المثقف - قراءات نقدية

في كونيّة الأنثى وأنثويّة الكون .. قراءة في نصّ: من أنا؟ لإيمان الشرباتي

من أنا؟

أنا غيمة شاردة تبحث عن البيادر والسهول

أنا شجرة شامخة صابرة على غدر السنين

أنا نغم حائر يعزف ليلا نهارا على الوتر الحزين

أنا لغة هاربة اقترفتها الأقدار في ليلة مقمرة

أنا قوة خارقة يحملها ذلك الضعف الأنثوي الذي ينساب من بين أهدابي

أنا من انسكب نيسان في عينيها

أنا من تجمع سحر الصبايا فيها

أنا...

أنا الأنثى...

 

هذا النص هو نص في الهويّة..الهويّة الأنثويّة..هويّة أنثى..هويّة الأنثى من حيث هو/هي موضوع للبحث، وموضوع للكشف، للخطاب.. وككلّ خطاب يقترن الموضوع فيه بالوسائل والأدوات الخطابيّة المناسبة للموضوع، الذي تتداخل فيه قضايا المعنى (التعريف/من أنا؟) واللغة /الخطاب (كيف أقدّم نفسي؟ وهل أعلم ذاتي لأقدّمها؟ وإن علمت، أتراني أعلمها كلّها؟ هل أملك من الوسائل التعريفيّة ما يمكنني من بناء خطاب تعريفيّ فعّال؟ وككل خطاب في الهويّة، ينفتح الموضوع على القيمة، لأنّ أيّ خطاب، شعريّ أو غير شعريّ، هو خطاب محاور، مصحّح، معلّم، مناقش، مؤسّس، معدّل، يصوغ تمثّلا ويردّ على تمثّلات، بصورة ما...

 

1) الهويّة..التعريف..المعنى:

سؤال الهويّة الذي يظهر منذ العنوان (من أنا؟) يسم الخطاب بميسم إشكاليّ له حضوره وانعكاسه في الخطاب نظاما ووسائل ومقصدا.. ولعلّ البنية الاستفهاميّة للعنوان هي البؤرة الأساسيّة المشعّة بهذا الهاجس التّعريفيّ المعنويّ المتعلّق بالذّات المتكلّمة، تتقدّم ذاتا وموضوعا، لتكون العلامة وما تعنيه العلامة، في أفق ذاتيّ حواريّ من حيث المنطلق والمنتهى، لأنّ هذه الذّات/العلامة/الكيان/الشيء الموجود في العالم لا نتمثّله تمثّلا واحدا بل تمثّلات مختلفة، وقد لا نتمثّله في صورة جليّة ساطعة نقيّة كاملة، فنحتاج إلى ضبط معناه وفتح معاجم التعريفات المكتوبة وغير المكتوبة (في الأذهان والتصورات) للتعريف وإعادة التعريف، والمواجهة بين تعريف وتعريف، لبيان وجاهة تعريف قياسا على تعريف.. وفي كلّ ذلك ما فيه من وجوه الحيرة والتردّد والتّحدّي والتمرّد، في عالم يعيد النّظر في كلّ شيء وفي كلّ الكيانات والمفاهيم، فتتصدّى المتكلّمة للموضوع من زاوية نظر خاصّة، لأنّها وجهة نظر إبداعيّة متعلّقة بالمرأة/الأنثى تكتب ذاتها، وتتساءل عن معناها وهي تعلم أو لا تعلم تمام العلم، وتريد أن تُعلم وتعلّم، فتقول...

 

2) من الضّمير/الذّات إلى اسم الجنس /الأنثى

النّصّ بهذه الصّورة مسيرة تعريفيّة انطلقت من الخاصّ (أنا) إلى العامّ (الأنثى) ووجد الاستفهام المفرغ في اسميته من الخبر (من..؟) في اسم الجنس (الأنثى) ما يملأ المحلّ المفرغ من المعنى أو المبهم أو المجهول.. وهذا الاستقرار في البنية الخبريّة (أنا الأنثى) بعد اهتزاز البنية الاستفهاميّة يُعتمد في تحقيقه على اللغة/ المعجم من خلال وحدة معجميّة معرّفة (الأنثى) يفترض في الخطاب أنّها جماع المعنى ومبلغ الغاية وتمام التعريف منعا وجمعا وإفهاما وإقناعا..

وهذه الوحدة المعجميّة التي أرادتها المتكلّمة جامعة، لا نعلم ولا هي تعلم، أيّ تمثّل تنشئه في أذهان المتلقّين، وفي هذا ما فيه من تعدّد تمثّليّ ثقافيّ إيديولوجيّ يجعل ما أردناه كشفا، يحتاج بدوره إلى كشف، ويحتاج التعريف بيانا وتفسيرا في خطاب آخر، مفتوح على المعاني وما تنتجه من المعاني..

ولكنّ هذا الإشكال السيميائيّ العامّ لا يحجب الحقل الدّلاليّ الذي ينتشر فيه المفهوم في بعده المقوليّ الجامع والمكثّف للمعنى كما أرادته المتكلّمة..ولعلّ بنية التّعريف (الأنثى) هي ممّا يخرج الذّات المعرّفة من عالم "الأعيان" ليضمّها إلى عالم الجواهر (الأنثى) بما يتجاوز التعريف المعجميّ (خلافُ الذّكر من كل شيء..) وما يتّكئ عليه من معايير مضطربة، إلى تعريف أشمل وأكمل، مداره على المكانة والخصال والقيمة..وهذا ممّا تذهب إليه المعاجم ذاتها، وإن ذكرت ذلك في ثنايا متحجّبة (ويقال: هذه امرأَة أُنثى إِذا مُدِحَتْ بأَنها كاملة من النساء..) وبذلك لا تكون كل أنثى هي الأنثى، إلاّ متى كملت ولم تكن مجرّد امرأة/أنثى..وهذا الكمال المراد يعني بها المرأة ذاتها (وهذه حال الشاعرة) ويعني من يراها ويدركها ..وعليه في منطق الخطاب، أن يرفع تمثّله للمرأة/الأنثى، إلى ما يلائم مكانتها الكونيّة التي تجتهد في إبرازها هنا..

وفي المحصّلة يبقى المفهوم (الأنثى/الانثويّة..) ملتبسا التباسا تواصليّا تأويليّا راجعا إلى مشكل اللّغة ومدى قدرة نظمها وعدّتها على تبليغ المراد، وما يعتمل في النّفوس ويتحرّك في الأذهان من تصوّرات..

لهذا رأينا النّصّ ينشأ ويتنامى (من عتبة العنوان) حتّى الجملة الأخيرة (أنا الأنثى) ليكون محاولة إبداعيّة في التّعريف بهذا الكائن/الكيان/الموجود، بما يلائم تمثّل المتكلّمة، ويشبع حاجتها إلى التّواصل في شأنه شعريّا مع الآخرين..

 

3) مسيرة التّعريف..مشقّة التّحديد..مشقّة الوجود/عظمة الأنثى..

النص (المتن) عشر جمل، العاشرة خلاصتها وجماعها، أقلّها لفظا وأوسعها معنى..لذلك رأينا الذّات المتكلّمة / الحاضرة في الخطاب بواسطة ضمير المتكلّم (أنا) تعرّف نفسها تعريفا مزدوجا، يخرجها من دائرة الوجود الفرديّ المحدود في المكان والزّمان، إلى دائرة الكون (الأنثى) فتتماهى مع هذا المفهوم/المعنى الكونيّ المجرّد، وهو تجريد يجعل العبارة (الأنثى) متعالية مطلقة، وفي الآن نفسه منتشرة في العالم وفي الطّبيعة وفي الأشياء.. والجمل الثّماني (لأنّ التّاسعة محلّ الخبر فيها شاغر لمقصد شعريّ فنّي ودلاليّ..(أنا.....) تهيئة للخبر اليقين (أنا الأنثى)...).. هي صورة لمسيرة تعريفيّة وصفيّة قائمة على التّجانس التّركيبيّ (الاسميّة) وتواتر حضور المسند إليه (أنا) مؤشرا على الذّاتيّة الواسمة للخطاب بالخبرة الشّخصيّة، ممارسة وتفكيرا..

وفي هذه السلسلة من الجمل يتنوّع الخبر في بنية نعتيّة متواترة، وتتكاثف متعلّقات الخبر (الصفة والموصوف) لغاية تعبيريّة، إجلاء للصورة وللمعنى على الوجه الذي يرضي رغبة الذّات الواصفة في الإحاطة والشّمول والتّبليغ..ولا يخفى ما في هذا التّرديد والتّنويع من جهد وصفيّ تعريفيّ يقترن بالحيرة والحاجة إلى إرفاد القول بالقول حتى بلوغ الغاية الخطابيّة القصوى، وهي الإقناع، بتقديم الصّورة على القدر الممكن من الجلاء والكمال..لذلك نشرت وأفردت (غيمة/شجرة/نغم/نغمة/قوة..) ثمّ جمّعت (نيسان/ تجمّع سحر الصبايا..) وأخيرا اختزلت وكثّفت في ما عدّته الهويّة الجامعة (الأنثى)..

 

4) الصّورة الشّعريّة...عماد التّعريف..وصولا إلى أنثويّة الكون

انطلاقا من هاجس تعبيريّ فنّيّ، وتواصليّ حواريّ، وذهنيّ تمثّليّ، كان لا بدّ أن تركب المتكلّمة الصّورة في بعدها البلاغيّ الإبلاغيّ والجماليّ، فارتقت بالخطاب إلى رتبة الأقوال الجميلة والمبينة..

ولأنّ الموضوع ذاتيّ وخلافيّ، ومتعلّق بالهويّة والمعنى، ولأنّ ذاك المعنى المشكّل للهويّة ليس بالوضوح والجلاء الموضوعييْن، جاء النّص في بنيته التّصويريّة ناطقا بالحيرة والاجتهاد ومشقّة الوصف والتّعريف. فكانت الصّورة (التّشبيه البليغ) عصب الخطاب ونواته الصّلبة، وأعتى الوسائل تعبيرا وتأثيرا..

والعجيب أنّ هذه المشقّة التّصويريّة مناسبة للهويّة المقدّمة، فإذا هي آخذة من معنى المشقّة والمعاناة (الجمل 1/2/3/4) وتحيا توتّرا نلمس أثره في بنية التّشبيه وفي اعتماد ما يوسّع دائرة الإيحاء بالهويّة في بعدها الكونيّ، انطلاقا من المماهاة بين الأنثى والماء والسّقيا (غيمة) والثّمر والظل والتّجذّر (شجرة/ويمكن التّوسع في صورة الشجرة ومختلف السجلاّت التي تبرز قيمتها الاستعارية الدلاليّة,,,) والفنّ والوجدان (نغم/نغمة) والتّجدّد والجمال (نيسان) والفتنة والشباب (الصبايا)..

ويعضد هذه الصّور التّشبيهيّة المفتوحة على التّأويل والتّخريج سجلّ القيم، فجاء ضمنيّا وصريحا مبرزا منزلة المرأة/الأنثى في التّاريخ وفي المجتمع وفي الكون (الشّموخ/الصّبر/القوّة..)..

 

5) الكينونة الحزينة..المجهولة..المضطهدة..

من المفارقات الكبرى التي سعت الكاتبة إلى إبرازها في هذا النّص، التّباين بين القيمة الكونيّة للمرأة/الأنثى والدّور الرّساليّ /الأسطوريّ الذي يينزّلها منزلة الآلهة (هي في الغيم والشّجر والسماء والأرض والرّبيع والجمال والحبّ...) وبين سوء التمثّل للمكانة كما ينبغي أن تكون وتتجلّى في التّصوّر والنّظرة والسّلوك.. لذلك تظهر هذه الأنثى هنا في قطيعة مع العالم (تبحث..) كائنا حزينا حائرا، مغدورا، غير مقدّر حقّ قدره (صابرة على غدر السنين/ حائر يعزف ليلا نهارا على الوتر الحزين/ صابرة على غدر السنين..) وفي هذا ما فيه من سكوت واختزال لمظالم التّاريخ ماضيا وحاضرا لكيان هو الكون بكلّ ما يعنيه من كمال وجمال...جمال ليلة مقمرة يقترن فيها الإثم بالجمال (كذلك يختزل الوعي الجمعي الأنثى هذا الاختزال الآثم..)...

 

6) الأنثى ...الأنثويّة...اللّغة الهاربة..

كذلك تبدو الأنثى كما جاءت في الخطاب، لغة هاربة، مستعصية ومعنى مستغلقا لا يجد سبيلا إلى اسمه ودوالّه.. فهي تُحسّ ولا تُقال، فتضيق عليها العبارة، لتبقى سجينة التّصوّر وإن اجتهد اللّسان وأفصح بعض الإفصاح.. فلا يكون التّواصل، ولا يتحقّق البيان على الوجه الذي أرادته صاحبة القول..ويظلّ الخطاب جهدا قرائيّا نسبيّا محدودا، لأنّه دون الموضوع المتفلّت (هاربة) ولأنّه لغة على لغة وتأوّلٌ لعلامة كونيّة متعالية لا تؤتي من علمها إلاّ قليلا..

كذلك "انسابت " الأنثى والأنثويّة من بين أهداب الشّاعرة ووجدانها وفكرها، وانسكبت شعرا نيسانيّا جامعا بين بلاغة الإيحاء وبلاغة العقل والمنطق، فذكّرت أنّ "الأنثى هي الأصل..."في عالم ينزّلها منزلة الفرع والضّلع...

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 3111 المصادف: 2015-03-12 23:43:00