المثقف - قراءات نقدية

رواية "نازك خانم" بين شعرية السرد وتطرّف الشخصية

amir hushamعُرف عن الروائية السورية الصحفية لينا هويان الحسن ولعها وأهتمامها برواية النموذج النسائي البدوي والذي قد تتوافر فيه بعض صفات ومقومات السرد الناجح. وعليه أصدرت الحسن خمس روايات سابقة كان محورها شخصيات نسائية بدوية تمتح من واقع، عرفته بيئةً وتقاليد، الروائية نفسها حيث ولدت بين أحضانه. وفي مسيرة البحث الذي لا يكلّ منه القلم تهتدي الحسن الى شخصية تقول عنها أن لابد هنالك بين الدمشقيين من يتذكّرها، فهي الجميلة نازك خانم تلك التي جلست عارية أمام بيكاسو الفنان، وكانت ضمن العارضات العشر الأوائل اللواتي ألبسهن أيف سان لوران الفرنسي بدلة السموكينغ لأول مرة في التاريخ. وعلى ذلك تحددّت معالم رواية لينا الحسن الجديدة والتي أخذت من أسم شخصيتها الرئيسة عنوانا لها، كما أخذ غلاف الرواية صورة فوتغرافية لسيدة حسناء بلباسها الأحمر الغامق مع كلبها المدلَّل، مما يشي بعدم مألوفية الشخصية للقاريء العربي، وهو بالتحديد ما قصدت أليه الروائية.

ماذا تريد نازك خانم؟

ولابد للقاريء في رواية "نازك خانم" من أن يسأل عن السر وراء الأهتمام سردا ذاتيا من خلال ضمير الغائب بلسان الراوي العليم بشخصية نسائية غير مستقرة عاطفيا، رغم كونها تحمل من صفات الجمال ما يجعلها قريبة الى الأسطورة؟. فهي أي نازك المضيئة اللامعة والأسم على المسمى، شهاب نزل من السماء ووصلها بسلام، لم يحترق كبقية الشهب لهذا من حقه البقاء وإشعال نار الغيرة والفتنة والحب. فعلى ذلك تكون هذه السيدة التي تركت مدينتها الأولى دمشق وهي صبية لتدرس القانون في السوربون ولا تكمل دراستها وتعمل عارضة أزياء وتدخل أوساط الفن والثقافة في فرنسا، مستعدة لأثارة مشاعر الغيرة وفتنة الوله والعلاقة مع الرجل ولكن على أرض الوطن الأول والمدينة الأولى دمشق. وهكذا تصل دمشق وهي بعمر ال ٣٩ عاما ( يذكرني الرقم برائعة هيتشكوك السينمائية ال ٣٩ عتبة) لتدخل في علاقة حب جارف تنتهي بزواج غير متكافئ أو غير متجانس فكريا ينتهي مأساويا بقتل نازك خانم على يد زوجها كمال بيك بعد أن صار لها الخيار بين الورد الأحمر وطلقة المسدس. ولا يفوت الروائية من أن تقدّم لفصول روايتها بأقوال لحكماء أو شعراء أو فلاسفة تضعها بين قوسين، لتشير تلميحا الى ما سيقرأه المتابع لسيرة نازك خانم. ومن ذلك ( لحياة راعٍ بمثل هذا الجمال، لابد من ذئاب) لريلكه وقول بابلو نيرودا ( ما أطول الدرب، يا حبيبتي، لبلوغ قبلة)، أو قول نيتشه ( هذا ما يخلص من كل الألم ولَك الأختيار: الموت العاجل، أو الحب البطيء). وهنا لابد أذن من اضطراب شخصية وعدم أستقرار في سلوكية الخانم وما يحكم منهجها في الحياة، لدرجة تجعل من القاريء المتابع مندهشا غير مصدق أحيانا لما يرسمه قلم الساردة عن نازك خانم، تلك التي صرفت من حياتها عشرين عاما في فرنسا ودخلت في علاقات غرامية ومارست هواياتها في فن وأدب، وصالت وجالت في ميادين أهل الثقافة الفرنسيين، وعقدت معهم الحوارات مستغلة الجمال دون الذكاء، وعملت في التصوير الفوتغرافي والتمثيل لتستقر عارضة أزياء مثيرة. وهي لعبة السرد ذاتها في البحث عن الأستثناء في الشخصية وتأطير ذلك بالخيالي الروائي لشد القاريء تحقيقا لهدف.

تطرف الشخصية بين الخدعة والوهم

على أن قاريء رواية " نازك خانم" لابد له من أن يستدّل على اللامعقولية في بعض أحداثها، مما يترك الأنطباع بأن الشخصية المتطرّفة قد بلغت درجة من ممارسة الوهم حتى يصبح ذلك من المألوف غير المستغرب. وعلى ذلك تجد هذه الخانم وهي في فرنسا تقع بين أحضان الأيراني الثري مجيب شان بعد أستدراجه وهو العاشق لغيرها وسيلة بوسيس التي تنتهي حياتها بطلقة من ثري مغربي عاجلت رأسها خطأً. وثراء مجيب من نفطه أو نفط بلاده حيث تذهب الأموال هدرا على متعه بين نساء وقصر وحدائق غنّاء، حتى أنه اذا خسر في مغامرة معينة، يعود لأوهامه فيقنع النفس ويخدعها بأنه قروي ليس من الأثرياء. ولكن ماذا عن أوهام وتطرّف الشخصية الرئيسة في الرواية " نازك خانم " نفسها؟. ذلك التطرّف الذي قد يعود سببه الى عقدة زوجة الأب التي عانت منها نازك في بداية حياتها في دمشق، حيث دخلت في علاقة عاطفية وهي بسن ال١٧ عاما مع محام قادم من باريس، فوصفتها زوجة أبيها بالوقحة الفاجرة٠

ومن معالم تطرّف الشخصية:

٠ شاركت نازك خانم الثري شان الفراش في فرنسا لمدة عشر سنوات تشرب عصير البرتقال وتقرأ مجلتها المفضلة ماري كلير.

٠ عشقت أحد كتّاب اليسار الفرنسيين وتركته لأنه جلب لها وردة حمراء حيث رأت ذلك أمرا سخيفا يتداوله العشّاق فيما بينهم٠

٠ أيمانها بالنزوات حيث تقول نازك " لابد من النزوات، فلنكن شيطانيين قليلا". وتقول " الأستقامة تحد الحياة، بل وأكثر من ذلك، ستضع بوجهنا الحواجز".

٠ زواجها من الثري السوري كمال صاحب الفكر الديني الذي طلب منها أن تلبس الحجاب والذي لم يغفر لها ماضيها الملون والذي تعرفه كل دمشق.

٠ ولع نازك بالحروب حيث تذكر الساردة على لسانها أنها مغرمة بالحروب، ولولا الحروب لما تغيّرت خريطة العالم.

وهنا يتبادر الى الذهن ما قاله الروائي الفائز بجائزة نوبل في الآداب في عام ٢٠١٠ ماريو فارغاس بوسا من "أن الأدب يسمح بآن نعيش حيوات أخرى، وأن نخرج من فضاء متقلص، وأن نعبّر عن أنفسنا بأقدار تحطّم الروتين، تلك الأقدار التي تجعلنا نعيش مشاعر متوهجة تحولنا لكائنات مغامرة". وإذا كانت البدايات من الصفر في أي عمل أدبي مستحيلة ولابد للروائي من أن يتأثر بإبداعات الآخرين قاصدا واعيا أو عبر عملية اللاوعي، فأني رصدتُ روايات عربية أولى سابقة ركزّت جهدها على الشخصية النسائية التي يعشقها الآخرون. وهكذا كانت الرواية الأولى عربيا، رواية " زينب" لمحمد حسين هيكل وهو الذي تأثر بفيلسوف فرنسا وكاتبها جان جاك روسو حيث كان لزينب عشاقها وتجربتها وهي صبية في الحب لتموت وهي شابة محافظة على قصة حبها ومخلّدة أياها. وهذه هي رواية فتحي غانم " بنت من شبرا" وهي تعرض لحياة فتاة أيطالية أسمها ماريا تعيش في حي شبرا في مصر لترتبط بعلاقة حب مع رجل عربي حتى يتطور الأمر فيصبح صراع الأفكار والديانات واضحا. والحكاية بعد ذلك في " بنت من شبرا" أنما تُروى على لسان محامٍ طلبت منه ماريا الكاثوليكية أن يدافع في ساحات القضاء عن حفيدها عضو الجماعة الأسلامية المتطرفة!. وهنا لا ننسى أن كمال زوج نازك خانم في رواية لينا الحسن أنما هو من أثرياء سوريا الذين ينتمون لتنظيم حزبي ديني متشدّد ( نص في الرواية: وما هذا الأخوان حزب حقاً؟) وذلك في فترة السبعينيات في دمشق والتي يحكمها حزب كان يحارب تنظيمات الأحزاب الدينية حينها، ويضع في أهدافه تحقيق الوحدة والحريّة والأشتراكية، تلك التي تتندر عليها نازك خانم على لسان عمتها فتقول : في الشام أصبحت الأشتراكية بوفرة الانفلونزا.

وهنا تصبح اللعبة الروائية في رواية " نازك خانم" قائمة على تناقضات شخصياتها. فتطرّف نازك نفسها وحبها المظهري الشكلي للماديات في الحياة: العطر، الفستان، اللوحة الفنية، الكاميرا والصورة، مسابقات ملكة الجمال وتسريحات الشعر، والولع بجلود الثعالب، أنما يقابله من جهة أخرى تطرف كمال الثري الذي أقترنت به وهو الذي رغم الثراء إلاّ ان شخصيته قد حوّرت بشكل يتناقض تفصيلا وشخصية نازك التي تتعمد أغاضة كمال (لماذا؟) بحديثها عن العصر الجاهلي وفكرة تعدد الأزواج!. على أن كمال الرجل الناقم "لم يكن قادرًا على تغيير شيء في قناعاتها"، ولكنه أتهمها مرة قائلا: "أنتِ مثل أوربي يزور الشرق ليسخر من عادات مجتمع متخلف وسلوكه".

الرواية بين اللغة ووحدة الزمن

وأما لغة الرواية فهي التي أهتمت في جانب كبير منها بالوظيفة الأخبارية والثقافية معبرة من خلال شاعريتها وأستعاراتها عن تشتّت الروح عند الشخصية الرئيسة نازك خانم، التي تسهب الرواية في وصفها لترسم هالة خاصة حولها تقرّبها من شخصيات الأساطير. وإذا كانت الوحدة الزمنية في الرواية تستعاد بين فصل وآخر بشكل تداخلي غير مشوش فأن الحرص على رسم صورة قلمية زاهية لنازك خانم يجعل القاريء يعيش معها وكأنه يراها تتجسد قادمة من ماضٍ جميل. وهكذا يتم التذكير بمناسبة أو دونها بكوكو شانيل وبيكاسو وبريجيت باردو وصوفيا لورين وراكيل وولش ومارلين مونرو وجين فوندا وفريق البيتلز والموناليزا وأدونيس وفينوس والأسكندر المقدوني وكليوباترا. أضافة الى التذكير بعام ١٩٦٨ في باريس وأضرابات الطلبة وتظاهراتهم. كل ذلك دون أن تنسى الروائية دفع قارئها للتزود بمجموعة من الأحكام والتي تقولها نازك الحكيمة ومنها: النساء لا يقمن وزنا كبيرا لنساء شغلن ماضي الرجل، بينما الرجل تفترسه خبايا الماضي في تاريخ أي أمرأة، والحب يأتي ولا يوجد، والطرقات الطويلة تبث الخوف وتبيح نفسها للأشرار.

ولابد من أن أذكر أنني شعرت في نهاية رواية "نازك خانم" من أن هناك ما سيتبعها سردا قد يركز بشكل واضح على الحوار، وقد يدخل في ميدان صراع الأفكار بين الحداثة والمعاصرة من جانب والماضي والتاريخ والتراث من جانب آخر.

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 3048 المصادف: 2015-01-08 23:31:17