المثقف - قراءات نقدية

قراءة في المجموعة القصصية: قصتي مع جاكي شان للقاص الخضر الورياشي

abdulwahid ijtatitيُعد القاص المغربي الخضر التهامي الورياشي من الكتاب المتميزين في مجاليْ القصة القصيرة والقصة القصيرة جداً. فقد عرفناه عن طريق الفضاء الإلكتروني من خلال ما كان ينشره من نصوص قصصية، ثم بعد ذلك أصدر باكورةَ إنتاجه عام ألفين وأربعة عشر -2014م- بعنوان "قصتي مع (جاكي شان)... و.. جنية الكتب... وقصص أخرى"، عن مطابع الرباط نت، ثم أصدر مجموعته الثانية المنتمية إلى جنس القصة القصيرة جداً في نفس العام. ويبدو أنه حريصٌ على مواصلة المشوار في فضاءات السرد والإبداع القصصي، وستصدر له مجموعة قصصية أخرى قريباً.

في هذا المقال سأقدم قراءة في المجموعة الأولي للكاتب، والتي صدرت ضِمنَ منشورات جمعية جُسور للبحث في الثقافة والفنونِ بالناظور. وقد قام بتصميم غلافها الخارجي محمد العطومي، وتتصدره صورة يظهر فيها القاص وهو يتوسط جاكي شان وجنية الكتب، أعلاها كُتِبَ اسم الكاتب باللون الأسود. والصورة تتلاءم مع العنوان الذي اختاره لمجموعته، والذي يذكرني برواية (الجنية)، للكاتب السعودي غازي بن عبد الرحمن القصَيْبي.

وهذا العنوان فيه إشارة إلى توصيفِ الجنس السردي الذي يَنتمِي إليه هذا العمل، وهو القصة. ومع ذلك فإن لفظَ "القصص" - الذي مفردُه قصة- لفظ تعميميٌّ، يبقى دالاًّ بصيغته ومحتواه في الذاكرةِ السرديةِ على نص مخصوصٍ من جنس النثرِ الفني، يقوم على الحكائية بأبعادها الفنية.

وتضُم المجموعة ثلاثاً وأربعين قصة، تتباين في الحيز الفضائي اختصاراً وتطويلاً، تنويعاً وتجنيساً، بمعنى آخر أن قصص المجموعة تتأرجح بين جنسَيْن أدبيين متلاحمين ومتجاورين، وهما: القصة القصيرة والقصة القصيرة جداً. وعليه فهي تصنفُ ضِمْنَ المجموعاتِ التي تمزِجُ بين القصة القصيرة، والقصة القصيرة جداً؛ على غرار ما نجد عند القاص نور الدين الفيلالي في مجموعته (حلبة الرهان الأصعب) والمبدع ميمون حرش في مجموعته الأولى (ريف الحسناء) وغيرهما.

ففي القصة القصيرة نجد الكاتب ينساق في الامتدادِ السردي، وفي توظيف النعوتِ والصفات والأسماء، ويكتب -أحياناً- متأثراً بفن الرواية عندما تسهب في السرد وتعتمد الأسلوب الوصفي لتستغرق نصوصه صفحتين ونصف. ويتسم أسلوبه بهيمنة السرد بشكل أوسع على حساب الحوار والمونولوج، إلا أنه أحياناً يلجأ إلى الخطاب الحواري؛ كما نجد في قصتي: (وإذا الأطفالُ سألوا) وقصة (قصتي مع جاكي شان!!).

أما في النصوص التي تندرج ضمنَ جنس القصة القصيرة جداً (الرجل الذي انتحر بثلاث رصاصات، وحدة الراعي، مسافرٌ تائه، بكور، ميتتان، لصُّ في بيتنا...) فنرى الكاتب يَختار حَيّزاً فضائياً محدوداً من الكلمات والأسطر، ويَعتمد الإيجاز والتكثيف والإيحاء، ونجد لديه الاهتمام بالفكرة أو الموضوع دون الاهتمام بالشخوص أو الكشف عن ملامحها أو تسميتِها، بل تأتي مُغيبة وغير موصوفة؛ ممّا يَعني أن الكاتبَ على درايةٍ بفنّ القصة القصيرة جداً وأركانها وتقنياتها. ويمكن أن نمثل هنا بنص (وحدة الراعي) الذي جاء في سطرين اثنين، يقول السارد:

"ظلَّ دهْراً يُشيّدُ بيتاً، ويَرْعَى أبناءً، وضحّى في سبيلِهما بالغالي والنفيس.

وحينَ كَبُرَ البيتُ والأبناءُ رأى نفسه وحيداً!!" (ص:7).

نلاحظ هنا أن الكاتبَ عَمَد إلى تجويع اللفظ، واختيار كلمات قليلة ذات إيقاع وإيحاء، لتأتي الجُمَل في غاية التكثيف والاختزال. ومن ثم نجد النص يَحترم الحجم القصير جداً الذي هو الميسم البارز - أو الميسم الحقيقي؛ كما يرى الناقد جميل حمداوي- لهذا الجنس الأدبي الوليد. كما أنه ترك مساحة بيضاء بعد النص ليَستكمل المتلقي ملأها بالتأويلات المُمْكنة، ويُشارك في توليد المعاني؛ ممّا يدل على وعيه بجمالية التلقي.

وأول ملاحظة يُلاحظها القارئ لهذا المتن القصصي: أن الكاتبَ في هذه المجموعة لم يكن بعيداً عن المجتمع، بل كان مُلتصِقاً به، يَنقل معاناة أفراده، ويَتحدث عن قضايا الواقع ومفارقاته بأسلوب انتقاديٍّ ساخر يحاول من خلاله تعرية هذا الواقع وكشف تناقضاته، ولم ينسَ الكاتبُ الواقع العربي الدّامي، الذي تعيشه بعض الدول العربية؛ ممّا تنقله وسائلُ الإعلام ونشاهده يومياً في نشرات الأخبار، لهذا جاءت الشخوص متنوعة جنساً وهوية ومكانة ووظيفة؛ منها الرجلُ والمرأة والطفل والفتاة والأب والحارس والشيخ والطبيب واللص والبواب والقاضي والعسكري...

بيد أن التيمة الغالبة على قصص هذه المجموعة تعرية هذا الواقع المُر والكشف عن تناقضاته، دون تقديمِ الحلول الناجعة لهذه الظواهر السلبية التي يُدينها؛ مثلما نجد في قصة (لعنة أمريكا) التي نلمَسُ فيها مفارقة ناجمة عن انفصال القول عن الممارسة، ومخالفة القول للفعل؛ إذ ترتدي الشخصيات الثلاث - كما رسمها القاص- لباساً غربياً وتجلس في مقهىً عصريٍّ، على طراز غربيٍّ، وتشرب مشروبات من منتجات الغرب، لكنها في نفس الوقت تلعن أمريكا حين تشاهدُ جرائمَها في الأوطان العربية وهي تعرَضُ على الشاشة. يقول السارد: "وفي لحظةٍ شدّت أنظارَهم صُورٌ كانَت تعْرضُها شَاشة تلفاز كبير، ماركة أجْنبية، وهي مناظر من مَيادين قتالٍ وعُنفٍ، بين قواتٍ عربية وأخرى غرْبية، بَدا فيها واضحاً السّيطرةُ والغلبة للأخيرة. فتعالتْ أصواتُهم بدرجةٍ واحدةٍ، تَحْمِلُ شتائمَ قاسية، وتصبُّ فوقَ المنْضدةِ لعناتٍ لأمريكا!!" (ص:4).

وثمة نصوص كثيرة تلامِس مختلف الحالات المرضية في المجتمع؛ كالنفاق العمليّ وانهيارِ الأخلاق والقيم النبيلة؛ ففي قصة (أثرة الهوى) يَبرُزُ سلوك الفتاة التي يَتكالبُ عليها العشاق ولا يَظفر في نهاية المطاف بالزواج منها إلا من قدّم مَهْراً حسناً بين يدي أهلها. وفي قصة أخرى بعنوان (اغتيال الحب في حادثة سير) يمضي الكاتبُ في تعريةِ هذا الواقع المُرّ بما فيه من قيمٍ منهارةٍ وأخلاقٍ فاسدةٍ عنوانها الطمعُ والخداع، يقول السارد: "بعد هذه الحادثة قلتُ بحزن: - عندما تغزو السيارةُ أحلامَ الفتاة، فإنها تقهَر فارسَ الأحلام، وينوبُ عنه سائقُ السيارة.. وبذلك يفسدُ الحبُّ أو يموت !!" (ص:22).

إلى جانب هذه المظاهر المجتمعية التي يُدينها الكاتب ثمة بعض النصوص يتطرق فيها إلى الواقع الذي تعيشه بعض الدول العربية، التي شهدت حروباً أهلية، وثوراتٍ ربيعية (مسرح الواقع العربي الدامي، هلوسات جندي، وإذا الأطفالُ سألوا، سُباتٌ عربي...). ففي قصة (وإذا الأطفالُ سألوا) - والقاص هنا يَستحضِرُ الآية الكريمة: "وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ بِأَيِّ ذَنبٍ قُتِلَتْ" (سورة التكوير: الآية: 8-9) - يُصور لنا القاص بلغة مكثفة معاناة الأطفال الذين نجَوا من الحرب، ويُحاول أن يَرسُم طبيعة الشخوص من خلال الحوار. يَسألُ أحد الأطفال الضحايا: (أين أبي؟ وأين أمي؟) وحين يُخبرُه جار لهم بأنهما غائبان إلى الأبد بسبب الحرب، يُجيب الطفل: (لكنّ أبي لم يكن محارباً وأمّي لم تكن جندية... !!).  

تلك هي التيمات المهيمنة على نصوص المجموعة والتي يَحضُر فيها عنصر الألم بقوة ويغيب عنصر الأمل. وقد جاءت أغلبُ القصص مروية من الخارج بضمير الغائب؛ لأنه يتيحُ للقاص أن يَعرف عن شخصياته وأحداثِ عملِه السردي كلّ شيء، بينما جاءت القليل منها مسرودة من الداخل استخدم فيها ضمير المتكلم، وثمة قصة واحدة جاءت بضمير المخاطب، وهي قصة (صديق الثورة).

ويتناص متن هذه المجموعة القصصية مع نماذج سردية قديمة؛ مثل ألف ليلة وليلة، كما أنه يُحيلنا على رواياتٍ عربية حديثة؛ مثل رواية (فوضى الحواس) للكاتبة الجزائرية أحلام مستغانمي، ورواية (الجنية) للأديب السعودي غازي القصَيْبي...

وهناك نصوص كثيرة متناصة مع نصوص أخرى؛ كما في قصة (عفواً أيها القدر!!) التي تعالج ظاهرة عرفتها البشرية قديماً وحديثاً، هي ظاهرة كراهية ولادة الإناث؛ حيث تحكي قصة رجل يُلح على زوجته أن تنجب له مولوداً ذكراً، وظل مُعترضاً على مشيئة الله، لكنه عاد إلى رُشده وتاب إلى مولاه لمّا وضعت أنثى وقدّر الله تعالى أن تولَدَ مَيّتة. يقول السارد: "جَثا فوق رُكبتيه الواهنتين، كأنمَا قوة خافية عاتية قهرتْهُ قهراً، وراح في غيبوبته من الحزن والألم. فلمّا أفاق قال: "سبحانكَ تبتُ إليك وأنا أولُ المؤمنين". ثم رفع كفيه إلى السماء، وردَّدَ بصوتٍ مُختنقٍ بالعبرات: - اللهم عفوك.. اللهم عفوك.. هي حكمتك الباقية، وإرادتك النافذة، وما عَدَاها زائل، زائل.. - ألا كل ُّ شيءٍ ما خلا اللهَ باطلٌ.. باطلٌ.. باطلٌ..." (ص:44).

إن هذه الظاهرة الشائعة في بعض المجتمعات لها جذور في التاريخ البشري؛ حيث إن أهلَ الجاهلية/ما قبل الإسلام كانوا يكرهون الإناث ويتخلصون منهنّ عند الولادة بالوَأد، وهي ظاهرة انتقدها القرآن في غير ما موضع. وهذا الموقف الذي تحكيه القصة يذكرني بقوله تعالى وهو يتحدث عن الجاهليين: "وَإِذا بُشِّرَ أَحَدُهُم بِالأُنثى ظَلَّ وَجهُهُ مُسوَدًّا وَهُوَ كَظيمٌ يَتَوارى مِنَ القَومِ مِن سوءِ ما بُشِّرَ بِهِ أَيُمسِكُهُ عَلى هونٍ أَم يَدُسُّهُ فِي التُّرابِ أَلا ساءَ ما يَحكُمونَ" (سورة النحل: الآية: 58-59). كما تحلينا العبارة التي جاءت على لسان الزوجة: "- ولدٌ أو بنتٌ، فكلاهُما في عِلمِ الغيبِ، ومَشيئة الله قبلَ مَشيئتنا" على قوله تعالى: "يَهَبُ لِمَن يَشَاءُ إِنَاثًا وَيَهَبُ لِمَن يَشَاءُ الذُّكُورَ أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْرَانًا وَإِنَاثًا وَيَجْعَلُ مَن يَشَاءُ عَقِيمًا إِنَّهُ عَلِيمٌ قَدِيرٌ (سورة الشورى: الآية 49-50).

ونلاحظ أيضاً أن القاص اقتبس النص القرآني الذي يَحكي قصة موسى عليه السلام لما ألحّ أن يَرى ربَّه رأي العين، وحين تجلى ربُّه للجبل جعله دكّاً وخرّ موسى صَعِقاً: "فَلَمّا أَفاقَ قالَ سُبحانَكَ تُبتُ إِلَيكَ وَأَنا أَوَّلُ المُؤمِنينَ" (سورة الأعراف الآية 143). وكلا النصين يُشير إلى طلب ما ليس في الإمكان، ثم الرجوع عن ذلك والتوبة إلى الله تعالى.

وفي نهاية القصة نجده استحضر بيت الشاعر لبيد بن ربيعة العامري، الذي يَحتوي على أصدق كلمةٍ تكلمت بها العرب، وهو قوله:

ألا كُلُّ شيءٍ ما خَلا اللهَ باطِلُ     وكـُـلُّ نعيمٍ لا مَحَالة زائـــلُ

وهكذا يتضحُ لنا من خلال نموذج قصة (عفواً أيها القدر!!) هذه أن الكاتب له من الثراء الفكري والمعرفي ما يَسمَحُ له بأن يستحضر نصوصاً أخرى عند نسْج خيوط نصه القصصي ويَستثمرها بطريقته الخاصة، من أجل أن تخدمَ نصّه وتثريه دلالياً.

هذا ويمتلك القاص براعة في التصوير وجمالية في التشكيل اللغوي، كما يَعتمد التشويق ويَحرص على إثارة دهشة المتلقي ويُهيئ للنهاية بشكل دقيق ليُحدث الصدمة والمفاجأة، وقد جاء أسلوبُه القصصي مُمتعاً وموضوعاته القصصية متنوعة.

إن المجموعة القصصية التي بين أيدينا تشي - حقيقة- بمشروع سرديٍّ واعد، نرجو له تمام الاستواء والنماء.

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 3068 المصادف: 2015-01-29 00:32:37