المثقف - قراءات نقدية

قلق المعنى وأرق القصيدة .. قراءة في قصيدة: من أين تأتي القصيدة لعدنان الصّائغ

من أين تأتي القصيدة؟

وأحتارُ..

كيفَ تجيءُ القصيدةْ؟

وتضربُ – كالموجِ – شطآنَ قلبي

… بلا موعدٍ

تتكسّرُ.. فوق رمالِ الورقْ

ثم ترحلُ.. نحو الضفافِ البعيدةْ

وتتركني… والقلقْ

*

ومن أين تأتي القصيدةُ؟

ما اسمها..؟

وأسألُ كلَّ الدروبِ:

أمرّتْ عليكنَّ..

سيدتي العابثة؟

وأسألُ كلَّ الصحابْ:

من رأى حلوتي في القميصِ الموشّى بحلمِ النجيماتِ؟

………… راكضةً

في بساتين قلبي

 

وكنتُ أطاردُ – منذ الطفولةِ –

خلف أريجِ ضفائرها..

متعباً

فتراوغني…

ثم تفلتُ مني،… مشاكسةً

فاللعينةُ.. تعرف أني أموتُ… إذا خاصمتني

لذا سوفَ تتركني.. هائماً

– طولَ عمري –

كسيرَ الخطى.. خلفها

وتذوبُ بموجِ الزحامْ

*

أنا أعرفها..

بشرائطِها البيضِ.. والنظرةِ الناعسةْ

تتسكّعُ فوق الرصيفِ المقابلِ حزني

وتغمزُ لي..

- من وراءِ الزجاجِ الشفيفِ -

فأتركُ كأسي

وثرثرةَ الصحبِ حولي

.. وأغنيةَ البارِ

أتبعها ثملاً..

في الحدائقِ

في المكتباتِ المليئةِ

في الطرقاتِ التي أقفرتْ بعد منتصفِ الليلِ

 

في المصطباتِ الوحيدةِ.. مثلي

فلا شيءَ..

غير حفيفِ الغصونِ..

وخطوي

وحين أعودُ..

إلى شقّتي..

متعباً.. خائراً

سوف تنقرُ نافذتي

– هكذا بهدوءٍ –

وتجلسُ… فوق سريري…

وتتركني… والأرقْ

 

القصيدة على القصيدة صعبة...

ممّا لم يُكتب في الصّائغ، حسبما نعلم، أنه شاعر المعنى المستحيل أو العصي أو المؤجّل، وأنّ هذا المعنى هو أبدا في شعره ووعيه ووجدانه، موضوع للبحث والرغبة والحنين، ينتشر في نصوصه ويتردّد ويلحّ حضورا واضطرابا..وهذا المعنى المطلوب والمنشود يتعلّق بالكتابة فعلا إبداعيّا جماليّا وسبيلا إلى سرّ بعيد وحقيقة قصيّة، ما الكتابة إلا وجه علاميّ لها وأثر ينبغي تقصّيه لبلوغ الأصل والمورد الذي منه تنبثق وتنبع.. هو معنى دقيق أصيل عميق بعيد قديم محتجب مخفيّ متخفّ...

وسؤال المعنى هو سؤال القصيدة والكتابة و الحقيقة والأصل والهويّة والجوهر والمكان والزمان والفعل والكيفيّة والعلاقة ...

هكذا يبدو وكأنّ الشّاعر يواجه الكتابة مواجهة مقوليّة (عن طريق المقولات المنطقيّة) قد تبدو غير منسجمة والموضوع والغاية ..ولكنّ الشّاعر يطرق هذه السبيل المقوليّة ليمسك بالحقيقة المتفلّتة أو يتوهّم، للحظة أنّه يفعل، أو لينتهي إلى أنّ هذه الحقيقة، حقيقة الكتابة تتشكّل قصيدة، أو القصيدة صورة مثلى للكتابة، لا يمكن بلوغها في كمالها ووضوحها، وأنّها ستظلّ سرّا مؤجّلا معلّقا بعيدا..

على المقولات تنبني القصيدة ومنها تنطلق، لتخرج عنها وتعلن أنّها فوق المقولات وأبعد عن أن تتحدّد وتمنح لمن يطلبها اليقين، ليظلّ في حيرة وعلى قلق :

" فَما حاوَلْتُ في أرْضٍ مُقاماًولا أزْمَعْتُ عَن أرْضٍ زَوالا

على قَلَقٍ كأنّ الرّيحَ تَحْتِي      أُوَجّهُها جَنُوباً أوْ شَمَالاً..." (المتنبّي)

 

1) من أين تأتي القصيدة؟...سؤال الأصل وما قبل التّشكّل

بنية العنوان التركيبية سؤال في الأصل والمصدر وما قبل النّشأة والتّشكّل..بنية يتضافر فيها معنى الجارّ (ابتداء الغاية في المكان) واسم الاستفهام (السؤال في المكان) ليكون استفهاما جامعا حاضنا لما سينتشر عنه من أسئلة، لأنّه في الأصل ، وإذا عُلم الأصل انجرّ عن ذاك العلم بكلّ ما يتعلّق بموضوع العلم..

ولكنّ هذا الأصل مجهول جهلا أنطولوجيّا ينعكس على كلّ مستويات طلب العلم الأخرى المتعلّقة بالموضوع..إلاّ أنّ التّعلّق بهذا الأصل أو حقيقة الحقيقة يبدو هو المحرّك للشّاعر قلقا وحيرة وطلبا وسؤالا وكتابة..لتكون الكتابة في الكتابة، وترتدّ القصيدة إلى نفسها، لتقول ذاتها أو تبلغ حقيقتها..

السؤال في " القصيدة" سؤال في المعلوم أو المعروف / المعرّف، المعرفة معرفتيتن : استغراقية عهدية..فهي القصيدة يعرفها ويجهلها، أو يراها ولا يراها، وإن شئت فهي الكائن المعلوم الذي لا يقال أو لا يمنحك أن تقوله.. كذلك يتحدّث الشاعر عن القصيدة التي يعلم ولا يعلم، كما نتحدّث عن الإنسان الذي نعلم ولا نعلم.. ومن معاني هذا الموقف على خطّ التماسّ بين العلم والجهل أو بين "النور والعتمة"، التعلّق بحقيقة للكتابة هي غير ما تواضع عليه النّاس واتفقوا، والتّوق إلى النّصّ الأوّل الأكمل الأجمل.. إلى الكتابة فعلا خالقا للعالم، حرفا عنه انبثق الكون وكانت الحياة...

ومن أطرف ما يحدس به الشاعر في هذا الاستفهام الجامع أنّ فعل الكتابة ما هو إلا فعل استعاديّ لنصّ قديم، ما النّصوص إلا آثار له وإلماعات وإشارات..وأنّ هذه القصيدة (الشعريّة كحالة كتابيّة هي الكتابة الكاملة) " تأتي.." وسرعان ما " تترك.." وبين مأتاها ومنآها وجفائها بعد دنوّها، حركة تختزل تاريخا من القلق والأرق والانتظار والسؤال والطلب والجهاد والافتتان والعشق والتوق إلى القصيدة الكاملة، إلى الكتابة الأولى..

 

2) سؤال الكيفيّة...حالة الكتابة..فعلها...

تجيءُ القصيدةْ...

تضرب..

تتكسّر..

ترحل

تترك...

يتدرّج النّصّ ويتنامى من السؤال في ما قبل التشكّل والغياب إلى السؤال في التّشكّل والحضور لينشأ سياق يبدو في تصوير الحالة الإبداعيّة، والتقاط لحظاتها التي تكون اللغة قاصرة عن وصفها ونقلها في صورة جليّة كاملة للفهم والوعي.. ولكنّ هذا المعنى، فيما نرى، ليس الأهمّ إذ المراد من خلال هذا الكون التّخييلي، وليد التظافر التّشبيهيّ الاستعاريّ، هو الوعي بالنّقص والوقوع دون الغاية امتلاء وامتلاكا.. وبين كل مجيء ورحيل صحبة، القلق في انتظار الحلول القادم.. هي لحظات "الإلهام" أو " الوحي" يصوّرها الشّاعر ويقرّبها إيحاء وإشارة، في سياق يتماهى فيه قلبه (الكون الأصغر) والكون (الكون الأكبر) ليكون القلب في الكون والكون في القلب، وتكون موجة القصيدة (الكتابة) الواصل المانح المعنى والامتلاء..

ولكن محنة الكتابة تتجلّى بوجهها الفاجع من خلال العلاقة بين الموجة والقلب والورق، فنرى تقابلا بين عنفوان الموجة واضطرابها وارتفاعها وهديرها وفيضانها وهولها من جهة، وانكسارها وانحدارها وتلاشيها وتراخيها وموتها من جهة ثانية...

" تتكسّرُ.. فوق رمالِ الورقْ..."

وإذن فقد كانت قصيدة ولم تعد قصيدة..كانت موجة عاتية وإذا هي على الورق زبد يذهب جفاء..

كذلك يرى الصّائغ القصيدة التي وعدت فجاءت فماتت على الورق، حين تحوّلت فأضحت علامات لغويّة، رموزا تواضع عليها البشر لتدلّ على معان في الصّدور وعلى أشياء في العالم وفي الكون، ممّا يدرك ولا يدرك.. وكلّ رحلة للقصيدة بين "الضفاف البعيدة" و "شطآن قلبي" آيلة إلى مصير محتوم، وهو أن " تتكسّرُ.. فوق رمالِ الورق.." فلا يبقى لها من أثر، أو يبقى منها أثر يسمّيه النّاس قصيدة، وليست هي" القصيدة"...وفي هذا خروج عن ثنائيّة المعنى واللّفظ أو المحتوى والشّكل أو بعبارة أعمّ عن ثنائيّة اللّغة والفكر، فلا يكون التشكّل الشّعريّ أبدا إلاّ بعض القصيدة أو أثرا لها وصدى ضعيفا، ولا يكون التّشكيل الشعريّ سوى محاولات جزئيّة استعاديّة للقصيدة المنسيّة في أقاصي ذاكرة التّاريخ وتلافيف الثّقافة والاجتماع...

 

3) ما اسمها؟...

سؤال الهويّة..الجوهر...الماهية الأولى...

في طلب القصيدة المرأة أو المرأة القصيدة...

لسنا نجزم بحدود الرّمز في ما توسّل به الشّاعر لتصوير "هجر" القصيدة إيّاه بعد أن تصله هنيهة ككلّ مرّة لتتركه، فيخرج في طلبها واستعادتها.. ففي التّماهي بين صورة القصيدة وصورة المرأة ما يمكن أن يعدّ وصلا تقليديّا دأبت عليه القراءات وابتذلته، ونرى أنّ القصد عند شاعرنا يتجاوز مجرّد التّرميز والإيحاء مثل دأب الشعراء، إلى اعتبار القصيدة (صورة مثلى للكتابة) الكيان الأنطولوجي الجامع لكلّ شيء، والمنتشر في كلّ شيء، فهي في الكلّ، والكلّ فيها، وليس للشاعر "علاقات" منفصلة أو خانات علائقية بل علاقة واحدة فيها ينضوي الكلّ، وتجد لها اسما واحدا، هو القصيدة.. يراها في كل شيء، في المرأة وفي النّاس وفي السّماء وفي الله:

"3 :1 في اللّيل على فراشي طلبت من تحبّه نفسي..

طلبته فما وجدته

3 :2 إنّي أقوم و أطوف في المدينة،

في الأسواق و في الشوارع

أطلب من تحبّه نفسي

طلبته فما وجدته

3 :3 وجدني الحرس الطائف في المدينة

فقلت : أرايتم من تحبّه نفسي ؟.."

(نشيد الأناشيد/الإصحاح 3)

 

كذا نرى خروج الشّاعر بحثا عن القصيدة، ونفهمه بما يتجاوز الهواجس الجماليّة وإشكالات "الحداثة الشّعريّة" لأنّ علاقته بالقصيدة هي العنوان الأكبر لكلّ العلاقات..ومثلما يخرج بحثا عن الله يخرج بحثا عن القصيدة، فهي "السيّدة" التي تسكن القلب/البساتين مثلما يعمر الله القلب :

وأسألُ كلَّ الدروبِ:

أمرّتْ عليكنَّ..

سيدتي العابثة؟

وأسألُ كلَّ الصّحاب:

من رأى حلوتي في القميصِ الموشّى بحلمِ النجيماتِ؟

………… راكضةً

في بساتين قلبي

 

4) القصّة مع القصيدة...سيرة ذاتيّة..

يفتح الشّاعر أبدا في نصوصه أفقا سرديّا يتّخذه إطارا تعبيريّا تنتشر فيه مفاهيمه الدّقيقة، فتتجلّى تلك المفاهيم صورا حسّيّة مدركة واصلة المحسوس بالمعقول والمرئيّ بالخفيّ..وكذا يكتب سيرته الذّاتيّة وهو يكتب قصته مع القصيدة في سرد تكرّري(itératif) يختزل فيه حياته لتكون قصة هيام ناشئة "منذ الطفولة" وممتدّة " طول العمر"..وبين "قفزة" إلى الماضي (analepse) و" قفزة " إلى المستقبل (prolepse) ينفتح المدى ويتّسع ليكون "الحدث" حالا واحدة خاضعة لمنطق واحد :

وكنتُ أطاردُ – منذ الطفولةِ –

خلف أريجِ ضفائرها..

متعبا

فتراوغني…

ثم تفلتُ مني،… مشاكسةً

فاللعينةُ.. تعرف أني أموتُ… إذا خاصمتني

لذا سوفَ تتركني.. هائماً

– طولَ عمري –

كسيرَ الخطى.. خلفها

وتذوبُ بموجِ الزحامْ...

وهكذا يبني الشّاعر سرديّا أسطورة عشق ينشر من خلالها ثنائيّة الرغبة في التملّك والامتناع :

أطارد ≠ تراوغني

         تفلت

أموت ≠ خاصمتني

هائما ≠ تتركني

خلفها ≠ تذوب

وتكمل هذه الحركة الضدية التقابليّة ضدّية حاليّة (وصفيّة) :

متعبا ≠ مشاكسة

هائما ≠ مخاصمة

كسير≠ ذائبة

ولعلّ الاستعارة التّوجيهيّة ( خلف ≠ أمام) من أدلّ ما يمكن أن يبرز المسافة الفاصلة بين الذات وموضوع رغبتها، إلى جانب الاستعارة الأنطولوجيّة المتعلقة بما ليس بجسم، فلا يمكن مسكه:

 

أريجِ ضفائرها/ تفلتُ / وتذوبُ ...

ومن خلال تلك المسافة (المفهومية الذهنية) والبنية المتعالية المجردة للموضوع (القصيدة صورة مثلى للكتابة) والبنية الشّعريّة العشقيّة للذّات ( هائما طول عمري خلفها..) يتجلّى على وجه آخر المعنى المركزي في هذا النّصّ، ولعله مركزيّ في سائر النّصوص، وهو أنّ الكتابة (القصيدة) هي فعل تكرّري( في معنى القيام على قطب دلاليّ ثابت) لا يتكرّر، في سبيل بلوغ القصيدة (النص الأوّل):

تكراري

لا.... يكرّرني ...

 

5) الجواب عن السّؤال..بلوغ العلم..أبديّة الطّلب

أنا أعرفها..

هكذا يتنامي النّصّ سرديّا وينتشر، فينتهي الخطاب إلى إثبات العلم بعد أن كان مطلبا..ولكنّ ذلك لا ينفي طبيعة العلاقة ولا حال الذّات ولا المنطق الذي يشدّها إلى موضوعها (القصيدة)..

ويعمد الشّاعر في هذه المرحلة إلى استثمار " تقنية المكان " لتعميق الإطار الذي يحوي العلاقة ويوجّهها ويرسم الملامح النهائية والكاملة لطرفيها..ويبدو في هذا المستوى من نموّ النّصّ أنّ "السّرديّة" تشكّل القصيدة على وجوه تدمج فيها تقنيات الدراما والرّسم والسينما والموسيقى، لتكون القصيدة منفتحة حاوية لأنظمة سيميائيّة مختلفة ولكن متفاعلة مندمجة من حيث الوظائف التعبيريّة والجماليّة..

ولعلّ انصهار زمني القول والحدث أو ما بدا كذلك، وإن كان الزمن أقرب إلى الدلالة على سرد تكرّري متعلّق بالحدث الواحد المتواتر الذي يولد حدثا أو فعلا مقابلا مقابلة رد الفعل للفعل، حتى تكون الألفة وكامل العلم والمعرفة:

 

ا) المعرفة لا تنفي طلب العلم...

أنا أعرفها...

وهذه المعرفة التي تبدو كأنها نفي لما تراكم من أسئلة بدءا من العنوان وجواب عنها، ليست متعلقة بتلك الاسئلة بل هي فاتحة سياق جديد في حركة النص يقوم على ما يمكن تسميته "هوس" الكتابة..وهو صفة أو سمة مشتركة بينه وبينها، وهذا من أطرف الأبعاد في هذا النصّ...

 

ب) الفعل ورد الفعل...

الشاعر وريث الشعراء العشّاق والمجانين والصّعاليك والجوّالين...

مفتتن بالقصيدة خاضع لسيادتها منقاد لها في إذعان وتسليم، نفثت له عقدا، وهو يحمد لها تلك العقد، يعي عبثها ولهوها ويقبله طائعا :

تتسكّعُ

وتغمزُ لي..

          فأتركُ كأسي

                                 أتبعها ثملاً..

 

ج) الانتشار في المكان..لعبة التجلّي والخفاء

تتأطّر العلاقة مكانيّا بحسب موقع المتكلّم وحركة " القصيدة" موضوع الطلب :

الرّصيف /من وراء الزجاج الشفيف(البار)

في الحدائق

في المكتبات المليئة

في الطرقات..

في المصطبات الوحيدة...

وما هذا الانتشار المكاني والتعدّد إلا صورة لانتشار "القصيدة" في العالم، وما حركة الشّاعر (أتبعها..) إلاّ مظهر من مظاهر الهوس الشّعريّ أو غيره ممّا يمكن أن توحي به الأماكن في مدينة الحداثة أو ما بعد الحداثة، التي يموت فيها الشّعر، ويأبى الصّائغ هذا الموت، لأنه، إن كان، كان موته...:

 

فلا شيءَ..

وهذا اللاّشيء ليس العدم أو الفراغ بل هو في المنطق العام للقصيدة "اختفاء الأثر" ..ولسنا نميل إلى التفسير بأزمة الإلهام أو انقطاع الوحي، لأنّ مقاصد الشّاعر أبعد من ذلك..

ويمكن بتقليبات ما لبنية المكان أن نصل إلى بؤر دلاليّة أخرى، هي ممّا تتّسع به التّجربة لتحتوي الإنسان من حيث الإشكالات الاجتماعية والنفسية والذّهنيّة والتّاريخيّة الحافّة به، والدّائرة إجمالا حول ما يسمّى "الغربة " أو الوحدة في عالم مكتظّ بالنّاس لكنّه خلاء يظهر

" بعد منتصف اللّيل "...

 

د) من الخارج إلى الدّاخل أو العود الأبديّ..

يظلّ الشّاعر وفيّا لأدواته الشّعريّة السّرديّة، فيعمد إلى سرد استباقي :

سوف تنقرُ نافذتي

وهذا العلم بما يأتي (المستقبل) ويتكرّر يسم القصيدة والتّجربة بالدّائريّة والتردّد بين الاختفاء والظّهور والوصل والهجر..

ويظهر المكان دالاّ رمزيّا قويّا حين ينحصر في الإطار الضّيق المغلق المكرّس للوحدة في خوض تجربة القصيدة على وجه فاجع:

 

وحين أعودُ..

إلى شقّتي..

متعباً.. خائرا...

فتتكامل هندسة المكان الشّعريّة لتختزل في الفضاءات التالية :

البار (الداخل)       الرّصيف...   (الخارج)         الشّقّة (الدّاخل)

وهذه البنية الانغلاقيّة هي في صميم البنية الوجدانيّة الواسمة للقصيدة بالتّرديد والتّصادي الصوتي والدّلاليّ، ومثلما انغلقت حركة أولى بهذا الحكم :

 

وتتركني… والقلقْ

تنتهي الحركة الثّانية بالحكم ذاته:

وتتركني… والأرقْ

ومثلما كان في الخلف شيء من قلق السلف، عاش بعض ما عاش من أرق :

 

أرَقٌ عَلى أرَقٍ وَمِثْلي يَأرَقُ     وَجَوًى يَزيدُ وَعَبْرَةٌ تَتَرَقْرَقُ ...

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 3097 المصادف: 2015-02-27 00:12:26