المثقف - قراءات نقدية

في المقاربة النّحويّة والمقاربة الجماليّة .. قراءة في نص لزياد خداش

تصدير: "ليس أحقر من حامل بعد وضع .. فلْنبق على غنانا وعظمتنا ورزانتنا .. ولْيبق معنا ما يملأ النّفوس .."

(محمود المسعدي / مسرحيّة السّد / المنظر السادس /ص118/ دار الجنوب / تونس

 

النص:

امرأة نائمة على وشك النهوض، قهوة على وشك الغليان، نافذة على وشك الفتح، وطن على وشك التحرر، صديق رائع على وشك الحضور، جسدان وقحان على وشك الوصول، اله عظيم على وشك الاعتراف، حب سري على وشك العلن، أم عظيمة على وشك الخلود، رواية ليلية في يد بنت على وشك النهاية، قطار مزمن على وشك التوقف، رجل اكتشف الله حديثا على وشك الطيران، عقل بارد على وشك الجنون، نهد مراهقة على وشك أن يكون، سيدة محتشمة على وشك الملل، زهرة برية على وشك الحياة، طفل ساحر على وشك الكلام.

كم هي الأشياء جميلة حين تكون على وشك أن تكون!.

 

القراءة:

نصّ صغير صغر العالم، كبير كبره، جامع مؤلّف باحث في جمال الأشياء، يصوغ نظرة ونظريّة، منجزا خطابا تتفاعل داخله أبعاد تعبيريّة وتأثيريّة توجيهيّة، مكسبة للأقوال قوى حاملة في النّهاية على تبنّي تصوّر للجمال من خلال اكتشاف له في غير ما ألفنا تصوّره وطلبه .. وهو، بهذه البنية الخارقة لأفق انتظارنا، يحاورنا ويسمع أصواتنا، ويعرض وجهات نظرنا، ويردّ علينا، ويجتهد فنّيّا وحجاجيّا في سبيل إقناعنا بتصوّر للجمال، جمال الأشياء في ما يطرا عليها من أعمال وأحوال، ينزّله منزلة طريفة مدهشة مخالفة لنزعات نفوسنا، ويقدّم لأطروحته الجماليّة القائمة على معنى "المقاربة" وعلى بناء معنى فلسفيّ جماليّ على هذا المعنى النّحويّ، من الحجج ما يراه صارفا لنا عن تصوّر إلى تصوّر ألطف وأجمل ..

• النص الأصلي أو نواة النص هي هذا القول: " كم هي الأشياء جميلة حين تكون على وشك أن تكون!."

• هذه وجهة النظر(أطروحة المتكلم) وما سبقها سابق في الخطاب لاحق في البنية المنطقية الحجاجية، حاضر في ذهن المتكلم وهو يصوغ ما قبله، وكان يمكن أن يكون صدر الكلام، ولكن استراتيجيا الخطاب جعلته استنتاجا (فكم هي جميلة .. ) وهو المقدّمة، لأنه ما يُحتجّ له ويُتوسع في بيانه والإقناع به، بل الإغراء به تحبيبا وتزيينا وتحسينا، مقابل تكريه ضده أو ما هو خلافه، وما هو مرغوب عموم الناس .. لهذا فالخطاب "معركة" جميلة لأنّ المدار فيها هو على فكرة أو مفهوم أو تصور يريد المتكلم أن يكشف زيفه أو يعدّل معناه ومحتواه، ويأخذنا طوعا وقناعة وتأثرا، إلى ما لم نكن نؤمن به قبل الخطاب ..

• المركّب: على وشك + مصدر = أوشك أن+ المضارع .. يقوم على ضرب من النواسخ الفعليّة من حيث المظهر ينزل الحدث منزلة ما، إذا اعتبرنا أن الحدث إما غير واقع، أو شرعنا فيه، أو قارب الحدوث، أو حادث (الآن) أو منقض (ماضيا .. ) .. والأمر في النص لا يتعلق بالأحداث من حيث هي وقائع، بل من حيث هي أحوال متعاقبة متنافية متنامية متصاعدة منطلقة من الدرجة الصفر (العدم) صعودا إلى درجات الوجود حتى كمال الاستواء (الكون) .. وهذه أحوال الأشياء في العالم باعتباره "كون فساد" أي انقضاء وانتفاء وزوال .. ولكن الخطاب وهو يجرّد الكون بالجملة الأخيرة بعد استقراء واستعراض وتصوير وضرب أمثال، يخرج بمفهوم للجمال من خلال هذه السيرورات (processes) والوقوف بهذا المفهوم

( الجمال) في درجة من السّلّم ، نسمّيه سلّم الوشك .. وكل الجهد الخِطابي الاستراتيجي هو في تبرير هذا الحصر في هذه اللحظة دون غيرها من لحظات تسبق أو تعقب .. وما يعقب هو لحظة الحدوث أو الكمال أو الانقضاء في معنى التحقق وتوقف حركة النموّ والترقّي ..

• في نطاق هذا السلّم الجماليّ نضع الخطاب.وهو في الآن نفسه محكوم بسلّم حجاجيّ حاضن للفكرة في تجرّدها:

سلّم الجمال .. 0 .. 1 .. 2 .. 3 .. 4 .. 5 .. 6 .. 7 .. 8 .. 9 .. 10

سلّم الكون .. 0 .. 1 .. 2 .. 3 .. 4 .. 5 .. 6 .. 7 .. 8 .. 9 .. 10

وبيّن أنّ الدرجة الصّفر كونا هي درجة العدم ، وهي ذاتها درجة العدم الجماليّ، أمّا انطلاقا من الدّرجة (1) فتبدأ سيرورة الكون صعودا إلى التّشكّل والاكتمال، ويوازي هذه السيرورة التكوينية سيرورة جماليّة تصاعديّة، لتمضي السيرورتان متناسبتين متكافئتين .. ولا ينشأ التّوتّر في العلاقة بينهما بحسب منطق الخطاب، إلا في الدّرجة (9) وعلاقتها بالدّرجة (10) باعتبارها الدرجة العليا، أي درجة الكون واكتمال الكينونة .. وفي منطق الخطاب لا تناسب الدرجة العليا لكون الأشياء الدرجة العليا لقيمة تلك الأشياء في سلم المعايير أو الدرجات الجماليّة ، فينبغي أن نرتدّ بالأشياء إلى الدرجة (9) كونا، لتبلغ درجة الكمال الجماليّ (ضمنيّا الدرجات القادمة هي سيرورة معاكسة في اتجاه الانحدار والانكسار والانتفاء في اتجاه العدم .. )

• هكذا يبني المتكلم على معنى نحويّ (المقاربة) معنى جماليّا انطلاقا من صورة مجرّدة هي المفهوم موضوع الحجاج: " كمال الجمال ما لم يكن .. " وهذه فكرة لطيفة دقيقة لأنّها قائمة على مفارقة يأتلف طرفاها، ليكون الكمال في النقص والنقص في الكمال، وتكون الرغبة في عدم الحدوث والتحقق، ويكون العزوف عن كمال الفعل أو الحال ..

• البنية التركيبيّة للفكرة المحوريّة المجرّدة ( كم هي الأشياء جميلة حين تكون على وشك أن تكون!.) حاملة لمؤشرات وعوامل حجاجية واسمة للقول بالقوة الحجاجية المتعددة الوجوه:

- البنية الاسميّة العامة المناسبة للسياق الوصفيّ الحجاجيّ في أبعاد تواصليّة مختلفة، متعلقة بالمتكلم ونظرته إلى الموجودات من خلال فلسفته الجمالية الخاصة، ورغبته في توجيه المخاطب هذا التوجيه الجمالي المعدّل لما يسود من نظر وتصوّر ..

- دعم هذه البنية بعوامل ذات مدى تعبيري تأثيريّ مانح للقول الحجاجي قوة العمل .. من ذلك أداة التكثير(كم) وليست في هذا السياق كمّيّة بل معياريّة أو تعييريّة مبرزة لمعنى القيمة والدرجة، كما سلف بيانه ..

- بنية الخبر من حيث تقييد هذه الدرجة من الصفة (الجمال) في الأشياء بظرف زمانيّ (حين تكون على وشك أن تكون .. ) ليكون لهذه الظّرفية النحويّة تركيبا، دور حاسم في بلاغة الخطاب وتضافر مكوناته النحوية والدلاليّة والمنطقيّة والتداوليّة/التأثيريّة .. فالحينيّة زمانيّة (شرطيّة بمعنى ما) لا يتحقق الموضوع إلا فيها وبها .. ويبطل عمل (كم) دون هذه الحينيّة أو بما يزيد عليها .. وليس في الخطاب ما ينفي الصفة (الجمال) وهي تشرع في الحدوث أو تنمو أو تحدث فعلا، ولكن مفهموم الجمال، من وجهة النظر الموجهة للخطاب، مشروط بالظرف لا يفارقه ..

- البنية المعجمية لهذه الحينيّة واصلة بين كونين: كون الأشياء على صفة (كان الناقصة /ناسخ فعليّ) وكون الأشياء حدوثا وتحقّقا (كان التّامّة/فعل محدث لحال غير مرغوب فيها من وجهة نظر المتكلم) ويتوسّطهما الناسخ الفعليّ (توشك) الذي يمثل مركز الثقل المعجميّ الدلاليّ في القول ..

- ارتقاء المبتدأ (الأشياء) إلى الدرجة القصوى تعميما واحتواء وتجريدا وتوحيدا للموجودات في منزلة كونيّة مشتركة وصفة جامعة واسم هو خلاصة كل الأسماء واسم الجنس الراجعة إليه كل أسماء الأجناس والأعيان .. وممّا ينبني عليه هذا التجريد نشر الجمال في كل شيء دون استثناء، ما استجاب الشيء للشرط أو القيد .. وهذه الأشياء في سياق الخطاب عابرة للموجودات في ذاتها وللأعمال والأحوال وما ينعقد من علاقات ..

- الكون ظرفا، تحويل للموقف أو النظر الجماليّ من الكون حدوثا وتحقّقا، إلى لحظة تسبقه، وينبغي الوقوف عندها اجتنابا لانقلاب فاجع محتمل، إن لم يكن مؤكّدا .. وهذا الانقلاب الفاجع هو المستوى الضّمنيّ في الخطاب، لأنّ البنية المنطقيّة تحمل الوجه الآخر للموضوع، أي ضدّه (القبح) وهو غير منفصل أو متصوَّر خارج هذا الخطّ أو السيرورة (process) .. ويكفي أن نخلّ بالشّرط /الظرف لنعبر إلى منطقة ما بعد الجمال أو ما وراءه وعقباه ..

- العجيب في هذه الأطروحة الكونيّة قدرة اللغة فيها على الاختزال والانتشار وعلى التّجريد والتّجلّي في الأشياء، وعلى التّشكّل في صيغة قانون كونيّ وفلسفة جماليّة وفكرة ميتافيزيقيّة يُستدلّ عليها في ظواهر الأشياء، وفي ما يبدو تفاصيل صغيرة، بيد أنّ وجهة نظر المتكلّم جعلت منها ما يكون تحققا علاميّا للتّصور الجماليّ والفلسفيّ المحرك للرؤية/وجهة النّظر ..

- بعيدا .. خلف وجهة النّظر هذه، يمكن أن نصل إلى النّبع الميتافيزيقي الذي تستقى منه .. فالأمر راجع إلى ثنائيّة الكون وما قبل الكون (حين تكون .. على وشك أن تكون .. ) ورحلة الرّوح خارج عالمها السّديمي، وسكناها عالم الحركة والصيرورة .. لذلك تأتي الأشياء صورة للكون الأوّل، وتكون الحركة في العالم عودا أبديّا استعاديّا للحال الأولى، وتكون الرّؤية الجماليّة محاولة لالتقاط تلك اللّحظة التي نريدها أبدا، ولكنّها تنقضي لنؤول إلى ما بعد الكون .. إلى الفساد والعدم .. لذلك تحتوي العبارة نقيضها الفاجع: " كم هي الأشياء قبيحة حين تكون .. " وحين تكون، يكون الفراغ وتكون الخيبة ويكون النقص والانحدار إلى هاوية الفناء:

         لكلّ شيء إذا ما تمّ نقصان .. (أبوالبقاء)

 

2) الصّور السّبع عشرة .. سيرورة الحجاج

• يمكن أن تفهم الاستراتيجيا الخطابيّة في اتجاهين: استقرائي استنتاجي أو افتراضي استدلالي، بحسب موقع الأطروحة .. وفي الاتّجاهين تعتبر الصّور حججا استقرائيّة /استدلاليّة تختبر بها سلامة الفكرة المحوريّة (كم هي الأشياء جميلة وهي توشك أن تكون .. )

• يمكن للنص أن ينحسر وتتقلّص صوره، وأن ينتشر وتتكاثر إلى ما لا نهاية له .. كما لا نهاية للأشياء حين تكون على وشك أن تكون ..

• في الصّور، كما في الأطروحة، ثنائيّة تقابليّة ثابتة، تتغيّر تجلّياتها وهي ثابتة في عملها .. وهي، على كثرتها (17 صورة)، ليست سوى عيّنات قليلة منتقاة متنوّعة ..

• تبرز في هذه الصور لحظات هي مدار الوصف، إجلاء لمنتهى الجمال (كم هي جميلة .. ) وهي لحظة يراد لها أن تقف وتثبت، ولا يكون لها ما بعد .. وهذا المابعد مرغوب، تهفو إليه النفس وتسرع وتضطرب لهفة وشوقا .. ولكنّ المتكلّم يصوغ وجهة نظر تأباه، بل تخشاه وإن نزعت إليه النّفس .. فانظر في هذه الاحداث تجدها ممّا، لو قيل لك: أتريدها أن تكون؟ لطلبتها مستعجلا حدوثها .. كيف لا وهي نهوض امرأة وغليان قهوة وفتح نافذة وتحرر وطن وحضور صديق، ووصول جسدين وقحين واعتراف إله، وإعلان حب سري وخلود أم عظيمة، ونهاية رواية، وتوقف قطار، وطيران رجل اكتشف الله حديثا، وجنون عقل بارد، وكون نهد مراهقة، وملل سيدة محتشمة، وحياة زهرة برية، وكلام طفل ساحر .. ؟؟؟ .. وكل صورة حجّة ونص داخل نص، يمكن أن تفرده وتقرأه لذاتهن ليكون صورة للكون في دورة الحياة فيه ..

• إزاء هذه الأحداث أو الأحوال تقف وجهة النظر في الدرجة التي هي دونها، وتقاربها وتكاد (أخت أوشك) تكونها، فتلامسها وتشابهها، حتّى لكأنّها هي، ولكنّها مختلفة .. بينها وبين اكتمال الفعل أو الحال فارق كمّي ونوعيّ ينحصر في درجة من التّحقّق والتّجلّي والصّعود ..

• ترتقي هذه الصور إلى رتبة الاستعارات الممثّلة للفكرة والمقرّبة للمعقول بالمحسوس، حتّى " يبقى ما يملا النّفوس .. " ويجعل كونها حلما وانتظارا وشوقا وسعيا ولا بلوغ .. فلا معنى في إعلان حبّ أو نطق طفل أو بلوغ نشوة حبّ، أو ارتفاع نهد أو نهاية رواية .. وكلّ ذلك، إن كان، وهو يكون، تكون المأساة، مأساة الإنسان يطلب الأبد، فلا يجد سوى اللّحظة المنصرمة ..

 

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 3109 المصادف: 2015-03-11 22:20:51