المثقف - قراءات نقدية

قصيدة الهايكو

الهايكو أو الهانيكو باليابانية :俳句 هو أسلوب ياباني في كتابة الشعر، من خصائصه تكثيف اللغة وحشد المعاني، وأحكام الصياغة . دائما ما أختلط على الناس مصطلحات     الهايكا والهكو وتعني حرفيا مستهل القصيدة بداية تسلسلها فأن كان المستهل أطل حينها يسمى بال-هايكا – والفرق إن الهوكو يؤسس لنغمة باقي القصيدة كما انه ممكن للشاعر أن يكتب هوكو فقط دون أكمل قصيدة .

الهايكو الياباني مدين بدرجة كبيرة لجهودMasaoka Shiki الذي أسس لاستقلاليته ولمنحه رسميا عام 1890 مصطلح الهايكو .

أما موضوعاتها فأن أشهر قصائد الهايكو تحكي عن تفاصيل وحالات يومية ولكن من زاوية جديدة تجعل الحالة المألوفة جديدة تماما على المتلقي . تتكون قصيدة الهايكو من جزأين ويكون بينهما حيز خيالي يترك للمتلقي فرصة الولوج الى القصيدة . كما ويبدو استقلال المقطعين إلى حد بعيد عن بعضهما البعض من ناحية الشكل وأن يكونا متصلين من ناحية المعنى بحيث يغذي كل واحد فهم الآخر . ولعمل هكذا قطع علينا ان ننهي احد المقطعين بنقطتي تنصيص(:) أو بشرطة .

ولعل من الشروط الواجب توفرها في قصيدة الهايكو وجوب احتوائها على (kigo) وهو كلمة فصلية توضح في اي الفصول كتب الشاعر الهايكو . على سبيل المثال (الأزهار) أو (الكرز) تذكر للدلالة على الربيع (الجليد) للدلالة على الشتاء أو (البعوض) للدلالة على الصيف . مع مراعاة أن لا تكون الكلمة الفصلية مباشرة . كما إن أهم الشروط التي يجب التزام الهايكست بها هو تجنب التشخيص أو أنسنة الأشياء . فالإنسان ليس مركز الأشياء بل هو خيط في شبكة كلية، حاله حال بقية الموجودات من تراب ونبات .

 

مختارات عالمية معاصرة من شعر الهايكو الياباني باللغة العربية

في كتاب “هايكو ـ مختارات عالمية معاصرة” يذكر المترجم جمال مصطفى أن الهايكو لم يعد يابانيا فقط بل تأثر به الكثير من الكتاب وأخذوا يتأملونه ويكتبونه في درجة متماهية مع مفهومه وبطلاقة شبيهة لما عرفه اليابانيون، فنجد نصوصا لشعراء من أميركا وأوروبا وأستراليا وبعض دول آسيا الأخرى مثل سنغافورة. ويشير إلى أن الهايكو انتشر في بعض البلدان الصغيرة مثل كرواتيا وأخذت تجاربه تبدع الهايكو بشكل مميز وبروح أضافت له الكثير من الدهشة، لكن الهايكو في اللغة العربية ولدى تجاربه الشعرية ظل غائبا مع قدرة اللغة العربية وحساسيتها الجمالية وما يمكن أن تضيفه لذلك المفهوم الشعري، وإن وجدت بعض التجارب المتفرقة إلا أنها لم تتجه مثل بقية التجارب التي أخذت الهايكو على محمل الجدية من بلدان أخرى إلى كتابة الهايكو في نفس هذا التصور الجمالي الحسي بأبعاده وتراكيبه، بل بقيت أسيرة ومقيدة بمفاهيم الشعرية العربية التي تسيطر عليها تصورات أخرى للشعر يتمسك بها الشعراء سواء كان ذلك برغبة منهم أو بما يتسرب إليهم من ذهنية محددة ومستقرة عند حدود الدرس الشعري، فبعض الشعراء شرع في كتابة الهايكو لكن سرعان ما تغير المسار الشكلي والفني أو حتى في المضمون والموضوع إلى شعر اللحظة أو الخاطرة أو ما يسمى بالومضة، وهذا لا يعني أيضا أن الهايكو الحديث أو ما عرف باسم الها يكو المديني لم يتطور بل أصبح هو الآخر يذهب بعيدا عن الطبيعة إلى قضايا الإنسان المعاصر، ولكن في حدود أثر الطبيعة تلك وما تفرزه قنوات التطور الحضاري والمعرفي. نقرأ معا الشاعر اريكا لامارش وهو يقول: “مدينة صغيرة/ دراجتي تعرف الطريق”. وآخر اسمه كرستين ديمينج يقول: “أول السنة.. آثار الأقدام هنا وهناك.. على ثلج السنة الماضية”.

لقد استطاع الهايكو بكتابه الجدد أن يضيفوا عوالم المدينة الجديدة غير متناسين ما تهبه الطبيعة لهم من وقود لكتابتهم، فنقرا لدى شاعر استرالي هذا الهايكو: “مدينة صغيرة لاسياج من حول المقبرة”.. إنه يصور مدى صغر تلك المدينة بحيث لايمكن أن تتسع لسياج إضافي حتى لو كان للمقبرة، والاسترالي الآخر الذي يصف بلدة نائية ويقول: “بلدة نائية.. محطة القطار.. بلاسكك” هل لأنها بلدة نائية؟ هكذا يأتي الهايكو ليثير كوامن خبيئة في النفس البشرية ليشير من بعيد ويلمح ويلامس بجدارة ماقد يغيب عنا مع أنه قريب وفي المتناول.. وكل هذا ببساطة مدهشة نلمحها مثلا في هذا الهايكو للدنماركي لونه مونكسغورد: “نحن وحيدون كورقة الخريف تسقط إلى الأرض”، أو لنفس الكاتب مقطع آخر: “يد الحلم تصل إلى الطير في الحلم اللذيذ”. ليس بوسعنا سوى التوقف برهة أمام ما يخلقه الهايكو من دهشة وقدرة على المقاربة ورؤية العالم بمنظار عميق وطويل المدى، وكذلك سنقرأ لدى ميشل بارو الروسي: “ليلة عيد الميلاد حول الشجرة الاصطناعية أتظاهر بالفرح”.

*أما في كتاب النهر - زوجة التاجر

 

(لي بو / ترجمة: عزرا باوند)

 

سحبتَ قدمكَ عندما اجتزتَ ناصية البوّابة.

الطحلب الآن صار موغلاً، بل طحالب كثيرة

توغّلت... يصعب عليَّ إزالتها!

أوراق الشجر سقطت مبكراً هذا الخريف،

سقطت في الريح.

شرانق الفراشات اصفرَّت

مع بداية شهر آب.

والعشب طفر من الحديقة الغربية؛

وأصبح يؤذيني، يوجعني...

يبدو أنني تقدّمت في السنّ.

إن كنت قادماً من خلال أضيق مضيق لنهر كيانج،

أرجوك أن تخبرني مُسبقاً،

لأخرج لمقابلتك

من أعلى قمّة لأعلى تلّ.

 

لتبسيط هذا النص إليكم شرحاً مقتضباً لبعض الأحداث:

نرى الطفل والطفلة، الولد والبنت (أنت وأنا) كرجل وامرأة في عالم البالغين. وفي الثقافة الصينية القديمة، كما في بعض الثقافات الحالية، نجد تقليد الزواج المبكر، وبالضرورة تحوّل الطفلة إلى امرأة تكنُّ لزوجها أقصى درجات الاحترام والخجل. في المقطع التالي تكمن الحياة الزوجية والانتقال إلى المتعة والسكن حتى تصل ذروتها فلا تتمنّى الزوجة أي شيء أعمق من الحب الذي تعيشه الآن. بعد ذلك صورة الفقد والاعتزال تبدو ظاهرة وواضحة عندما يتحوّل الزوج إلى «تاجر النهر» ويسافر مع المياه ليعمل في العالم البعيد في الجزر البعيدة، وتنقل الزوجة ألمها ووجعها بصورة لافتة وعبارات محدّدة تعكس الصورة والصوت من أعماق الطبيعة المحيطة وأعماق ألم الفراق. السطور الثلاثة الأولى من المقطع الأخير تعكس غياب التاجر مع النهر، وبعد ذلك يبدو أن الفراق كان مؤلماً للزوج تماماً كالزوجة. البوّابة الواردة بعد ذلك هي البوّابة نفسها التي ذُكرت في بداية القصيدة، والمرأة عادت بالذكرى إلى ذلك المكان لرؤيته، لكنها على مضض أُرغمت على رؤيته مودِّعاً مرّة أخرى، بالنسبة إليها لم يقتصر الأمر على مشاهدة ذلك الطحلب القديم ينمو، وإنما تركها للكثير من الطحالب تنمو على ضفَّتَي النهر منذ رحيله، ما جعل إزالتها الآن بعد توغّلها أمراً في غاية الصعوبة. بعد ذلك مزيد من مشاهد الفراق والوجع تتداخل بصورة دراميّة محزنه .

 

الهايكو وقصيدة النثر

يقول الدكتور رامز طويلة (شاعر هايكو ومؤسس مشروع الهايكو العربي) حين سأل عن التقاطع بين الهايكو وقصيدة النثر :

أنه ورغم وجود تقاطعات كثيرة بين الهايكو وقصيدة النثر التي تتميز بسردية أكبر وتتناول الأفكار الممكنة ولا ترتبط بزمنية معينه، مما يتيح استخدام كل مكونات اللغة عكس "الهايكو" الذي نجد من خلاله اهتمام اكبر باللحظة الانية . إلا إن العمق التأملي بالهايكو أكبر بكثير وهذا منبع الدهشة . كما لا يمكن اعتبار الهايكو انفصالا او انتقالا من مرحلة أدبية سابقة، رغم ان الأعمال الأدبية العربية تحمل الكثير من لمحات الهايكو، فالومضة الشعرية و الشذرة والخاطرة لا تخلو من هذه اللمحات ولكن ليست هايكو من الناحية البنيوية والقواعد الكلاسيكية الأساسية .

وكخلاصه بسيطة لما تقدم أعلاه فأن " قصائد الهايكو لا تقترح الكثير بأن تقول القليل فقط، بل أيضا توضح إن الشعر فعلٌ الحياة "

 

بقلم : سميرة سلمان عبد الرسول

..........................

** “هايكو ـ مختارات عالمية معاصرة” ترجمة جمال مصطفى ...

** النهر وزوجة التاجر للكاتب الصيني " لي يو " ترجمة عزرا باوند......

** مختارات من الشعر الأمريكي، ترجمة وتحقيق شريف الشهراني (2011) بيروت : دار الغاوون ....

لقاء مع الدكتور رامز طويلة

 

 

المشاركون في هذه المحادثة

تعليقات (4)

This comment was minimized by the moderator on the site

الكاتبة المتألقة سميرة سلمان
ودا ً ودا ً

شكرا ً ايتها العزيزة على هذه المقالة التعريفية بالهايكو .
شكرا ً لأنك جعلت كتابي واحدا من مصادرك في العربية عن الهايكو
أود في هذه العجالة أن أذكر مساهمات الشاعر العراقي الراحل حسين عبد اللطيف
في إبداع هايكو عربي يستقي مفرداته من البيئة العربية ومن بيئة البصرة تحديدا
وكذلك الشاعر المغربي أحمد لوغليمي فهذان الشاعران كرّس كل واحد منهما
ديوانا كاملا خاصا بالهايكو . وربما سيزدهر الهايكو في المستقبل القريب إذا
انتشرت ترجمات الهايكو وتم التعريف به جيدا كما في مقالتك هذه .
شكرا سيدتي على جهدك المتميز .

جمال مصطفى
This comment was minimized by the moderator on the site

الأستاذة سميرة سلمان المحترمة
عام بهيج حيث يبدأ بالهايكو البديع
قرأت مقالتك وكان دافع القراءة هو تطرقك لشعر الهايكو ووجدت من الضروري أن ابين بعض الشيء حول ما ذهبت اليه من أن شعر الهايكو واسلوبه قد اقتصر على مابينته وهو اليايابان وبعض شعراء من غير الناطقين بلغة الضاد ويؤسفني أن اوجه اليك لوما لايتعدى سياق الموضوع وهو اغفالك ما ينطق به العراقيين خلال حواراتهم واهزوجاتهم الشعبية وبعض الامثال المقاربة لمثل هذا النهج ( ياحوته يا منحوته هدي كمرنه العالي ) ومن الامثال ( القرد بعين أمه غزال ) وموت يا زمال لمن يجيك الربيع الخ والذي آلمني اكثر هو عدم القائك نظرة عما كتبته بهذ المجال من شعر لهايكو وبجزءبسيط وبمقالتين نشرتا على موقعي النور وصحيفة المثقف مشكورين الأولى بعنوان سبعة مقاطع هايكو فنية علق عليها مشكورا الشاعر الفنان جمال مصطفى في بداية تعليقه بالقول ما أبدعته في لوحاتك الشعرية هو بالضبط ما يمارسه شعراء الهايكو والمقالة الثانية بعنوان للهايكو شقائق أخر بادئا تعليقه بالقول مبادرة مشكورة وفي محلها للتعريف بالهايكو والاستاذ جمال مصطفى ضليع بهذا الشأن وكما اعتمدته في مقالتك بالاشارةالى كتابه المترجم هايكو مختارات عالمية ومن التعليقات التي وصلتني تعليق الاستاذ والباحث القدير خالد جواد شبيل ومنه قوله لقد كنت شاعر القصيدة وناقدها حيث وصفتها بالسهل الممتنع ومن اسرار قصيدتك هو قدرتك على الوظيف والتصوير ولايخفاكي إن الفنان التشكيلي واقولها بتواضع من امثالي هو شاعر هايكوبالفرشاة وأخيرا اقولها أن لاتبخسوا الاقربين منكم خلال البحث وخاصة الذين اجتازوا عمر الثمانين وأقولها بالهايكو باللهجة العامية ( قابل راس أبونه أكرع ) ودمت لنا باحثة مجدة ويمكنك العروج على المقالتين في النور والمثقف وباسمي الواضح وكل عام وانت بخير

لطفي شفيق سعيد
This comment was minimized by the moderator on the site

وعليكم السلام استاذي منبر العلم لطفي شفيق .. رغم حداثة الهايكو كمنهاج للشعر في العالم العربي الا ان الكثير من المبدعين تناولوه بشغف لمعرفه كنه واسلوب هذا النمط .. سرني كثيرا متابعتكم الراقية لبحثي المتواضع .. وسائني ان لم اّكر حضرتكم كمثال لهذا النمط الشعري .. ان شاء الله سأكتب بحث منفرد للكتاب العراقيين واسهامهم المائز للهايكو .. ارجو تقبل ودي واحترامي ياراقي

سميرة سلمان عبد الرسول
This comment was minimized by the moderator on the site

ابحث عن الفرق الموجود بين الهايكو اليباني الاصيل و الهايكو عند عاشور فني

قاري اسماعيل
لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 3040 المصادف: 2015-01-01 22:23:41