المثقف - قراءات نقدية

رواية سلالم النهار: الواقع الخليجي بمنظار المرأة (1)

alkabir aldasisiنواصل في هذه السلسة الغوص في الرواية الخليجية بنون النسوة فبعد قراءة رواية (بنات الرياض) للروائية السعودية رجاء عبد الله الصانع نفتح اليوم نافذة أخرى على روائية كويتية ، يتعلق الأمر بفوزية شويش السالم من خلال عملها (سلالم النهار) الذي سنخصص له سلسلة مقالات سنقتصر في هذه الحلقة الأولى على تقديم المتن الحكائي، على أن نخصص حلقات أخرى لمناقشة القضايا التي تعالجها الرواية ، والجنس في الرواية العربية من منظور المرأة، ونختم بمقاربة الجوع العربي الساكن في الأعماق من خلال الرواية

ورواية (سلالم النهار) صدرت في طبعتها الأولى عن دار العين للنشر القاهرة 2012 وهي آخر رواية لها، ونثير انتباه قرائنا أننا في الإحالات سنعتمد الطبعة الرابعة ؛ كما نشير الكاتبة بدأت شاعرة وكاتبة مسرحية قبل أن تقتحم عوالم الرواية ، فصدرت لها إلى الآن ست روايات هي:

   1.(الشمس مذبوحة والليل محبوس) عن دار المدى سنة 1997

   2.(النواخذة) عن نفس الدر سنة 1998

   3.(مزون وردة الصحراء) سنة 2000

   4.(حجر على حجر) عن دار الكنوز الأدبية ،2003

   5.(رجيم الكلام) عن دار الأزمة 2006

   6.(سلالم النهار) دار العين 2012

 

في (سلالم النهار) تنشر فوزية شويش تفاصيل روايتها على مسافة ورقية ممتدة على 258 صفحة من الحجم المتوسط، يحكيها بطلا الرواية (فهدة و الرشوش) وهي رواية موزعة على ثمانية عشر فصلا متفاوتتة الحجم هي:

   1. - الرقص: من ص 5 إلى 10

   2. - ورا...ورا ... ورا: من ص 11 – 17

   3. - فهدة: من ص 19 – 40

   4. - أبو الكلام: من ص 41 – 55

   5.- الأيام معه: من ص 57 - 69

   6. - الحب كالفلفل: من ص 71 - 90

   7. - جدتاي: 91 من ص – 104

   8. - أستاذ الخواتم: من ص 105 – 124

   9. - مشتهيات أمي: من ص 125 – 132

   10. - ليلة الخلق والقذف: من ص 133 – 144

   11.- عمي جاسم وخالي مرداس: من ص 145 – 161

   12. - الغول الساكن بي: من ص– 185

   13. - الروح في معارجها: من ص 187 – 196

   14. - خالي الرشوش من ص 197 إلى ص 212

   15. - ابني مفكر: من ص 213 إلى 220

   16. - مفرمة الأنا: من ص 221 إلى ص 233

   17. - سحابة سوداء: من ص 235 إلى ص 254

   18. - التفاتة: من ص 255 إلى ص 258

قبل الغوص في معاني الرواية وأبعادها والقضايا التي تقاربها وخصائصها الفنية ، نرى ضرورة الوقوف عند العتبات والمؤشرات الخارجية التي تقدم الرواية للقارئ وتبلور بعض الأفكار الأولية وتساعده على وضع وفرضيات للقراءة ... وإن تعددت هذه المؤشرات سنحاول الوقوف على مؤشرين أساسين يفرضان نفسهما على كل قارئ لهذه الرواية ونقصد بهما العنوان وصورة الغلاف:

لا شك أن العنوان يشكل أهم عتبات النص، ومدخله الرئيس ، وعنوان (سلالم النهار) عنوان مشحون بالدلالات والرمزية ، خاصة بعدما يكتشف القارئ أن هذا العنوان لم يرد قط في الرواية بصيغته الإضافية، مما يفسح أبواب التأويل على مصراعيها في أطار الربط بين العنوان والمتن والمبنى الحكائيين:

أول ما يتبادر إلى الذهن هو كون كلمتي العنوان محملتان بدلالات موجبة ؛ ففي السلالم إشارة إلى الرقي والتعالي ، مادامت السلالم في الأصل اخترعت من أجل الوصول إلى الأماكن العالية، فقد ورد في معجم المعاني (السلم ما يصعد عليه إلى الأمكنة العالية ، وما يتوصل به إلى شيء ما) قبل أن تصبح وظيفتها الربط بين الأعلى والأسفل ، والانتقال السلس بينهما كما هو الشأن بالسلم الكهربائي، وكذلك يحيل النهار على معاني موجبة مادام النهار مرتبط بالنور والوضوح بخلاف الليل والظلام...

وتكاد صورة الغلاف لا تبتعد كثيرا عن هذه المعاني فهي عبارة عن مساحة سوداء يتوسطها باب يخرج/ أويدخل عبره شخص من الظلام إلى النور.. ذلك أن انتشال التميمي صاحبة لوحة الغلاف اختارت شخصا يعسر على متأمل الصورة تحديد جنسه (امرأة /رجل) وتحديد اتجاهه (يدخل/يخرج) وفي كلتا الحالتين الخارج من الظلام إلى النور، أو الداخل من النور إلى الظلام، يحتاج وقتا قبل التكيف مع الوضع الجديد.. ومهما كان التأويل ففي الصورة إحالة على أسطورة الكهف التي تصور الناس سجناء في الظلام يعسر عليهم الخروج لنور الشمس الساطعة ، ولما تمكن بعضهم من مغادرة الكهف ورؤية نور الشمس صعب عليهم الرجوع للعيش في ظلام الكهف..

وبذلك يتوحد العنوان وصورة الغلاف في معاني مغادرة الظلمة والعتمة نحو النور والضياء، وتكون مصممة الغلاف بسمة صلاح قد نجحت إلى حد ما في هذا التكامل بين الغلاف والعنوان.. فإلى أي حد تتجلى بعض هذه الأفكار في الرواية؟ وهل لهذه المؤشرات الخارجية أي علاقة بما ورد فيها من أحداث وشخصيات وفضاءات... ؟؟

تنطلق الرواية على إيقاع الرقص حيث فهدة غارقة في الحفلات الراقصة المشبوهة التي ينظمها أبناء الطبقات الباذخة المخملية في الكويت، حفلات تقام للتفريغ وإطلاق العنان للمكبوتات وإراحة الجسد من شحناته المؤذية[1]، لتقدم البطلة نفسها واحدة من الفتيات المؤجرات لإحياء هذه الحفلات التي سعت من خلالها الساردة كشف عورة مجتمع يعتبر الرقص الذي يقوم على هز المؤخرات كاشفا للشهوات والإثارة و(بوابة الكشف عن عورة المخبأ في تلابيب الجسد)[2] و وإن كان الراقص هنا لا يختار الرقص وإنما يدفعه إليه العوز والحاجة فيرقص (مذبوحا من الألم)[3] جسده مطارد وطريد، ممزق بين الشعور بالألم واستعراض مفاتن الجسد تعبيرا عن جوع باطني....

من هذه الأجواء الراقصة تطوح الرواية بالقارئ في عالم مبني على التناقض والتقابل: فيجد نفسه في عتمات الواقع الكويتي المسكوت عنه، وواقع البدون الذي تضطر فيه الأم إلى دفع بناتها لامتهان كل ما قد يحقق الحد الأدنى من الحياة ، واقع بلد يكرس الطبقية ويرفض اعتبار فئات واسعة من أبنائه مواطنين (بلد تقاس فيه درجات الناس بالحسب والنسب، على السلّم التراتبي بالأصول وبالمال.) هكذا تجعل الرواية من هذه الحفلات الراقصة مشهدا من واقع الرجال الأغنياء الذين (يتدافعون حولنا نحن البنات المؤجرات لإحياء بهجة جلستهم التي لا تتأجج ولا تتوهج إلا بحضورنا ، وبرقصنا الذي هو الشاحن للمتعة والأنس وفرفشة السهرة كلها.)[4] كما تقول الساردة

الرواية تقدم البطلة من بنات البدون اللواتي (لا يملكن المال، ولا ينحدرن من تلك الأصول النقية العريقة الصافية في عرقها، والتي زادها المال وهيلمان السلطة والسطوة نقاء على نقاء.)[5] عاشت في الشارع ومن الشارع، حيث كل الأعمال (مباحة بما فيها توزيع المخدرات والخمور ، واختطاف الخادمات وبيعهن لقواد شبكات الدعارة والقيام بأعمال السرقة كلها من سرقة الأفراد إلى سرقة المشاريع الحكومية المتمثلة في الأعمدة والبايبات والأسلاك النحاسية وأغطية المجاري وكل ما يمكن نقله وحمله ...)[6] مع ذلك ظلت الكاتبة حريصة كل الحرص دفع البطلة للحفاظ على شرفها في مجتمع شرقي يرى أن (الشرف مثل عود الكبريت الذي لا يشتعل إلا مرة واحدة وإن اشتعل ضاعت منها فرصة إيجاد زيجة مناسبة)[7] وكل امرأة منهن (تابعة لأخ أو صديق أو رفيق والشرف مصون مدافع عنه)[8] فلم تيسر الطريق لبطلتها نحو الخلاعة والعهر وجعلتها محافظة على أخلاق الفقراء الشرفاء تسير بأوامر أمها المدير لأعمال بناتها، والمسخرة لأخيها لحمياتهن، فقوانين الأم (تسمح بشم الوردة أو بلثمها، وذلك تبعاً لظروف جيب الشام أو اللثام، لكنها لم.. ولن تفرط أو تسمح أو تتنازل بأكل أي وردة من ورودها، من غير الإشهار و الإعلان بذلك الأكل. دون زواج لن يتم الأكل فيها حتى وإن كانت وردتها من قاع المجتمع ، هناك من سيشتريها ، وسيبذل في العطاء، وهي من سيحدد الثمن.)[9]

تنقد الكاتبة بطلتها من هذا الواقع الفج وتمهد لها الطريق نحو مجتمع القمة بأن سخرت لها (نورة) الفتاة المنحذرة من أصول غنية نقية، لساعدتها في مواصلة دراستها بالجامعة، وتغدق عليها من أموالها .. وفي ذات الوقت تستغلها غطاء ووسيلة للقاء حبيبها اللبناني (زياد) وقضاء وقت من (الحب المسروق والمخفي والمطموس في سره عن الجهر والمجاهرة والذي هو مهرب وصعب المنال في ظل قوانين وأعراف لا تبيح الجهر بالعلاقات المحرمة ولا تسمح بقيامها خارج منظومة الحلال)

بل أكثر من ذلك فتحت الكابتة للبطلة أبواب الدنيا (بكل مداركها ومعرفها وعذوبة مباهجها ، وسحر الحياة المتذفق فيها)[10] بأن عرفتها في إحدى الحفلات الراقصة على ضاري ويختارها زوجة له ، ويسافر بها خارج الكويت.. لتقضي معه أياما ولا في الأحلام، تقول الساردة (مع كل هذه الإثارة والبهرجة التي فتحت لي أبوابا لعوالم لا أعرفها ولدنيا حتى في الخيال لم أحلم بوجودها)[11] مما أتاح لها عبور مختلف القارات (من نيويورك إلى ميامي، ومن هاواي إلى طوكيو، ومن هونج كونج إلى بانكوك، ومن الهند إلى روما وبرلين وفيينا وكوبنهاكن واستوكهولم حتى استقررنا في نهاية المطاف في باريس)[12]... وفي باريس تقدم الرواية تجربة عشيقين فريدة من نوعها، تجربة من كان يعاني جوعا عميقا وحرمانا قاسيا.. وانفتح على كل الملذات والشهوات فجأة. فكانت كمن ينتقم لجوعه وحرمانه في الأكل واللباس والجنس ليظل الجسد وسواسها مع رجل شهواني يعشق التجريب (ضاري إنسان شهواني، حسي، هوائي، متقلّب، غامض ليس بالإمكان معرفة ما يدور في داخله)[13] (ولنا عودة للحديث عن الجنس في هذه الرواية والقضايا المطروحة في الرواية)

بهذا الزواج تغادر فهدة عالم الشوارع وحياة البدون وتجر معها عائلتها من واقع الحضيض وتحقق لأمها ما كانت تشتهيه وتتمناه... وما كادت تستأنس بحياة الغنى ومغامرات الجسد حتى اختطف المنون ضاري من فوقها في لحظة حميمية ، وكانت وفاته صفعة أيقظتها من أحلامها ، وأعادها إلى الواقع، وظلت تلك الصفعة كابوسا يحاصرها أينما و حلت وارتحلت: (لم أدر كيف هربت.. كيف انسللت من تحت جسده الميت فيّ؟ كنت مرعوبة إلى أقصى حد.. كان الموت بداخلي وخلفي ومن أمامي، يطاردني من كل الاتجاهات، يحاصرني أينما اتجهت، وأينما حلت مجساتي، وقادتني حواسي.. يهرسني بالرعب والفزع، وأبقى وحدي في نار المحاسبة أصطلي.)[14]

ويكون اكتشافها لحملها بعد وفاة ضاري صفعة أخرى طارت بها في معارج الروح، وتبحث عن منقذ لوضعيتها، لتكشف لها أن جوع الروح أهول و(أبعد من جوع المعدة التي ألقمتها بالغذاء، وأبعد من ارتفاع هرمونات الأنوثة التي ألقمتها بالمضاجعة) لذلك لم تجد أمامها سوى البحث عن سبل لإشباع جوع الروح فقررت الهروب من كل مظاهر التحضر والترف، والزهد في الحياة ومفاتنها، لتجد نفسها في مكان شبه معزول عن العالم، لا تتوفر فيه أدنى مقومات الرفاه الاجتماعي، وفي ولاية مسندم تقرر العيش مع خالتها وزوجها في " هذا المكان المعزول على قمة جبال ولاية مسندم الواقعة على رأس مضيق هرمز، المتقاسم مابين إيران و سلطنة عمان. هروبي إليه كان ملجأ للروح ، وبحثا عن الراحة والأمان والسكينة..[15]" بهذا الهروب

تنقلب الحياة رأسا على عقب فمن السعي لإشباع جوع البطن والفرج في باريس إلى السعي لإشباع جوع الروح في مسندم ، ومن الانعماش في الشهوات والملذات إلى إذلال الذات والزهد في الحياة.. إذ تختار فهدة أن تعيش مكتفية بالعفاف والكفاف مقتصرة على العبادة وتربية ابنها ، الذي وجد نفسه لما كبر بين عالمين متناقضين متشابهين في ذات الوقت: متناقضين في الشكل ؛ عالم الأعمام الأسياد ذوي الدماء الصافية ، وعالم الأخوال البدون الفقراء.. ومتشابهين في الجوهر ينخرهما الفساد ويشاركان فيه كل بطريقته ، فيعيش الابن حياته معذبا بين لهيب هذين العالمين يقول معبرا عما يعتصر بداخله من صراع: (فكيف أكون أنا بناري وبشغفي وبصهيلي و فرادة روحي الحرة الهاربة من أقفاص الأسياد والعبيد ، من نموذج عمي وقالب خالي ورجعية أمي؟)[16]

 

ويحتار بين أن يقبل هذا الوضع في انتظار أن يكون وريثا لثروة العائلة، وبين رفض هذا الواقع والسفر للخارج ويريح نفسه ، لكنه في الأخير قرر البقاء والتمرد على الفساد معتبرا نفسه فايروسا قادرا على تدمير تلك الأعراف البالية التي تكرس الطبقية والتمييز بين أبناء المجتمع الواحد لتنتهي الرواية على إيقاع تهديده لواقع الفساد يقول في أخر جمل بالرواية: (أنا الفيروس القادم الذي سيعيد التوازن لحياتكم، والذي سيحقق منطق العدالة بينكم. أنا فيروسكم القادم يا عمي ويا خالي، فانتظروا ساعة قيامتي ووقت انتشاري، ولحظتي التي قريباً ستتفشى بكم.)[17]

يبدو من خلال أحداث هذه الرواية أنها عالجت عدة قضايا تقض مضجع الكويتيين دوليا، وخاصة قضية البدون... فبخلاف رواية (بنات الرياض) التي اختارت تسليط الضوء على أبناء الطبقات الغنية في المجتمع الخليجي، فإن سلالم فضلت الغوص في حواف المجتمع وحضيض طبقاته الدنيا مع الإشارة إلى أنها ليست الرواية الكويتية الوحيدة التي اختارت هذا المنحى ، فقد سبقها ولحقها صدورها روايات عالجت نفس التيمة، كما تجلى رواية   (في حضرة العنقاء والخلّ الوفي)لإسماعيل فهد إسماعيل، ورواية (ساق البامبو) لسعود السنعوسي الحائزة على الجائزة العالمية للرواية العربية (البوكر) (وثد سبق أن حصصنا لها دراسة خاصة فور فوزها بالبوكر) ،و رواية «الصهد» لناصر الظفيري... وتمتاز سلالم النهار بالجرأة في ملامسة في هذا المسكوت عنه الذي يؤلم الوعي الجمعي الكويتي بطريقة مستفزة ، هكذا انطلقت بكشف هذا الواقع الدوني حيث فتيات البدون يؤجرن مؤخراتهن لإثارة الأغنياء في حفلات راقصة، تكون تلك الحفلات بداية لكشف اللثام عن واقع البدون الذي يشطر المجتمع الكويتي شطرين ،أو لنقل طبقتين البون بينهما شاسع بعدما بنت الأعراف بين الطبقتين جدارا سميكا يصعب هدّه، ورسمت الحدود لكل طبقة في تقسيم العمل والثروة، فأغدق على (ذوي الدماء الصافية) كل النعم والثروات.. ووجد البدون أنفسهم رغم ازديادهم واندماجهم في الكويت بدون هوية وبدون أي شيء تقول الساردة: (نحن "بدون". بدون أي شيء يحمينا أو يغطينا أو يؤمننا .. نحن عراء منبوذ في بدون)[18]، وكان لذلك التمييز تجليات في الاقتصاد والأعمال فجعل للأغنياء إدارة الأعمال الكبرى ، وجعل للبدون العمل الشاق غير النافع ، وحولهم إلى ما يشبه العبيد همهم في الحياة إسعاد أسيادهم والتخفيف عنهم إنه مجتمع يشكله عنصران مختلفان(مختلفان حتى النخاع من الجذر إلى الرأس، من المقام العالي إلى المنبوذين في الأرض، من الأرصدة في البنوك إلى صفر البنكوت، من امتلاك هوية مواطنة ووطن ، إلى بلا هوية وبلا حقوق وبلا وطن)[19] لذلك احتقر المجتمع كل عمل فيه ترويح عن النفس ، ودفع أبناء البدون نحو الأعمال الفنية فوجدوا انفسهم يشتغلون في العمارة، والنقش ومختلف القنون، تقول الساردة: إن (كل من يعمل في الفن هنا، هم من ذوي الدماء المهجنة، وكل الذين يشتغلون في مهنة التمثيل والتأليف المسرحي، والموسيقى والتشكيل والرسم والكتابة ، تراهم من ذوي الدماء المهجنة.)[20]... لتبين أن وضعية البدون ازدادت سوءا بعد غزو العراق للكويت إذ تم تشديد الخناق عليهم، واتسع هامش المحرمات أمامهم تقول فهدة: (ولو جاء مولدي متأخرا أي من بعد الغزو العراقي لما حقت لي الدراسة الجامعية ، ولبتُّ مثل إخوتي الذين ولدوا من بعد ما أُبعد والدي، وسرح " البدون" من الجيش، وتلقفتهم الشوارع حين حرموا من التعليم في المدارس.)[21] ورغم ازديادها قبل غزو الكويت فإنها الفتاة الوحيدة التي وقف الحظ في طريقها وحصلت على شهادة جامعية، تقول: (وحدي من بين أبناء القبيلة حصلت على شهادتي الجامعية بضربة حض أو بمحض مصادفة عبيطة مكنتني من نيلها كل من سبقني من أخوتي لم يكمل دراسته .. كان كل شيء يقف ضدهم كل شيء كسر مجاذيفهم .. الفقر والجوع والإهمال والتهميش والشعور بالدونية وثقافة الشوارع وانشغال أبي وزوجاته بالحمل والتناسل..) كل ذلك دفع البدون للشوارع   فعاشت فهدة رغم تعليمها في شوارع تنعدم فيها شروط الحياة الكريمة شوارع من كثرة ترددها عليها حفظت (كل تفصيلة صغيرة فيها، وكل مستنقع مياه آسن ، وكل بلاعة مسروقة فوهتها وطافحة بالروائح مجاريها ، وكل شارع ضاعت وتشوهت معالمه وتحللت أطرافه من هول المواد الكيماوية التي اختلطت فوقه) شوارع أهم ما يميزها انتشار الأزبال ومخلفات (خلطات الإسمنت العشوائية، والأصباغ المتبقية مع الأخشاب العطنة المضروبة وكل تلك الفضلات العطنة المتخلفة من " البسطات" التي تبيع الأسماك واللحوم والخضار المنتهية صلاحيتها ..)[22] وينضاف إلى هذا الوضع البئيس الذي يعيشه البدون ملاحقة الشرطة والأجهزة الأمنية ومراقبة الجواسيس لكل تحركاتهم وتدميرها لأرزاقهم وما يملكون تروي الساردة قائلة (أخي بطاح وأصدقاؤه الأسيويون وأقاربنا البدون الذين تغير عليهم شرطة المدينة بين فترة وأخرى لتدمر وتبعثر كل رزقهم في حال فشل جواسيسها المبثوثين في كل الأركان والزوايا في إبلاغها عنهم في الوقت المناسب قبل حدوث الغارة)[23]،

إن البطلة لم تشعر بإنسانيتها إلا في باريس (هنا بدأت أشعر أن ذاتي المحررة تنمو وتكبر ، وبإنسانيتي مكتملة لا يشوبها شعور بالنقص أو المهانة والاحتقار)[24] والسبب في ذلك تقول (كلنا نسير ونجلس في المقاهي ذاتها، نتبادل الحديث بحرية وباحترام ولا تشوبه عنصرية الأصيل و "البدون")[25]

إن تيمة البدون لها علاقة وطيدة بقضية العمالة العربية وغير العربية في الخليج، وفي الرواية إحالات كثيرة لها من خلال بعض الشخصيات كالإشارة إلى المصري أيمن صاحب معامل تدوير البلاستيك، والشاب اللبناني زياد الذي كان يعمل في شركات أب نورة ، ناهيك عن العمالة الأسوية التي تكونت شركات ووكالات لاستقدامها بعدما أصبحت (طلبات العمل والهجرة إلى الكويت لا تنتهي وهناك لائحة انتظار طويلة تنتظر)[26]

الغريب في مجتمع مثل الكويت هو تحكم "الأغنياء ذوي الدماء الصافية" بأموالهم في دواليب كل الأعمال المشبوهة، كبيع المخدرات وتهريب البشر والمواد... فعم البطل صاحب المعامل والشركات كان يوظف إخوان فهدة (البدون) في المحرمات، حتى لا يلوث اسمه؛ فوظف صقوري في بيع الخمور الفاسدة وجعله يقبل الدخول إلى السجن وحمل الوزر ليبقى العم نظيفا .. يقول السارد(... عمي له الاسم والمكانة والاحترام أكثر مما يجب، وخالي ختم اسمه ووشمت سمعته إلى الأبد بتاجر المخدرات وبمروج الخمور الفاسدة)[27] و حتى يظل العم في عيون الناس شريفا تكفل بطاح باستقدام العمالة بدلا عنه ، وعندما لام السارد خاله بطاح وحمله مسؤولية العمالة السائبة وغير القانونية وقال له:(أنت السبب في وجود العمالة السائبة ، وأنت المسؤول عن وجودها في المدينة دون عمل ...) لم يجد الخال بطاح ما يرد به سوى قوله:(لا يا ولد أختي أنا بدون ، لا يحق لي استيرادها ،المستورد هو مكتب عمك ..) وتأكد من ذلك في مشهد يقول فيه: (خرج هنديان آخران من مكتب عمي ثم أعقب خروجهما ظهور خالي بطاح مع رزمة أوراق مالية ثقيلة) ، ولنفس الغاية وظف شخصية (أبو الكلام جامع القناني) بالإشراف على مصانع تدوير البلاستيك ... ليظل هو بعيدا عن الشبهات وإن كان (لا شيء يدور في هذا البلد ،هو بعيد عنه أو خارج عن كل الخيوط بيده يلعب بها كيفما يشاء.. يدنيها يقصيها ، يدوسها يضعها في السجن أو يتاجر فيها)[28] بعد اكتشافه لهذه الأعمال التي كدست لذوي الدماء الصافية أموالا طائلة ، ووفرت لهم حياة رغدة راقية على حساب البدون الذين يعيشون على (قمامتهم فتجعل من يجلبها يعيش على مردود بيعها لمدة شهر، وأحياناً أكثر من ذلك...)[29]

اضطر السارد إلى الهروب من هذا الواقع الملوث والنتن يقول: (تركت عمي بأمواله المدنسة بالعمولات ، وبالمساجين، وبأرواح العمالة السائبة وبجامعي القمامة، وبتلك المصانع المتصاعدة بدخانها الملوث لبراءة المدينة..)[30] ، قبل أن يعدل عن قراره ويقرر مواجهة الفساد في نهاية الرواية.

 

يتبع ... انتظرونا في الحلقة القادمة

 

.................

[1] - ص – 9

[2] - ص – 5

[3] - ص – 6

[4] - ص – 10

[5] - ص – 13

[6] - ص – 27

[7] - ص – 15

[8] - ص – 28

[9] - ص – 12

[10] - ص – 57

[11] - ص – 58

[12] - ص – 59

[13] - ص - 77

[14] - ص – 156

[15] - ص – 146

[16] - ص – 219

[17] - ص – 258

[18] - ص – 36

[19] - ص – ص 72

[20] - ص – 207

[21] - ص – 115

[22] - ص – 25

[23] - ص - 25

[24] - ص – 64

[25] - ص – 64

[26] - ص – 54

[27] - ص – 247

[28] - ص – 252

[29] - ص – 27

[30] - ص – 253

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 3071 المصادف: 2015-01-31 23:26:57