المثقف - قراءات نقدية

النقاش ودرويش .. شعر المقاومة والثائر النبيل

khadom almosawiاصدر الناقد الراحل رجاء النقاش (1934- 2008) كتابه عن الشاعر الراحل محمود درويش (1941- 2008)، بعنوان: محمود درويش شاعر الارض المحتلة، عام 1969، بعد عامين من نكسة العرب (حزيران 1967)، وهو يقدم في شعر الشاعر درويش اول قراءة عربية، من القاهرة، تبحث في شعر المقاومة الفلسطينية ضد الاحتلال والاستيطان الصهيوني، بإبداع واسم الشاعر محمود درويش. وسبقه طبعا المناضل والأديب الراحل غسان كنفاني في كتابيه، الاول: ادب المقاومة في فلسطين المحتلة 48- 1966 (صدر عام 1966)، وعنوان الثاني " الأدب الفلسطيني المقاوم تحت الاحتلال 48-1968"، (1968). وهي الاطلالة الاولى والانتباهة الجديرة بالانتباه والالتفاتة الثقافية الاساسية. ليأتي كتاب النقاش من بعده تأكيدا وتعريفا، ويعكس ما سجله عنه من ترحيب واسع من القراء اضافة له. وله حكايته التي وضعها في مقدمة الطبعة الاولى، ( ط1/ 1969، ط2/ 1971 معدلة) حيث اشار فيها الى اول لقاء له مع شعر المقاومة عام 1966 في الجزائر خلال زيارة له وقراءته لنص موقّع باسم محمود درويش وتصوره انه اسم مستعار لمناضل ثوري عربي متخف في الارض المحتلة. واعترف ان الصدفة لعبت دورها، ولكن قلة المعرفة بهذا الشعر والشعراء، فضلا عن شحة المصادر والإطلاع على حياة الشعب العربي في فلسطين المحتلة كانت هي السبب او هي وراء هذا الاجحاف واضطراراته. بينما رأى ان النكسة فتحت افاق السؤال عن العرب والأدب والنضال الفلسطيني. وبدأ الناقد وغيره في البحث والرصد للشعراء والأدباء عموما. مكتشفا، هو وغيره من المتابعين والمهتمين والباحثين، كنزا ادبيا حافلا بقامات شعرية، من بينها الشاعر محمود درويش.

كتب النقاش:"إن هناك حركة شعرية ناضجة ورائعة في داخل الأرض المحتلة، وأن الحكم بنضجها وروعتها من الناحية الفنية والفكرية ليس راجعا إلى تعاطفنا السياسي أو النضالي مع هذه الحركة، بسبب ما يعانيه أصحابها من الشعراء الشبان في ظروف حياتهم الصعبة داخل أسوار إسرائيل.. إن هذا التعاطف حقيقة لا شك فيها، ولكن الحركة الشعرية الجديدة داخل الأرض المحتلة تتمتع بقيمة فنية على أكبر درجة من النضج والأصالة، بصرف النظر عن جميع الاعتبارات السياسية والعاطفية الأخرى. إن الشعراء الشبان البارزين في الأرض المحتلة هم شعراء موهوبون". (ص7/ ط2). مؤكدا على اسم الشاعر كأول وجه شعري التقاه في بحثه عن الشعر والشعراء في الارض المحتلة. وأضاف انه لابد من دراسة القضية والعرب في فلسطين المحتلة كتمهيد لدراسة الشعر والمواقف منهما لتوسيع الادراك في اهمية الموضوع والدراسة. ولتثبيت قيمة الشعر الفنية والسياسية من خلال الكتاب، وختام المقدمة كمؤشر عنها، حيث نقل قصيدة (عن الامنيات) كنموذج مباشر، وكنص معبر.

في مقدمة الطبعة الثانية اكد النقاش على اقبال القراء العرب على كتابه وموضوعه وتوسع المعرفة عن الشعراء في الارض المحتلة في اطار المتغيرات التي حصلت وكسرت حواجز الاسوار الصهيونية التي كانت تمنع او تحجز الشعب وأغانيه عن الانتشار خارجها. وخلال العامين من صدور الطبعة الاولى، خرج الشاعر درويش ليعيش في القاهرة وأصدر مجموعات شعرية جديدة، منحت للناقد فرصة التعمق في طبعته الثانية والتعديل في نصوص الكتاب. كما توفرت مصادر جديدة اغنت الدراسة وتوثيقها، وأعطتها ملامح جديدة اساسية. فضلا عن مراجعة كتابات ودراسات اخرى اشار لها في نهاية الكتاب.

درس الناقد رجاء النقاش ضمن منهج التعريف بالموضوع الذي اختاره، مبتدءا فصله الاول بالعرب داخل "اسرائيل"، معتمدا على كتاب المحامي الفلسطيني صبري جريس، (العرب في اسرائيل)، ووقائع من الارض المحتلة والممارسات الصهيونية ضد العرب، على مختلف الصعد الانسانية. ناقلا عن مشاهدات ودراسات لباحثين فلسطينيين صورا عن المعاناة والمأساة. مقدما بها ما اراد الاشارة له عن اهمية الاطلاع على خلفيات شاعرية درويش، التاريخية، الوطنية والأدبية، وظروفه المادية والنفسية، وبيئته الاجتماعية والجغراسياسية.

قبل ان ينتقل الى الفصل الثاني الذي عنونه: كفر قاسم، تطرق في تفحص الاجراءات الصهيونية ضد العرب من خلال نصوص شعرية لشعراء اخرين، كسميح القاسم وراشد حسين. وواصل في الفصل هذا توقفه امام مثال واحد من العقل الصهيوني والضمير الصهيوني الذي احتل الارض وحاصر الشعب. متعقبا بتسلسل تاريخي للمذابح التي قام الاستعمار البريطاني في دنشواي المصرية وتبعه الصهيوني في دير ياسين، وكفر قاسم. وبعد وصف لما حصل فيهما حلل قصيدة درويش، المطولة من ستة مقاطع بعنوان: ازهار الدم، من ديوانه: (اخر الليل)، التي رأى فيها تسجيلا بصور فنية رفيعة مأساة كفر قاسم، وما يتعلمه النضال العربي والإنسان العربي من هذه المذبحة. (ص 45 وما بعدها/ ط2). وفتح النقاش بعد مصادفته الاولى وإعجابه الاولي فصول الكتاب عن شاعرية درويش وقصيدته المقاومة والمناضلة والموثقة لنضال الشعب الفلسطيني وكفاحه الوطني.

عنوان الفصل الثالث: شعراء وشهداء، استمرار لمنهج النقاش في رسم لوحات خلفية لكتابه عن الشاعر درويش. معتبرا ان مدرسة الشاعر درويش استمرار لمدارس شعرية، وأجيال مقاومة سبقت، منها جيل 1936 وجيل 1948. دارسا جيل الثورة الفلسطينية التحررية عام 1936 وانعكاساتها البطولية في الوجدان الفلسطيني، وملخصا شخصياتها النضالية وحياتهم الكفاحية وادوارهم فيها. ومواصلا البحث في شعرائها: ابراهيم طوقان وعبد الرحيم محمود وأبو سلمى/ عبد الكريم الكرمي. واجدا صفات شعرهم في طبيعته الثورية الاحتجاجية، وفي التسجيل للمواقف النضالية والتوثيق للوجدان الثوري وفي نسيجه الكلاسيكي، الذي يتطابق والمرحلة التاريخية والدور السياسي والثقافي. واعتبره التراث الفني والنضالي لمدرسة درويش. قبل ان ينتقل الى الجيل الاخر، والفصل الذي عنونه: المهزومون، وهو يواصل بين الفصلين برابط التسلسل التاريخي وما حدث في الواقع. بعد نكبة 1948 واليأس والانهزام في النص الشعري والأدبي الفلسطيني. مقارنا بالمد الثوري السابق. محللا لنصوص شعرية للشاعر يوسف الخطيب والشاعرة فدوى طوقان. مؤكدا على شيوع الروح اليائسة، روح الهزيمة التي ملأت الشعر بعد عام النكبة. وحتى الشاعر ابو سلمى امتد اليأس الى قلبه (ص79/ ط2). مختتما قراءته بان "معظم ما صدر عن الشاعر الفلسطيني بعد 1948 هو صدى للجرح، وتعبير عن المأساة، وتصوير للتشتت الذي اصاب الفلسطينيين. ولقد كان هناك بين الحين والحين اصوات تحاول ان تتمرد ولكن صوت اليأس كان يخنق صوت التمرد ويرتفع فوقه.. ذلك لان جيل عام 1948.. كان جيل الهزيمة وجيل المهزومين. وليست هذه الحقيقة طعنا في هذا الجيل او تقليلا من شأنه على العكس لقد كان ابناء هذا الجيل من اكثر الذين تألموا وتعذبوا وتحملوا الكثير من الهموم في سبيل وطنهم، ولقد كانت احزانهم مقدمة حية لكل ما جاء بعدهم من مظاهر الثورة والتمرد. كما كان هذا الحزن تنبيها للضمير العربي حتى يتيقظ ويبدأ مرحلة جديدة من مراحل التاريخ في الارض العربية". (ص81/ ط2).

عرض النقاش فصلا بعد اخر وبعناوين دالة قبل ان يصل الى موضوعه، عنوان الكتاب، ففي فصل: الشاعر الجديد، حلل نصوصا لشعراء ما بعد النكبة، وتاثير ثورة تموز/ يوليو 1952 في مصر عليهم، و"بداية انتعاش الامل" و"الخلاص من روح الهزيمة" ليربط الوشائج بين المدارس والأجيال. فقرأ قصيدة للشاعر حبيب قهوجي، وأخرى للشاعر حنا ابو حنا، مستلتين من كتاب كنفاني عن ادب المقاومة في فلسطين المحتلة، منبها الى ولادة شاعر جديد ومدرسة جديدة من الجرح الكبير، من الارض المحتلة. مواصلا تحليله لنص للشاعر توفيق زياد.. ليصل من بعده الى نصوص للشاعر درويش والشاعر القاسم. منتهيا من المقدمات الضرورية في منهجه البحثي ليتعمق في موضوع كتابه وتحليله لفقراته او فصوله.

بعد هذا الفصل وانبثاق روح جديدة عاد النقاش الى قراءته للشاعر محمود درويش ودراسته لشاعريته والتعريف به وتقديمه شاعرا مجددا وتعبيرا عن جيل جديد ومدرسة جديدة في الشعر العربي ايضا. فنشر ملامح شخصية، وبعدها ملامح فنية، توزعتها الفصول في القراءة النقدية للنصوص الشعرية والشاعرية المتطورة فيها والمواضيع التي تقاسمتها. من الغموض والتصوف، الى الطبيعة، الى الحب والمرأة، الى الصلب من جديد، الى المواقف من الدين والثورة والانسان والتعصب، وغيرها من العناوين التقليدية والجديدة في التحليل النقدي والقراءة الادبية. تنوعات غنية وتفصيل في البنى الشعرية وعمود القصائد او موضوعاتها وجوهرها الابداعي وانعكساتها الفنية وارتباطاتها بالقضايا والهموم اليومية للإنسان الفلسطيني والشاعر الباحث عن نص جديد بين ركام الواقع والوقائع الدامية.

اختتم الناقد كتابه بفصول دفاعية عن الشاعر وتحولاته والظروف التي مر بها بعد خروجه من بلدته وإقامته في القاهرة، وبدلا من الحب القاسي له، الى نشر وثائق عن مواقف له وعنه.

رحلة النقاش مع درويش في هذا الكتاب، (مهم معرفة ان طبعته الاولى كانت عام 1969 وطبعته الثانية عام 1971)، قدم فيها الناقد الشاعر اولا، وأرخ الناقد فيها لتطور الشاعر ومراحله المستمرة لجيله ومدرسته المقاومة، ودرس الناقد فيها تأثيرات الشاعر ونزعاته الانسانية وارتباطه بالإنسان والأرض والانتماء لهما، وإحساسه الدائم بان الكلمة لا معنى لها " اذا لم تحمل المصباح من بيت الى بيت". مختتما كتابه بتقييم عام ولكن بكلمات مسؤولة وتفاؤل شاعري له قدرته في الحكم والتقييم، "ان محمود درويش صاحب شاعرية خصبة وعاطفة عميقة وقلب كبير ونظرة انسانية مليئة بالحب للآخرين.. ولاشك ان ما حققه هذا الشاعر حتى الان على قيمته ونبله، انما يبشر ايضا بالكثير، الذي يمكن ان يحققه في المستقبل" (ص306/ ط2) وكما يبدو او كما صار واضحا، انها رؤية نقدية صادقة واعتراف متقدم زمنيا بشاعرية محمود درويش وقدراته الفنية والتعبيرية وعوامل ثروته الثقافية والإنسانية وقضيته الاساسية. وهو ما تميز به الناقد، ليس مع محمود درويش وحسب وإنما مع اخرين ايضا، وهذا ما يحسب له ولكتاباته النقدية وأعماله الاخرى.

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 3097 المصادف: 2015-02-27 21:18:03