المثقف - قراءات نقدية

الضّبابية السّرمديّة منتهى المعرفة والحبّ .. قراءة في نصّ: غيث مسافر لفاطمة نزال

غيث مسافر

كصاحب الظل الطويل

أو كطيفٍ هاربٍ

أراك ولا أراك

وكأنشودة للمطر

تتراقص الكلمات

على موسيقى

انهمار غيث مسافر ،

حط من غيمة تشرينية شاردة .

ارتوى جسد الورد الذي ذوى ،

وزغردت براعم الزهر احتفاءً

بهذا الزائر الذي

حل على غير انتظار .

كطيف في حلم رمادي ،

تتبعت مسارك

لمست ظلك ،

أمطت اللثام عن وجهك لأتبين ملامحك

فلم أرَ الا دخان لفافة ،

تخيلت رسمك ،

كان ضبابيا ، سرمديا

وككتاب مقدس

رتلت آيات الهوى ،

حفظتها لأتبارك

بكل ما أوحى به إليك

تدثرت بظلك

وزار الكرى جفنيّ

واكتفيت بكَ

نيزكا شاردا

يخطف بوميضه

نور مقلتي .

 

1) الماء النّازل.. الصّدى الصّاعد

العنوان، بين النعتية والإضافة، يمنحنا في إضاءة المعنى إمكانات كبرى، تدعمها الصورة الاستعارية الجامعة بين البعدين التوجيهي (مسافر) والبنيوي (غيث)، فنكون بإزاء ثنائيّة دلاليّة ذات بنية مقوليّة يتلازم فيها عنصران هما هنا الماء والرحيل (أو السّفر)..وهذه الثنائيّة تحكم حركة الخطاب الشعريّ وتحولاته وتمفصلاته باعتباره كلاّ ذا دلالة.. ويبدو هذا الكلّ نابضا بتفاعل تقابليّ ينتشر ويمتدّ، متنوّع الصّور، متردّدا بين الحسيّة والتّجريد..فمنذ العنوان نتبيّن، إذا اخترنا البنية النعتية (غيثٌ مسافرٌ)، أنّ البنية الدّلاليّة التي ستكون النواة هي هذا التقابل العموديّ الأفقيّ بين السّماء والأرض، وبين الماء والتراب، وبين الحلول والرّحيل..وما يعني المتكلّمة هو جماع الوحدتين ليكون الخطاب في المحبّ لا ينال من حبيبه إلاّ اللّحظة أو اللّمحة العابرة واللّقاء المنقضي..لذلك تعنينا الصّورة (الغيث صورة للنّجدة السماويّة المنقذة والمانحة الرواء والحياة..) ولكن تعنينا دلالة التركيب المنزّلة هذا الغيث النّازل من السّماء منزلة زمانيّة (مسافر..) ولعلّ هذه الزّمانيّة هي ممّا يكون أولى بالاهتمام لتبيّن وجهة النظر المتحكّمة في الخطاب على وجه أجلى وأدقّ..فالصفة لذاتها (مسافر) حاملة وجهين دلاليين متلازمين متفاعلين أبدا ومنتجين أجمل المعاني، من ذلك تنزيل الحدثيّة في الحال والاستقبال، ليبدو (المسافر ) الآن في حال السّفر، وكذلك يبدو بعد حين، أو ما هو (أو من هو) في حكم الحلول والنّزول والهطول، وفي حكم الرّحيل والأفول.. والقصيدة من خلال بنية العنوان (العلاقة بين طرفيه أو بين مكوني الدلالة في كل طرف منهما..) هي تصوير لهذه الحال التي تحياها المتكلّمة، لترضاها أو تأباها، أو تطلبها أو تندبها...وفي هذا التّردّد والمراوحة والتنزّل الأبديّ على محور التّقابل والتّناقض، تنتج ألطف المعاني العشقيّة الوصاليّة، ليكون الغيث حدثا لا يأتي إلاّ والصّادية قد اغتلّت، والتهب جوفها ظمأ، فلا تنال من القطر إلاّ النّغبة، تسقي ولا تروي، فتبقي على اللّهفة والرّغبة..وبين الارتواء (في درجة دنيا) والعطش (في درجة عليا) ينزل (المسافر) ليرحل ولا مقام، ويكون، كأن لم يكن...

فالمتكلمة بهذا المنطق (الوجداني الذهني/الفلسفي الصوفي) تأبى مطلق الحلول ومطلق الرّحيل، كما تأبى مطلق الهجران ومطلق الوصال.. ووراء ذلك متّسع للتّشقيق والتّوليد وتنزيل المعاني منازل لطيفة خفيّة..

ولا تخرج بنية الإضافة (غيثُ مسافرٍ) عن هذا السياق إلا من حيث البنية الاستعارية ووسم العلاقة بين طرفي البنية بالاندماج والتّفاعل، ليكون الأول معرّفا للثاني، والثّاني موسوما بالماء، هويّة وفعلا وحركة ومنشأ وتكوينا...

وهكذا تكشف الشاعرة عن أصول تفكيرها ومحركات وجدانها ومشكّلات وجدانها من خلال بنية العنوان، واجهة و"مقدمة" واختزالا وتكثيفا لما سينتشر ويتجلّى في مفاصل الخطاب وثناياه...

 

2) أراك ولا أراك .. كذا الإدراك المراد

تصوّر الشاعرة في الحركة الأولى حالا إدراكيّة هي أوّل انتشارات البنية الدلاليّة الثنائيّة الأوليّة المنشئة لحركة تشكّل الخطاب الشّعريّ.. وهذه الحال تعنينا لأنّها بها تتماهى الذّات المتكلّمة والذّات صاحبة وجهة النّظر، وهو تماه مداره الرّؤية تتردّد بين السلب والإيجاب، بالإثبات والنّفي، لنكون في لحظة رؤيويّة يمكن أن تفهمها في نطاق التعاقب:

(أراك ثم لا أراك....)

في سلسلة تنتظم فيها حركة الحضور والغياب لموضوع الرؤية (المخاطب) في عين المتكلّمة/الرّائية ، لما يراد لها، أو يريد لها، أو تريد هي.. ألا يظهر إلاّ على هذه الصّورة "الشّبحيّة" الباهتة   :

كصاحب الظل الطويل

أو كطيفٍ هاربٍ..

فتتضافر الصورتان (الظلّ والطّيف..) لتأكيد الرّؤية التي تحكم المتكلّمة وتسم وجهة نظرها بالحلميّة (الطَّيْفُ: الخيال الطّائف في المنام..) أو المنزّلة بين الحلميّة والواقعيّة، في فضاء ضوؤه باهت وعناصره هاربة..وهذا مايسم الخطاب بالاحتماليّة والاشتباه، وفي ذلك وفّقت الشّاعرة باختيار وحداتها المعجميّة وتوزيعها، بما ينزّل الخطاب منزلة الإخبار عمّا لا حضور له موضوعيّ في العالم، ولكنّه وليد الرؤية/وجهة النظر الصّانعة للأشياء، والمشكّلة للمخاطب على الهيأة المستجيبة للنظرة المقصودة قصدا..

وتتّسع الصّورة ويمتدّ مداها سرديّا، فينتشر أحد المولّدين الأوليّين للدّلالة في هذا النص، وهو الماء، فيكون المكوّن المحوريّ لصورة الحلول يكون فيضا مائيّا نازلا من السّماء:

وكأنشودة للمطر

تتراقص الكلمات

على موسيقى

انهمار غيث مسافر ،

حط من غيمة تشرينية شاردة...

ومن هذا المزج اللّطيف بين الماء والكلام والموسيقى (كلها أصوات ذات آثار متجانسة...) تصنع الشّاعرة مشهد الحلول على غير انتظار واللّقاء، ليكون حلول الحبيب بالروح حلول غيث بأرض ظمأى بعد طول غياب وانحباس..

فتنال الرّوح سؤلها وهي تتشرّب من روح هذا الذي "حلّ على غير انتظار " فوهب الحياة بعد موات، والفرح بعد فوات..وهي في هذا ناهلة من معين تراثيّ مائيّ، تغترف منه، فتنسج شتّى الصّور، لتصف وتخرج أدقّ الأحوال والمعاني...:

ارتوى جسد الورد الذي ذوى ،

وزغردت براعم الزهر احتفاءً

بهذا الزائر الذي

حلّ على غير انتظار ...

 

3) الضّبابيّة السّرمديّة...منتهى السّؤل والحبّ...

تندفع الحركة الثّانية في هذا النّصّ الرّؤيويّ، بالاعتماد على العناصر ذاتها (الطيف/الظلّ..) في سياق اتّصاليّ تنحسر فيه المسافة بين الرائية وموضوع الرؤية، وتتجلّى الطّبيعة الحلميّة تصوّرا وتصويرا للّقاء والحلول..وينهض التشبيه بتقريب هذه الصّورة الموسومة بالرّماديّة (ضعف الضوء..) فضاء وإطارا (حلم رمادي) والطّيفيّة (للمخاطب) حضورا ونزولا وانمحاء للملامح :

كطيف في حلم رمادي..

فيتّخذ الاتّصال (الوصال العشقي) بعدا عرفانيّا رؤيويّا ينزّل المخاطب منزلة الموضوع الإدراكيّ يطلب فلا يدرك، أو لا يدرك إلا على وجه، هو ما يجب أو يحبّ هو أو تحبّ هي، أن يبدو كذلك...

ولكنّ المتكلّمة، وهي الخائضة في لجّ العرفان، تتحدّى وتتقدّم لتعلم، لترى من الصّورة /الوجه ما يبلغها تمام العلم، فتتكثّف الحركة العرفانيّة (تتبّعت/لمست/أمطت...) لتصطدم بالحدود وقصور الوسائل وضمور العلم (فلم أرَ الا دخان لفافة ...) :

تتبعت مسارك

لمست ظلك ،

أمطت اللثام عن وجهك لأتبين ملامحك

فلم أرَ الا دخان لفافة ...

بل إنّ محصول الرّؤية في هذا المستوى من التّجربة يقرّبها من الخيبة والارتداد، لأنّ "الدّخانيّة" حجاب فاصل بين الذّات العاشقة وموضوع العشق المتعالي عن الإدراك والاتّصال.. وتتّسع الصّورة الاستعاريّة (دخان لفافة) لحمل وجوه للمعنى تترواوح بين الوهم والاستعصاء والاستحالة والخيبة والزوال والتّبدّد واللّولبيّة..وتختزل الحركة الرؤيويّة في النقلة من التّردّد الرؤيويّ:

أراك ولا أراك..

إلى الانحسار والانحصار:

لم أر إلاّ......

فتشتقّ الرّائية من قواها ما يتيح الرّؤية ويرسم الصّورة، فكان الخيال بديلا، بل لعلّه القوّة الأولى:

تخيّلت رسمك...

لنصل إلى ملمحين للصّورة (للوجه، وجه الحبيب) وللتّجربة عامّة، هما السّمتان الجامعتان الضّامّتان:

كان ضبابيّا ، سرمديّا..

فتتفاعل الصّفتان وتندمجان منتجتين موضوعا (وإن شئت كونا) متعاليا مطلقا (السّرمد هو الدّائم الذي لا ينقطع..) بيننا وبينه حجاب بل حُجب كثيفة تجعله منقطعا منفصلا، متّصلا منفصلا، يقينا ووهما، حاضرا غائبا، ممكنا مستحيلا، أرضيّا سماويّا..هو المطلق الذي لا يُدرك إلاّ في ضبابيّته والتباسه وغموضه وسرّه وبعضه، لا كلّه.. ليكون السرّ المغلق المفتوح، والكتاب المقروء المؤوّل المقدّس أبدا...

 

4) المنتهى...الانكفاء والاكتفاء..واليقين

مستقرّ هذه التّجربة الرّوحيّة العشقيّة حال من "الرّضا" تجعلنا بإزاء وضع "نهائيّ" آلت إليه حركة التّحوّلات منذ المنطلق، ولا يعدّ هذا الوضع الختاميّ في انقطاع عمّا سبق، فقد جاء وليد حركة الخطاب الشّعريّ منذ انبثاق التّجربة، وقد اختارت لها الشّاعرة إطارا رؤيويّا وحييّا، استلهاما لأحوال الإلهام والوحي والرّؤى، وقرّبت تقريبا لطيفا بين تجربة العاشق وتجربة النبيّ، وبين صورة الحبيب وصورة الإله، وصورة الكتاب المقدس المرتّل و" آيات الهوى"، فعاشت سيرورة اتّصاليّة /وصاليّة"ضبابيّة" وكانت باحثة عن "يقين" و"تبيان ملامح"..وتحوّلت من التّذبذب الرّؤيويّ إلى الانتفاء والانكفاء فالرّضا واليقين والسّلام والقداسة،

وككتاب مقدس

رتلت آيات الهوى ،

حفظتها لأتبارك

بكل ما أوحى به إليك

تدثرت بظلك

وزار الكرى جفنيّ

واكتفيت بكَ

نيزكا شاردا

يخطف بوميضه

نور مقلتي .

ونتحوّل في تمثّل المخاطب من "كون مائيّ" في طور من النّصّ، إلى "كون نورانيّ" في طور ثان، ويجمع المخاطب في ذلك بين فعل الماء (الغيث/الغوث) وفعل النّور/النّار (النّيزك أو الشّهاب ذو النور الخاطف الباهر الذي يشدّ الأبصار والقلوب إلى السّماء..) لتظّل المتكلّمة أبدا في انتظار "غيث مسافر" أو "نيزك شارد"

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 3114 المصادف: 2015-03-16 21:36:26