المثقف - قراءات نقدية

الإبداع في قراءة النص

abas alaliأي نص بأي لغة ووفق أي منهج ولأي غاية لا بد أن يقرأ على حقيقة ذات بعدية متنوعة ومتعددة تشارك في استحضارها عوامل مهمة ذاتية في الموضوع الإبداعي وموضوعية لا يمكن الفرار منها،وهي أن النص بعد نشره سيكون عالما مستقلا يحمل شخصيته كاملة،تعبر عن فكرة أو مجموعة أفكار لها مستقبل خاص وتتزعم هدف أو تزعم به أو تسير نحوه بعيدا عن شخصية الكاتب وإن كانت تعبر في أحد أوجه ثلاث عن جزء منه لكنه خارج هذا العنوان يبقى كيانا يحمل هوية ما لا يمكن إلصاقها بالكاتب كليا ولا يمكن أيضا سلخها من تأثيرات المنشئ وامتداداته الما بعد النصية .

النص عبارة عن سلسلة من التفاعلات بين الذاتي والموضوعي والحالي والبيئي والأجتماعي والتاريخي فهو ليس وليد فراغ ونبت من ظاهرة العدم، النص وليد فكرة متواصلة ونتاج خليط متضارب ومتسق ومتنوع من عوامل وإشكاليات ليعبر عن شيئين مهمين، واقع يشهد له وهدف ينشده وأيضا من خلال منهج وأسلوبية مميزة لا تتكرر ولا تتماثل بين أكثر من شخص، لذا كان سهلا على الناقد النصي أن يتبين من خلال البنائية والشكلية الذوقية خلفيات وشخصيات وحرفية الكاتب، تماما كما يفعل الناقد الفني حين يتعامل مع لوحة تشكيلية فهو يقرأ حتى حركة الألوان المميزة لينسبها لمنهج معبر عن روحية أبدعت في صنع لحطة الحركة تلك .

إذن النص اللغوي لبس بعيدا أبدا عن هذه المحددات بل إن الفرادة في طريقة البناء وهيكلية هذا البناء والجمالية التي توصم الشكل وحتى تقديم وتأخير وتصميم الفكرة إنما تعبر عن بصمة ذاتية لكل فرد خاصة وأن فكرة الأسلوب النص لا يمكن أن تتكرر أكثر من مرة ولمجرد التكرار لا يحسب للثاني وما بعده على أنها أنجاز وتسمى تقليد، وحتى هذا التقليد يفصح عن شخصية ظليه أخرى تعيش تحت هاجس المبدع الأول .

بعد هذه المقدمة يبدو السؤال الآن أكثر تعقيدا هل ما نقرأ في النص يعبر عن روحية تعود في الأساس بتشكيلاتها للكاتب التي يجب أن نقرأها كما أراد أم هي روحية القارئ الذي تلقى شخصيا نص مشحون بجملة من المؤثرات التي تريد أن تؤثر فيه وتدفعه نحو وجهة نظر أو فكرة محددة ليتبنى منطقها، أم أن المسألة أكثر وأكبر من حقيقة النص وعلاقته بالكاتب والقارئ وأن النص هو هوية مرحلة وتعبير عن روحية زمن يدور في فلك الفكرة ذاتها أو كما يبدو كذلك،الرأي الغالب أن النص خارج الذاتيات هو أعلان عن موقف ما يحمل رسالة ويريد أن يصل لنقطة حاملا معه القارئ ليقول كلمة أو يتخذ موقف، إنه عالم الأثر والمؤثر، هذا للقارئ العادي الذي لا يعيش إلا الفكرة في النص القارئ الذي يبحث عن كونية محددة عندما يختار.

الناقد بأعتباره قارئ ممتاز لا يقف عند عالم كونية الفكرة وتجردها من محيطها وتأريخها، بل يعبر بها إلى أدق تفاصيل الزمن الفكري والبيئي والنفسي أنه يبحث عن منظومة العلاقات كافة التي جعلت هذا النص يولد في هذه اللحظة وهو يقرأ بين الحروف مسافات وأماكن وأحداث، وهذه القراءة النوعية ليست قراءة عادية حتى يمكن تعميمها على أنها الكيفية المثالية، إنها الأستثناء الذي يفحص النص سريريا ليستخرج كل المعادلات وليؤسس ويكشف مفاهيم أحيانا تبدو حتى غريبة للناص صاحب النص ومبدعه، إذا نحن نتكلم عن ثلاث حقائق، نص تأريخي قبل أن يكون بمتناول القاري، ونص وجودي بيد القارئ العادي ونص متشعب له عالمية خاصة وتفصح عن كونية فيها الكثير من التفاصيل التي لم تدرك ولن تدرك بدون هذه القراءة، هنا يمكننا أن نصف القراءة على أساس الزاوية التي ينطلق كل قارئ منها للنص .

طريقة القراءة ونتائجها مرتبطة أصوليا بما يريد القارئ ذاته أن يقرأ فلا تخلو المسألة من أمتداد ذاتي له ولا تنتهي عند بناء النص المادي ولا تتوقف عند القصديات والغائيات أنها عملية إبداعية أيضا، القارئ المبدع هو القارئ الذي يصنع نصا أخر مضاف للنص الأصلي بما يمتلك من قدرة على التحويل والتأطير من خلال فرض منهج متميز للقراءة وليس إقحام بلا منطق لشروط القراءة المبدعة التي تتخلل النص وتستنطقه دون أن تخرج النص من حدوده البنائية .

المشاركون في هذه المحادثة

تعليقات (1)

This comment was minimized by the moderator on the site

نقد سابق......
http://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=428054
تبدأ المقالة بمنطق صحيح ثم ينهار هذا المنطق كلما تقدمنا بقراءة المقالة ((يرفضون نتائج العملية السياسية الحالية وأفرازاتها العقيمة لأنها وحسب ما أتبنى من مفاهيم مدنية جاءت عرجاء وحولا ولا تسمع ولا تتكلم إلا من خلال منافذ طائفية عنصرية تستهدف الوجود العراقي كمجتمع من عمقه من أساسات الأرتكاز التكويني وبالتالي فهي لا تمكن أن تنتج أكثر مما صممت من أجله )) هذا صحيح تماما ولكن ماذهبت إليه في (( أن القراءات الواقعية لمرحلة التغيير التي شاركت فيها الكثير من القوى السياسية والشعبية والمرجعية الدنية وأول من نادى بها التيار المدني السلمي الديمقراطي ومن خلال طرح مفهوم المواطنة القائم على فكرة وطن واحد مواطن واحد)) يتناقض مع ما ذهبت إليه في الفقرة الأولى ثم هل تعتقد أن مصممي هذه العملية السياسية العوراء العرجاء الصماء بدستورها المليء بالألغام سيتركون العبادي يفعل ما يملي عليه تكوينه وهو قد جاء كما نعلم عن طريق إرادات مصممي تلك العملية التي وصفتها بالعرجاء وووو وبضمن شروط لابد أنها لا تخفى عليك وعلى هذا أرى إن آمالك بما تطمح إليه من تغيير لا نصيب لها من الواقع ، شكرا لك أستاذنا المبجل .

ناقد
لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 3057 المصادف: 2015-01-18 00:56:15