المثقف - قراءات نقدية

رائدا شعر الكدية: أبو الشمقمق وأبو فرعون الساسي (4): أبو الشمقمق بتمامه بين وجودية فقره وخلود ذكره

karem merzaالْكُدْيَةُ لُغةً: جاء في لسان العرب: كدا: كَدَتِ الْأَرْضُ تَكْدُو كَدْوًا وَكُدُوًّا، فَهِيَ كَادِيَةٌ إِذَا أَبْطَأَ نَبَاتُهَا.

الْكَادِي: الْبَطِيءُ الْخَيْرِ مِنَ الْمَاءِ. وَكَدَا الزَّرْعُ وَغَيْرُهُ مِنَ النَّبَاتِ: سَاءَتْ نِبْتَتُهُ. وَكَدَاهُ الْبَرْدُ: رَدَّهُ فِي الْأَرْضِ. وَكَدَوْتُ وَجْهَ الرَّجُلِ أَكْدُوهُ كَدْوًا إِذَا خَدَشْتُهُ. وَالْكُدْيَةُ وَالْكَادِيَةُ: الشِّدَّةُ مِنَ الدَّهْرِ. وَالْكُدْيَةُ: صَلَابَةٌ تَكُونُ فِي الْأَرْضِ. وَأَصَابَ الزَّرْعَ بَرَدٌ فَكَدَاهُ أَيْ رَدَّهُ فِي الْأَرْضِ. وَيُقَالُ أَيْضًا: أَصَابَتْهُمْ كُدْيَةٌ وَكَادِيَةٌ مِنَ الْبَرْدِ، وَالْكُدْيَةُ كُلُّ مَا جُمِعَ مِنْ طَعَامٍ أَوْ تُرَابٍ أَوْ نَحْوِهِ فَجُعِلَ كُثْبَةً، وَهِيَ الْكُدَايَةُ وَالْكُدَاةُ أَيْضًا.

وَيُقَالُ: لَا يُكْدِيكَ سُؤَالِي أَيْ لَا يُلِحُّ عَلَيْكَ، وَقَوْلُهُ: فَلَا نَحْنُ نُكْدِيهَا أَيْ فَلَا نَحْنُ نُلِحُّ عَلَيْهَا. وَتَقُولُ: لَا يُكْدِيكَ سُؤَالِي أَيْ لَا يُلِحُّ عَلَيْكَ سُؤَالِي، وَقَالَتْ خَنْسَاءُ:

فَتَى الْفِتْيَانِ مَا بَلَغُوا مَدَاهُ *** وَلَا يُكْدِي إِذَا بَلَغَتْ كُدَاهَا

أَيْ لَا يَقْطَعُ عَطَاءَهُ وَلَا يُمْسِكُ عَنْهُ إِذَا قَطَعَ غَيْرُهُ وَأَمْسَكَ.

وَفِي التَّنْزِيلِ الْعَزِيزِ: وَأَعْطَى قَلِيلًا وَأَكْدَى، قِيلَ أَيْ وَقَطَعَ الْقَلِيلَ، قَالَ الْفَرَّاءُ: أَكْدَى أَمْسَكَ مِنَ الْعَطِيَّةِ وَقَطَعَ، وَقَالَ الزَّجَّاجُ: مَعْنَى أَكْدَى قَطَعَ، وَأَصْلُهُ مِنَ الْحَفْرِ فِي الْبِئْرِ،

ابْنُ الْأَعْرَابِيِّ: أَكْدَى افْتَقَرَ بَعْدَ غِنًى، وَأَكْدَى قَمِئَ خَلْقُهُ، وَأَكْدَى الْمَعْدِنُ لَمْ يَتَكَوَّنْ فِيهِ جَوْهَرٌ. وَبَلَغَ النَّاسُ كُدْيَةَ فُلَانٍ إِذَا أَعْطَى ثُمَّ مَنَعَ وَأَمْسَكَ.

أَنْتَ ابْنُ مُعْتَلَجِ الْبـ *** طَاحِ كُدَيِّهَا وَكَدَائِهَا

وَقَالَ بَشِيرُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ الْأَنْصَارِيُّ:

فَسَلِ النَّاسَ لَا أَبَا لَكَ ! عَنَّا *** يَوْمَ سَالَتْ بِالْمُعْلِمِينَ كَدَاءُ (31)

وفي قاموس المعاني:

1 - صَعِدَ الكُدْيَةَ:-: الأَرْضُ الْمُرْتَفِعَةُ، وَتُطْلَقُ عَلَى الأَرْضِ الصَّلْبَةِ الغَلِيظَةِ.

2 - يُعَانِي مِنَ الكُدْيَةِ:-: مِنْ شِدَّةِ الدَّهْرِ.

. 3 - يَتَعَاطَى الكُدْيَةَ:-: حِرْفَةُ السَّائِلِ الْمُلِحِّ، الاِسْتِعْطَاءِ

4 - بَلَغَ النَّاسُ كُدْيَةَ فُلاَنٍ:-: إِذَا أَعْطَى ثُمَّ مَنَعَ وَأَمْسَكَ. (32)

الْكُدْيَةُ اصطلاحاً:

يذهب د. نجاح هادي كبة في تعريفه الاصطلاحي لأدب الكدية: إن لفظ الكدية يطلق في تاريخ الأدب العربي على الأدب الذي يصوّر ما اضطر اليه بعض الشعراء والأدباء من الطواف في البلاد واستجداء الناس وما يبتكر بعضهم من حيل في سبيل ذلك وهو شعر حافل بمصطلحات الكدية. (33)

الشعراء بين الطبع المنفلت دون رابط والمتعقل بضابط:

الحقيقة الشعر سلاح ذو حدّين، إمّا أن يكون سلاحاً يعاضدك، أو أن يكون سلاحاً يصارعك، ولسان الشاعر إمّا أن ينفلت دون رابط، أو أن يتعقل بضابط، ومن هنا جاءت وصية أبي تمام لتلميذه البحتري، تأمل ملياً ما يقول البحتري نفسه لتقديمه للوصية، وما يقول أستاذه،ننقل فقرات منها كما وردت في (عمدة) ابن رشيق القيرواني: " قال أبو عُبادةَ الوليدةُ بن عبيدٍ البُحْتري: كُنتُ في حَداثَتي أرُومُ الشِّعْرَ، وكنتُ أَرجِعُ فيهِ إلى طَبْع، ولَمْ أكُنْ أقِفُ على تَسْهيلِ مَأْخَذِه، ووجُوهِ اقْتِضابِه، حتى قصدتُ أبا تَمَّامٍ، وانقطعتُ فيه إليه، واتَّكلْتُ في تَعريفِه عليه؛ فكانَ أوَّل ما قال لي:

يا أبا عُبادة؛ تَخيَّر الأوقاتَ وأنت قليلُ الهُموم، صِفْرٌ من الغُموم، واعْلَمْ أنَّ العادةَ في الأوقاتِ أن يَقصدَ الإنسانُ لتأليفِ شَيْءٍ أو حِفْظِه في وَقْتِ السَّحَر؛ وذلكَ أنَّ النَّفْسَ قَدْ أخَذَتْ حَظَّها مِنَ الرَّاحةِ، وقِسْطَهَا مِنَ النَّوْمِ، فإنْ أردتَ التنسيب؛ فاجْعَلِ اللَّفْظَ رَقيقًا، والمعنَى رَشيقًا، وأَكثِرْ فيه مِن بَيانِ الصَّبابة، وتوجُّعِ الكآبَة، وقَلَقِ الأَشْوَاق، ولَوْعَةِ الفراق، وإذا أَخَذْتَ في مَدحِ سيِّدٍ ذي أيادٍ؛ فأشْهِرْ مَناقِبَه، وأظهِرْ مناسِبَه، وأَبِنْ مَعالِمَه، وشرِّفْ مقامَه، وتقاضَ المعانِي، واحْذَرِ المجهولَ مِنْها، وإيَّاكَ أن تَشينَ شِعْرَكَ بالألفاظِ الزريَّة، وكنْ كأنَّكَ خيَّاطٌ يقطعُ الثِّيابَ علَى مَقاديرِ الأجسام، وإذا عارَضَكَ الضَّجَرُ؛ فأَرِحْ نَفْسَك، ولا تعملْ شِعْرَكَ إلاَّ وأنتَ فارغ القَلْب، واجْعَلْ شَهْوَتَكَ لقولِ الشِّعْرِ الذَّريعةَ إلى حُسْنِ نَظْمِه؛ فإنَّ الشَّهْوةَ نِعْمَ المُعِين، وجُمْلَة الحالِ أَن تعتبرَ شِعْرَكَ بِما سَلَفَ مِن شِعْرِ الماضين، فما اسْتَحسنَ العُلَماءُ فاقْصِدْه، وما تَرَكوهُ فاجْتَنِبْه؛ تَرْشدْ - إن شاءَ اللهُ تعالى".(34)

مما قاله البحتري: " كُنتُ في حَداثَتي أرُومُ الشِّعْرَ، وكنتُ أَرجِعُ فيهِ إلى طَبْع ". إذن الطبع وحده لا يكفي الشاعر، ولا يفي بالغرض، فإطلاق النفس على سجيتها في قول الشعر، قد تجلب المصائب والويلات للشاعر، وهكذا كان معظم شعراء الكدية، ونمر على وصية أبي تمام عجالة، بادئ ذي بدء يقول: " تَخيَّر الأوقاتَ وأنت قليلُ الهُموم..."، وكيف يكون المكدي قليل الهموم، غير مغموم؟!! هذا الشرط يفيد البحتري، ومن على شاكلته،، ويواصل أبو تمام:

" وإذا أَخَذْتَ في مَدحِ سيِّدٍ ذي أيادٍ؛ فأشْهِرْ مَناقِبَه، وأظهِرْ مناسِبَه، وأَبِنْ مَعالِمَه، وشرِّفْ مقامَه، وتقاضَ المعانِي، واحْذَرِ المجهولَ مِنْها، وإيَّاكَ أن تَشينَ شِعْرَكَ بالألفاظِ الزريَّة، وكنْ كأنَّكَ خيَّاطٌ يقطعُ الثِّيابَ علَى مَقاديرِ الأجسام "، ثم كيف يتسنى للشاعر المكدي المطبوع أن يحذر المجهول؟ لو كان قادراً على تجنب المحذور لما وصل إلى ما وصل إليه من الكدية، وهبط للحضيض الأوهد، ولما هبط إلى مستوى السوقية، والعوام، لاجرم أن تشين شعره الألفاظ الزريّة، ومن المحال أن يكون خيّاطاً ماهراً، هذا مطلب كمن يتوخى من الماء جذوة نار!!

مهما يكن من أمر، نحن لا ننفي نباهتهم، وبداهتهم، وحدة ذكائهم، ولكنهم لا يستطيعون التكيف مع نمط حياة، وسلوكيات ومراسيم الطبقة العلية من القوم.

شعراء الكدية غير الصعاليك،أسباب بروز الظاهرة،والفرق بينهما:

شعراء الكدية تبلور مفهومهم في بدايات العصر العباسي بشكل جلي وواضح بعد أن كان لهم بعض السمات الأخلاقية فيما سبق من عصور،ولكن عقبى التطورالحضاري الهائل غير الموزون،فالفساد الاقتصادي من فرض الجبايات بالقوة،واستيفاء الخراج بالتعسف من الطبقات المسحوقة من الفلاحين والكادحين لتصب في خزائن المتخمين، والتمايز الطبقي الرهيب بين طبقة الخلفاء والوزراء والقادة الكبار، إذ يتمتعون بكل ملذات الدنيا من جوارٍ وغلمان، وأشهى الأطعمة، وأجمل وأغلى الملبوسات وأفره المركوبات، وإلى جنبهم الطبقة الفقيرة الجائعة العارية المعدومة المسحوقة التي لا تتوفر لديها حتى كسرة خبز ولا رقعة لبس، ناهيك عن الطبقة الوسطى التي ترفع يديها للدعاء من ربها،أطراف الليل وأناء النهار، أن يديم نعمته عليها لئلا أن تسقط في الهاوية السحيقة، إضافة للصراعات السياسية والفكرية والقومية حيث ثورات العلويين المستمرة والمتواصلة للرضا من آل محمد وبيته، ولا نريد أن نعددها، ونسهب فيها كي لا ينقلب الموضوع تاريخياً،وظهور ظاهرتي الشعوبية والزندقة..من بين كل هذه الصراعات، والتفاوت الرهيب بين قمم شاهقة مرفهة بكل ملذات الدنيا،وأودية سحيقة مسحوقة تماماً، برز شعراء الكدية،إذ يطمحون بما وهبهم الله من ملكة الشعر أن يتسلقوا، أو حتى ينفذوا بجلودهم من آفة الفقر،وشبح أنيابه المفترسة حتى الوحشية،ولعل رائدهم الأول أبو الشمقمق، وعاصره من بعده أبو فرعون الساسي، وتوالى بعدهما أبو دلف الخزرجي، أبو العبر،أبو المخفف،ابن سكرة، ابن الحجاج،وانضم إليهم كتاب عملاقة كبديع الزمان الهمداني وأبي حيّان التوحيدي، كان هؤلاء الشعراء والأدباء " يجوبون الساحات العامة والمساجد يستجدون الناس، وقد استعملوا لذلك الخطب البليغة والقصص المسلية والمواعظ والقصائد الشعرية يستدرون بها عطف الناس نادبين بها حظوظهم وشاكين سوء أوضاعهم ". (35)

وهؤلاء غير الشعراء الصعاليك الذين توارثنا أدبهم منذ بدايات العصر الجاهلي، وكان يمثلهم الشنفرى وتأبط شرّاً وعروة بن الورد، بل حتى امرؤ القيس في مرحلة من حياته، وإن كان ابن ملوك، وأمير الشعراء.

نعم الصعاليك وشعراء الكدية يجمع بينهم الفقر،ولكن ليس كل فقيربمثل فقير،فهما بإتجاهين متضادين، فالصعاليك لا يستجدون أحداً لخور عزيمة، ولا يمدّون يداً ذليلة، بل هم من ذؤبان العرب، يمتازون بشجاعتهم وجرأتهم وإقدامهم، وسرعة عدوهم، وصبرهم على المكاره، وإنسانيتهم بمساعدة الفقراء المظلومين، وبلصوصيتهم، وغاراتهم على الأثرياء والبخلاء، لا يستجدون، ولا يتوسلون، بل ينتزعون ما يعتبرونه حقّاً لهم، غصب منهم بالجور والظلم والاحتيال والابتزاز، ولله في خلقه شؤون !!

ومواضيع شعرهم ليس كشعر الكدية بملاطفته وطرافته، وهزله حتى يصل إلى النثر المنظوم بلا صور مركبة ولا بسيطة، ولا إيحاءات،لين،ضعيف، سوقي، وأحياناً ملحون، وإنما شعر الصعاليك، يصف غارات شعرائه، وعدوهم وغزواتهم، وصداقتهم لحيواناتهم، وإنصافهم، واشتراكيتهم، شعر قوي، متين، في ه من الوصف والبلاغة مما يجعله من أجود الشعر العربي إطلاقاً.

أبو الشمقمق وشعر كديته:

شاعر ليس لديه ما يفقده بعد أن خسر كرامته، ولمّا تخلى عنه مجتمعه أن يحفظ ماء وجهه، هذا مصيره، وتفلسف مع وجوده فطنة وضرورة، والجوع أبو الكفار، وتبعه على نهجه شعراء الكدية، ماذا تنتظر من شاعر قال ما قال كما أسلفنا؟ ونذكرك للتأمل والربط:

ولقد قلتُ حين أقفرَ بيتي ***** من جراب الدقيقِ والفخارَه

فأرى الفأر قد تجنبن بيتي ****** عائذاتٍ منه بدار الإماره

أو قوله:

ولقد قلتُ حين أجحرني البر ** دُ كما تجحرُ الكلابُ ثعاله

في بييتٍ من الغضارة قفر ** ليس فيه إلا النوى والنخاله

عطلتهُ الجرذان من قلة الخير *** وطار الذبابُ نحو زُباله

أحسن حالاته لما يضيق به الحال يلجأ لصاحبه بشار يستجدي منه، كما يروي لنا صاحب (الأغاني):

خبرني هاشم قال حدثني دماذ قال حدثني رجل من الأنصار قال:

جاء أبو الشمقمق إلى بشار يشكو إليه الضيقة ويحلف له أنه ما عنده شيء فقال له بشار والله ما عندي شيء يغنيك ولكن قم معي إلى عقبة بن سلم فقام معه فذكر له أبا الشمقمق وقال هو شاعر وله شكر وثناء فأمر له بخمسمائة درهم فقال له بشار:

يا واحد العرب الذي *** أمسى وليس له نظير

لو كان مثلك آخر ******ما كان في الدنيا فقير

فأمر لبشار بألفي درهم فقال له أبو الشمقمق نفعتنا ونفعناك يا أبا معاذ فجعل بشار يضحك. (36)

أبو الشمقمق يحزن فيتألم، يسخط فيتبرم، يشكو فينقم، يجوع فيستجدي، يعرى فيسترحم، يكرُّ فيَهزم، يفرُّ فيتفلسف، حيّر الدنيا فحارت به، ثائرٌ نعم على بشار الأعمى، وأبي العتاهية الزاهد بين مخنثيه، وسلم الخاسر وأمه المضياف.. متسول متوسل نعم بين يدي الهادي وخالد بن يزيد الشيباني وعقبة بن سلم، من شعراء الكدية نعم، لكن طرق الكدية متباينة، من لحظة إلى لحظة، ومن ظرف إلى ظرف، ومن شاعر إلى آخر، تتموج بين الطرافة والظرافة والتمثيل والتهكم والسخرية، والجرأة والجبن... شعرة قوي متين بديباجة بليغة سلسة، ومعان راقية، وصور رائعة، وفلسفة عميقة حين يخلو بنفسه متأملاً ملهماً، ولكن ينزل للحضيض بلحنه وسرده النثري وركاكته وضعفه عندما يكون بين العوام والسوقة، الآن إليك مختارات أخرى من شعركديته:

لَو قَد رَأَيتَ سَريري كُنتَ تَرحَمُني *** وَاللَهُ يَعلَمُ مالي فيهِ تَلبيسُ

وَاللَهُ يَعلَمُ ما لي فيهِ شابكةٌ إِلّا الحَصيرَةُ وَالأَطمارُ وَالديسُ (37)

يتبين لنا من شعره أن الأسِرّة كانت تزدان بأجمل وأبهى وأرقى التلبيسات والتزينات والمعطرات والمنومات...!! أما سريره فهو يستعطفك، ويستدر رحمتك، ويشهّد الله مرتين لعلك ترق على حاله، وحال سريره خالي من أي تلبيس، ولا أمتعة مُمْتعة مُمّتِعة سوى حصيرة بالية، وملاءة مرقعة خاوية.

وإليك من قصيدة، - ذكرناها من قبل - قالها في حق أحد الخلفاء العباسيين، ونستدل على ذلك من مفردات جلية واضحة لا تقال إلا لخليفة...الملك..الجلالة...الهاشمي، انظر كيف يذل نفسه وعياله حتى الاشمئزاز، هذه كدية وليس مدحاً، ليس فيها من التعفف والكرامة وعزّة النفس أي لمحة، ولا شطحة:

يا أَيُّها المَلِكُ الَّذي جَمَعَ الجَلالَةَ وَالوَقـــاره

إِنّي رَأَيتُكَ في المَنام وَعَدَتني مِنكَ الزَيــاره

إِنَّ العِيالَ تَركتُهُم بِالعَصرِ خُبزُهُم العَصــاره

وَشَرابُهُم بَولُ الحِمارِ مِزاجُـــهُ بَولُ الحماره

ضَجّوا فَقُلتُ تَصَبَّروا فَالنَجحُ يَقرنُ بِالصباره

حَتّى أَزورَ الهاشِمِيَّ أَخو الغَضارَةِ وَالنَضاره

مثل هؤلاء الشعراء الذين لا يعرفون كيف يوازنون بين كرامتهم وإنسانيتهم وعزّة نفسهم وبين مدح الخلفاء أو الوزراء والإشادة بهم، وإشهار كرمهم طالما وقفوا على أبوابهم، يتعرضون للإهانة والسب والشتم والطرد، بينما شخصية مثل دعبل الخزاعي الذي اعتبرته الوجه الآخر للشعر العربي، وهو معاصر لأبي الشمقمق، وتواجها عند بشار بن برد، يخاطب الخليفة المأمون بقوله:

أيسومني المأمون خطّة جاهلٍ *** أو ما رأى بالأمس رأس محمد؟

إنّي من القوم الذين ســــيوفهمْ ***** قتلت أخــــاك وشرفتك بمقعد

شادوا بذكرك بعد طول خمولة ** واستنقذوك من الحضيض الأوهدِ

وكان المأمون يجلّ دعبلاً ويستشهد بشعره، ويسخر دائماً بوزيره أبي عباد الشهير بصلافته، ويقول له: ماذا يريد منك دعبل بقوله:

وكأنّه من دير هزقل مفلت *** حرد يجرّ سلاسل الأقياد ِ

وقيل للمأمون: دعبل هجاك، فكان يرد، وما العجب؟! هو يهجو أبا عباد، فكيف لا يهجوني

عصر عجيب غريب !! وهذا لا يعني أن أبا الشمقمق حين يستجدي ويُرد، لا يهجو !! بل يهجو من يقدر عليه من الكبار الصغار،سأل مرّة سعيد بن مسلم فمنعه، فرماه بالبخل والحرص وجمع الثروة حتى لو ملك البجار

ومن ذلك قول أبي الشمقمق الذي يهجو فيه سعيد بن مسلم وقد أتاه وسأله فمنعه، والذي يبرز فيه حرصه على المال، وبخله،مهما اغتنى ومهما جمع من الثروة، حتى أنه لو امتلك البحار كلها وقصده والده،، وهو أحقالناس واجباً عليه، وطلب منه قليلاً من الماء ليتوضأ به لما أعطاه قطرة ماء واحدة ولنصحه أن يتيمم بالتراب:

هَيهاتَ تَضرِبُ في حَديدٍ بارِدٍ** إِن كَنتَ تَطمَعُ في نَوالِ سَعيدِ

وَاللَه لَو مَلَكَ البَحارَ بِأَسرِهــــا*** وَأَتاهُ مُسْلِمٌ في زَمانٍ مُدُودِ

يَبْغيهِ مِنها شَربَةً لِطَهُـــــورِهِ *****لأبى وَقالَ: تَيَمَّمنَ بَصَعيدِ (38)

وإذا استجدى من قائد، أو والٍ ولم يكرمه بعطاء يقذفه بسباب أو هجاء مقذع كوسيلة ردع لغيره أو طمع فيما إذا كرر السؤال يجد العطاء،، ذهب مرّة إلى والي الأهواز داود بن بكر فمدحه، ولم يعطه السيد الوالي أي شيء وخيب أمله، فهجاه قائلاً:

وَلَهُ لحيَةُ تَيسٍ وَلَهُ مِنقارُ نَسرِ **** وَلَهُ نَكهَةُ لَيثٍ خالَطَت نَكهَةَ صَقرِ (39)

جمع خصائص الحيوانات القبيحة، فلحيته لحية تيس وليس لإنسان ورع تقي، وأنفه كمنقار نسر مما يشير إلى غباوته، وجمع نكهة الأسد الكريهة والصقر الخبيثة !!

الحقيقة يذكر ابن المعتز وغيره عن تفشي ظاهرة كدية الشعراء، وبحرفية أمهر وأشنع بعد أن بذر بذرتها الأولى أبو الشمقمق، فإليك ابن المعتز و(طبقاته)،وأخبار أبي فرعون الساسي:

" حدثني أبو محرز الكوفي قال: أتى أبو فرعون الساسي أبا كهمس التاجر فسأله، فأعطاه رغيفاً من الخبز الحواري كبيراً، فصار إلى حلقة بني عديٌ، فوقف عليهم وهم مجتمعون، فأخرج الرغيف من جرابه، وألقاه في وسط المجلس وقال: يابني عدي استفحلوا هذا الرغيف، فإنه أنبل نِتاج على وجه الأرض، قالوا: وما ذاك؟ فأخبرهم، فاجتمعوا إلى آبى كهمس التاجر فقالوا: عرضتنا لأبي فرعون وقد مزقنا كل ممزق.

ومما يستملح له - وكان من أفصح الناس وأجودهم شعراً، وأكثرهم نادرة، ولكنه لا يصبر عن الكدية.... - وهو القائل:

ليس إغلاقي لبابي أن لي ** فيه ما أخشى عليه السرقا

إنما أغلقه كي لا يرى *** سوء حالي من يجوب الطرقا

منزلٌ أوطنه الفقر فلو ******** دخل السارق فيه سُرقا

لا تراني كاذباً في وصفه **** لو تراه قلت لي: قد صدقا

(....) وهذه القصيدة من خيارها: والذي أخذ فيه طريق الجد كلمته في الحسن بن سهل وقد أجمع الناس على حسنها وفصاحتها وهي قوله:

سُقياً لحى باللوى عهدتهم **** منذ زمان ثم هذا عهدهم

عهدتهم والعيش فيه غرة ***** ولم يناو الحدثان شعبهم

ولم يبينوا لنوى قذافة *****تقطع من وصل حبالي حبلهم

فليت شعري هل لهم من مطلب***أو أجدن ذات يوم بدلهم

الناس أشباهٌ كما قد مثلوا ****** وفيهم خير وأنت خيرهم

حاشا أمير المؤمنين إنه ******** خليفة الله وأنت صهرهم

فأحسنوا التدبير لما ناصحوا ***وأمنوا العتب فطال نصحهم

إليك أشكو صبية وأمهم ******** لا يشبعون وأبوهم مثلهم

قد أكلوا اللحم ولم يشبعهم **** وشربوا الماء فطال شربهم

وامتذقوا المذق فما أغناهم***والمضغ إن نالوه فهو عُرسهم

لا يعرفون الخبز إلا باسمه ***** والتمر هيهات فليس عندهم

وما رأوا فاكهة في سوقها ****وما رأوها وهي تنحو نحوهم

زعر الرءوس قرعت هاماتهم... من البلا واستك منهم سمعهم

كأنهم جناب أرض مجدب ***** محل فلو يعطون أوجي سهمهم

بل لو تراهم لعلمت أنهــم ********* قــــوم قليل ريهم وشبعهم

وجحشهم أجرب منقور القرى **** ومثل أعواد الشكاعي كلبهم

كأنهم كانوا وإن وليتــــــــــهم ********طراً مواليِّ وكنت عبدهم

مجتهداً بالنصح لا آلوهـــــــــــم ***** أدعو لهم يا رب سلم أمهم ". (40)

ولم يكتفِ هذا السوسي بمدحٍ لوزير للاستجداء، ربما يلجأ لأسلوب سخريٍّ فكاهي للسؤالمن أولي الأمر والوجاهة ممن يتوسم فيهم قضاء حاجته، وسد رمق لقمته، فإليك شعره في قاضي البصرة:

يا قاضي البصرة ذا الوجه الأغر

إليك أشكو ما مضى ومـــــا غَبَر

عفا زمــــــان وشتـــاء قد حضر

أنا أبا عَمْرةَ فــــي بيتـــي انجحر

يضرب بالدف وان شـــــــاء زمر

فأطرده عــــني بدقيـــقٍ ينتظـــر (41)

يذكر عباس هاني الجراح في معرض جمعه وتحقيقه لديوان أبي فرعون الساسي أن أسمه (شو يس)، وهو عربي من عدي بن الرباب بن عبد مناة بن أد بن طابخه، وكنيته: (أبو فرعون)، ويطلق علية: شويس العدوي. إما لقبه (الساسي)، فقيل نسبة إلى قرية الساس، أسفل واسط.

وأبو فرعون هذا " شيخ قصير، عظيم الهامة، كث اللحية "، عاش في البصرة في العصر العباسي، وكان بدوياً، إعرابيا، سائلاً، " لا يصبر عن الكدية ") ! ولا نعرف سنة وفاته تحديداً، وإن كنا نرجح انه توفي في أوائل القرن الثالث الهجري، ويذكر أن أدونيس أرخ وفاته 212 هـ دون سند،وأنني أميل لهذا التاريخ من حيث مدحه للحسن بن سهل وزير المأمون. (42)

وهذا شاعر آخر من بيت الخلافة، ويستجدي بأسلوب آخر مميز:

كان الشاعر العباسي أبو العبر الهاشمي،وهو من أسرة الخلافة نفسها يستجدي بحماقته وتمثيله الساخر فصار ألعوبة بيد سيده المتوكل العباسي، وكان قد ظل خمسين عاماً يحيا حياة جادة الى ان ولي المتوكل فترك الجد وعدل الى الحمق والشهرة ويقال انه لم يكن في عصره صناعة إلا وهو يعملها بيده حتى العجين والخَبْز، وفي بعض أحاديثه ما يدل على أنه كان ببغداد لعصره معلمون يعلمون الأحداث الهزل وأنه أخذ عن معلم منهم ما عرف به من قلب الكلام رقاعة... ويقال: إنه حاول أن يلفت المتوكل إليه فقلب زيه إذ جعل في رجليه قلنسوتين وعلى رأسه خفًّا (حذاء) وجعل سراوله قميصاً وقميصه سراويل فلمّا لمحه المتوكل قال عليَّ بهذه المُثْلَة، ودخل عليه، فقال له: أنت شارب إني أضع الأدهم (القيد) في رجليك، وأنفيك إلى فارس، فقال توا: ضع في رجليّ الأشهب وانفني الى راجل، فقال المتوكل: أتراني في قتلك مأثوم؟ فقال: بل ماء بصل، فضحك المتوكل، ويقال انه أخذ منه أكثر مما أخذه أي شاعر بالجد، وقد أتخذه في مجلسه اضحوكة فكان يرمي به في البركة التي وصفها البحتري في إحدى اماديحه وتطرح عليه الشباك، ويصاد ويخرج وهو يقول:

ويأمر بي ذاك الملك

فيطرحني في البرك

ويصطادني بالشبك

كأني بعض السمك

ويضحك كك ككك

ككك كك ككك (43)

نكتفي بهذا القدر المقدّر لنغلق ملف أبي الشمقمق المقدّر، لعلنا قدمنا فكرة موجزة عنه، وكنا على عجالة من أمرنا ليحل الضيف الأخير، لا بزمنه وإنما بموضوعه،في كتابنا الموسوم (شعر وشعراء... من الشنفرى حتى الجواهري...دراسات أدبية وقراءات نقدية)، والله الموفق لكل خير والسلام في الختام.

 

..........................

(31) لسان العرب: أبو الفضل جمال الدين محمد بن مكرم (ابن منظور) - ج 13 - - ص 36، 37 - دار صادر - سنة النشر 2003م.

(32) موقع المعاني:ترجمة ومعنى كدية في قاموس المعاني. قاموس عربي عربي

http://www.almaany.com/ar/dict/ar-ar/%D9%83%D8%AF%D9%8A%D8%A9/

(33) في أدب الكدية - العصر العباسي انموذجاً - د. نجاح هادي كبة - مجلة الثقافة الجديدة: العدد 367 تموز 2014

34) العُمدة في محاسن الشعر وآدابه ونقده: ابن رشيقٍ القيرواني، تح محمد محيي الدين عبدالحميد، دار الجيل، ط 4، 1972م، ج، تأمل 2، ص 114 - 115

(35) في أدب الكدية - العصر العباسي انموذجاً - د. نجاح هادي كبة م. س.

(36) الأغاني: (3/172) م. س.

(37) أبو الشمقمق الديوان: ص 64 م. س.

م. ن. (38) ص37

م. ن. (39) ص44

(40) طبقات الشعراء: ابن المعتز -1 /114 - م. س.

-(41) الكيالي، إبراهيم: من كتاب الإمتاع والمؤانسة، لأبي حيان التوحيدي، ج2، ص 454 جمع وإعداد، منشورات وزارة الثقافة والإرشاد السوري، دمشق، 1978م

(42)

مجلة الجندول AL JANDOOL MAGAZINE

مجلة ادبية فكرية تصدر في محافظة القادسية، السنة الثانية: العدد 14، تشرين2 (نوفمبر) 2004 - مجلة علوم انسانية - شعر أبي فرعون الساسي - جمع وتحقيق عباس هاني الجراخ / باحث ومحقق / جامعة بابل.

(43)

- أبو العِبَر الهاشمي

صحفية الرياض الجمعة 21 جمادى الأولى 1425العدد 13167 السنة 4

(عن (ابو العبر الهاشمي: جمع وتحقيق عادل العامل

منشورات وزارة الثقافة السورية

2004

- - تاريخ الأدب العربي: ضيف، شوقي: ص501، ق1، 2، دار المعارف بمصر، القاهرة، ط19، 2008م

المشاركون في هذه المحادثة

تعليقات (2)

This comment was minimized by the moderator on the site

استاذنا الجليل كريم مرزة الأسدي
ودا ودا
موضوع مفيد وطريف وغني لغة وأخبارا وتاريخا بأسلوبك الرشيق
وأظنك الوحيد الذي أنصف أبا الشمقمق في السنوات الأخيرة فنادرا
ما يسلطون الضوء على مثل ظاهرة ابي الشمقمق وغيره ويبدو لي
ان في جعبتك ما هو بمقدار كتاب مكرس حول ابي الشمقمق وشعره
وموقعه في عصره وما تلاه حتى الآن .
اتمنى ان تكون هذه المقالات ضمن كتاب كي ينتفع بها القراء .
دمت في صحة وبحث وأبداع استاذنا العزيز

جمال مصطفى
This comment was minimized by the moderator on the site

الناقد والشاعر الكبير الأستاذ جمال مصطفى المحترم
السلام عليكم والرحمة
أشكرك جدا على مرورك الكريم وأريحيتك ، ومتابعتك لبحوثي ومقالاتي وقصائدي ، وهذا دليل على تعلقك وشغفك ودراساتك المنهجية للتراث ولمسارب لغتنا الجميلة ، أشكرك شكرا جزيلا ، من طبعي لا أطنب ولا أوجز في بحوثي ، وإنما المساواة لكي لا يمل القارئ الكريم ، ولا يحس بنقص المعلومات والتخليل ، فالأمر بين بين ، احتراماتي ومحبتي

كريم مرزة الاسدي
لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 3109 المصادف: 2015-03-11 22:26:34