاطم لا يعرف حدودا او وجهة، يتدفق او يستفيض كلما اشتدت حالة من حالات الخيبة او الانتظار فيشتد صراع تفرضه حالة انية يحمل الشاعر على جناح الانين الذي لا يحط الا وقد أُنهِك بوحا ....

((جيكور ماذا ؟ أنمشي نحن في الزمن

أم أنه الماشي

و نحن فيه وقوف

أين أوله

و أين آخره

هل مر أطوله

أم مرّ أقصره الممتد في الشجن)) (4)

 

تسؤلات يوجهها الى افياء جيكور ونخيلها ولعب صباه يستنطق البعد علّ المسافات تهدأ حنينه الممتد في عمر يناضل ليقتنص بقاياه ((اين اوله ... اين اخره .. هل مر اطوله)) الانتظار يولد الخيبة والخيبة تمد اذرعها لتغترف من الذكريات طمأنة العاشق المريض الذي يبحث عن مأوى وسط نضال يمتد وصراع يأن تحت واقع مرير من الظلم والذي حاول بطبيعته الثائرة ان يغيره او يتمرد عليه بحثا هنا وهناك عن حالة استقرار ما.. في فكرة او انتماء يعوض الفراغ الذي يولده انتظار الافضل من الواقع المعاش..

((وفي العراق جوعْ

وينثر الغلالَ فيه موسم الحصادْ

لتشبع الغربان والجراد

وتطحن الشّوان والحجر

رحىً تدور في الحقول ... حولها بشرْ)) (2)

 

وفي العراق جوع ومطر .. انها الدوامة التي تُصدع اخر صروح المقاومة الانسانية .. الحنين داخل الرحم .. الغربة في الوطن الذي ينوء تحت الجراح ..

إلى الماء يسعى من يغص بلقمة ... إلى أين يسعى من يغص بمـاء(5)

اذا كانت اخر حصون الروح لا تحمل الملاذ فالى اين يسعى من يستنزفه الخذلان وتنهكه الانتظارات غير النكوص الى الذكريات (الحنين ) من جديد سعيا لراحة منشودة

((من أيما ظلم

و أي أزمنة في الليل سرناها

حتى أتيناك أقبلنا من العدم

أم من حياة نسيناها

جيكور مسّي جبيني فهو ملتهب

مسّيه بالسّعف

و السنبل الترف

مديّ علي الظلال السمر تنسحب

ليلاً فتخفي هجيري في حناياها)) (4)

فلا يجد الشاعر بدا من العودة الى احضان اليتم الاول وان كانت قسوته تلهب الروح فجيعة الا انه الحنين الذي يتأصل ثم يبزغ من ثنايا الالم يمنح النفس الهائمة هدوء لحظة ما قبل الرحيل)) كأنها كسر من أنجم سقطت

كأنها سرج الموتى تقلبها أيدي العرائس من حال

إلى حال

أفياء جيكور أهواها

كأنها انسرحت من قبرها البالي

من قبر أمي التي صارت أضالعها التعبى و عيناها

من أرض جيكور ترعاني و أرعاها.)) (4)

 

(الحب)

انها نهاية التمني بعد اليأس فقد اسلم قياده الى النخيل الى تراب القبر الذي امتزج بحنان اضلاع الام التعبى يرعى اخر امنيات الشاعر الذي هده الحنين الى الذكريات يرعاه من مجهول ما .. لكن النخيل لم يكن مجثم شجن بقدر ما كان حافز تأمل يذكره بعيني الحبيبة.. الحينين الى العشق

((عيناكِ غابتا نخيلٍ ساعةَ السحَرْ،

أو شُرفتان راح ينأى عنهما القمر .

عيناك حين تبسمان تورق الكرومْ

وترقص الأضواء ... كالأقمار في نهَرْ

يرجّه المجذاف وهْناً ساعة السَّحَر

كأنما تنبض في غوريهما، النّجومْ ...)) (2)

فعينا الحبيبة لدى الشاعر تضم نخيل جيكور ونهرها الذي يرجه المجذاف والقمر الذي كان يطارده صغيرا والنجوم التي تنبض بالمستقبل .. خلاصة تلك الدوائر بعد هم الوطن الذي عجز الشاعر عن ان ينتزعه من نفسه بالابتعاد والاغتراب، ففي غربته الجغرافية كان كل همه العودة الى العراق على ما كان يعرف فيه من الم ومطاردة .. فهي غربة تقوم امامها امواج الحنين الى الوطن

((جلس الغريب، يسرّح البصر المحيّر في الخليج

و يهدّ أعمدة الضياء بما يصعّد من نشيج

أعلى من العبّاب يهدر رغوه و من الضجيج"

صوت تفجّر في قرارة نفسي الثكلى : عراق

كالمدّ يصعد، كالسحابة، كالدموع إلى العيون

الريح تصرخ بي عراق

و الموج يعول بي عراق، عراق، ليس سوى عراق ‍‍

البحر أوسع ما يكون و أنت أبعد ما يكون

و البحر دونك يا عراق)) .... (3 )

في تداخل عميق بين دائرتين من الحنين مابرحتا تتنازعان نفس الشاعر، الحبيبة والعراق

((أتعلمين أيَّ حُزْنٍ يبعث المطر ؟

وكيف تنشج المزاريب إِذا انهمر ؟

وكيف يشعر الوحيد فيه بالضّياع ؟

.

.

وكلَّ عام – حين يعشب الثرى – نجوعْ

ما مرَّ عامٌ والعراق ليس فيه جوعْ .

مطر ...)) (2)

مهما حاول الابتعاد عن هاتين الدائرتين من دوائر الحنين الى اخريتين اقل حدة واكثر امنا واوضح معالم .. جيكور والام (من أرض جيكور ترعاني و أرعاها)

فالحنين الى ذكريات الطفولة هو البحث عن ملاذ امن من جور الحنين الاقسى .. الحنين الذي يعيشه في الحاضر وهو يطبق على اوردته، حبه للوطن الجريح الذي لا يجد فيه السكينة وحبه للحبيبة البعيدة .. دوائر من الشعور بالشد والاخذ والامتزاج تغلف شعر السياب بثورة هائلة ضد الواقع الاليم تمثلت بالمفردة المتقدة وحتى بحياته التي لا تعرف الهدوء من سفر الى سفر الى اعتناق افكار والانقلاب على تلك الافكار، الى ثورته ضد قوانين الكلمة مما انتج كنهاية منطقية لصراع قديم وممتد، ريادته لمنعطف القصيدة العربية وقيادته لها ثائرا على القيد الذي استحكم على عنق حياته، الى الوضوح والتبسيط وعمق الفكرة .

 

....................

هوامش

(1) قاموس المعاني

(2) من قصيدة انشودة المطر 1954

(3) غريب على الخليج

(4) افياء جيكور

(5) قصيدة نسيم عبير في غلالة ماء للشاعر العباسي (317هـ) نصر بن أحمد بن نصر البصري المشهور بالخبز أرزي وقد جمع ديوانه صديقه ابن لنكك .

 

 

 

المشاركون في هذه المحادثة

تعليقات (3)

This comment was minimized by the moderator on the site

ربما لدي مداخلة. السياب هو المحبذ عندي بين فرسان الحداثة.
و أعتقد أن السياب بموته لم يتوقف إنما تابع المهمةسعدي يوسف. و إن اختلفت النهايات فالخطاب و الأسباب متشابهة.
الشكل و التحديث و الانقلاب على الماضي و الدراسة.. الأدب الإنكليزي؟
و إذا تبرأ السياب من شيوعيته و تمسك بها سعدي فهذا ليس بذي شأن في حالة الدوافع التي تعمل بالاشعور.
أرى أننا دائما مطالبون بمزيد من التمحيص و التحليل لشعرية السياب و عقدته النسائية.
و هذه المقالة تمهيد لمفاتيح مهمة هب مثل علامات في قصائده..

صالح الرزوق
This comment was minimized by the moderator on the site

القدير صالح الرزوق تحية عطرة
اشكر مداخلتك اللطيفة وكما تفضلت هي محاولة متواضعة لسبر الغور الشعوري والفكري لهذا الشاعر الذي طالما تلقفته الظروف بين مد وجزر كان نتيجته هذا الخضم الهائل من المشاعر ...
الف شكر لمرورك واطلاعك
تقديري

رفيف الفارس
This comment was minimized by the moderator on the site

الاديبة الكبيرة رفيف الفارس المحترمة
يبدو لي قراءتك نفسك اعمق من قراءتك للسياب ، حنينه والمه معروفة اسبابه ،علة ومرض اما اسبابك انت حنين لغربة في وطنك ام من سكين زرعت في خواصر احساسك المرهف على وطن تمزق وتطايرت اشلاءه بين جنسيات العالم....!؟ احسستك غربة في وطنك ان كنت فيه ، اعذريه رجاء وارحميه ، فهو ينزف ، وسكاكين الغدر لم تبق منه شيئا....لا ادري تناولتني الكآبة والتهمني الحزن وانا اقرا لك هذه السطور ، اهي قوة الادب فيك ام تواصل في النفوس ام حنين على وطن سليب.....سلمت الانامل وسلم الذوق الرقيق والاختيارات الرائعة، هذا ليس غريب عنك....الانثى سيدة الاحساس ، كيف وهي سيدة للقلم.....!!
عافاك ورعاك الهمينا جديدا
اخوك عبد الرزاق عوده الغالبي

عبد الرزاق عوده الغالبي
لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 3025 المصادف: 2014-12-17 09:39:09