المثقف - قراءات نقدية

بلاغـــة الصـــورة السردية في القصة القصيرة جدا مجموعة (ندوب) لميمون حرش نموذجا

jamil hamdaouiالمقدمة: يعد ميمون حرش من أهم كتاب المغرب المتميزين في القصة القصيرة جدا، إلى جانب كل من: جمال الدين الخضيري، ومصطفى لغتيري، وحسن برطال، وعبد الرحيم التدلاوي، والسعدية باحدة، وعبد الحميد الغرباوي، وآخرين...

ومن ثم، فقد تميز هذا المبدع بالكتابة التجريبية التي تجمع بين التأصيل التراثي الذي يتمثل في توظيف لغة معتقة، وتراكيب مسكوكة، وعبارات رصينة، وإحالات تناصية موحية ، مع الانفتاح على التقنيات السردية الغربية على مستوى التحبيك السردي استلهاما وتمثلا وأداء.

وما يهمنا في هذه الدراسة هو التوقف عند بلاغة الصورة السردية في مجموعة (ندوب)[1]، بالتركيز على البنية، والدلالة، والوظيفة.

 

Œالصـــورة السردية الموسعة:

تحتل الصورة البلاغية مكانة هامة في الدراسات الأدبية والنقدية واللغوية؛ لأن الصورة هي جوهر الأدب، وبؤرته الفنية والجمالية. كما أن الأدب فن تصويري يسخر الصورة للتبليغ والتوصيل من جهة، والتأثير في المتلقي سلبا أو إيجابا من جهة أخرى. لكن الأدب ليس هو الفن الوحيد الذي يستثمر الصورة في التعبير والتشكيل والبناء، بل تشاركه في ذلك مجموعة من الأجناس الأدبية والفنية كالرواية، والقصة القصيرة، والقصة القصيرة جدا، والقصة الشذرية، والمسرح، والسينما، والتشكيل...ويعني هذا أن الصورة لم تعد حكرا على الأدب، بل لها نطاق رحب وواسع. ولم تعد تحتكم إلى مقاييس البلاغة التقليدية فحسب، سواء أكانت عربية أم غربية، بل تطورت هذه الصورة البلاغية ، وتوسعت مفاهيمها ، وتنوعت آلياتها الفنية والجمالية، وتعددت معاييرها الإنتاجية والجمالية والوصفية. ولم يتحقق ذلك إلا مع تطور العلوم والمعارف ، بما فيها الفلسفة، وعلم الجمال، والبلاغة، واللسانيات، والسيميوطيقا، والشعرية، والمنطق، والتداوليات...ومن ثم، فقد أضحت الصورة قاسما مشتركا بين هذه الحقول المعرفية والعلمية؛ إذ كل تخصص يدرس الصورة في ضوء رؤية معينة، يفرضها منطق التخصص المعرفي، وتستوجبه آلياته المنهجية والتحليلية في الفهم والتوصيف والتفسير[2].

 

أنـــــواع الصور السردية:

وظف ميمون حرش مجموعة من الصور السردية في مجموعته الجديدة (ندوب) ، ويمكن حصرها في الصور التالية:

 

صــــورة التــــوازي:

نعني بصورة التوازي تلك الصورة البلاغية القائمة على التعادل والتوازن والسيميترية الإيقاعية والصرفية والتركيية والدلالية، وهدفها خلق هارمونيا سردية جاذبة للمتلقي، والتعبير عن توتر درامي ، كما يبدو ذلك جليا في قصيصة (قبل البوح):

" قبل البوح..

حيارى، مرضى..

بيوتهم مشروخة،

قلوبهم مكلومة..

تتعرش الندوب في جلودهم عُليقات..

لكل نَدْبة قصة قصيرة جداً..

ونشهد أنهم هنا ليحكوا..[3]"

يلاحظ التوازي الصرفي بين كلمتي (حيارى / مرضى)، والتوازي التركيبي بين العبارتين (بيوتهم مشروخة/ قلوبهم مكلومة). ومن ثم، يتخذ هذا التوازي طابعا شاعريا مأساويا، قوامه الأسى والحيرة والمرض والألم المتراكب.

 

صـــورة السخرية:

تمتاز القصة القصيرة جدا بمكون السخرية الناتج عن نقد الواقع السلبي، وتعرية انبطاحه وفظاظته وبشاعته ، ورصد تناقضاته الجدلية كما وكيفا ، بالجمع بين المتضادات المتنافرة التي تترك انطباعا حادا وساخرا في نفوس القراء. ومن هنا، تطفح قصيصة (مبارك) بالسخرية السياسية التي يتقاطع فيها الكرسي بالثورة، والتسلطن بالحق:

" فار تنور الثورة، و أفرغت الحناجر أثقالها، وتقيأت النفس كل صغيرة وكبيرة ، وحكت ما للضعفاء وما لها ؛ فرعون، أيضاً، في المنام يزور ميدان التحرير، يشحذ لسانه ، ويُسر في أذن خَلفه المبارك ناصحاً:

"لا تركب رأسك ،خذ الحكمة عنـــي...كنتُ مثلك، عاندت، فسقطت على رأسي..

وأنا الآن أجلف.. وها أنا ، بما آليتُ إليه،أعيرك رأسي، فأسي، نفسي.."

مُبارك متحسساً الرأس والكرسي:

" وهل هناك في مصر الآن أحسن مني فـــى الجن أو الإنس،

أموت، ليس مشكلاً ، لكن فوق الكرســـــي.."

فرعون يدير الظهر راجعاً وهو يهمس:

تَعساً... هذه حال الفراعنة منذ الأمــــــــــــس..[4]"

يستخدم ميمون حرش المقتبسات الدينية والتراثية والتاريخية لتقوية فعل السخرية، وتعضيده نبريا وإيقاعيا ودلاليا وتداوليا.

وتكثر هذه الصورة في القصيصات السياسية التي تجسد صراع الرعية المغلوبة على أمرها مع الراعي المستبد، كما في قصيصة (كي أعيش!):

" يشرب الشعب من النيل دماً..

ثم يسقط صريعاً..

الرئيس من شرفتهيراقبهم،و يتجشأ نياشينه ،

يشير لمن يردد " ارحل"، ويصيح في زبانيته:

" امنعوا عنهم " العِيش"،

و اِضربوا الجيش بالجيش..

كـي أعيش...     [5]"

تجسد هذه الصورة الثورة المصرية في صراعها مع الطاغية الذي لايهمه سوى الظفر بسلطته ، ولو باستعمال القوة والبطش والعنف غير المبرر؛ لأن الغاية تبرر الوسيلة ، كما يقول ميكيافيلي في كتابه المعروف(الأمير).

 

صـــورة المقابلـــة:

تستند صورة المقابلة إلى الجمع بين المتضادات على مستوى العبارة واللفظ والمعنى، والتقابل بينها إيجابا وإثباتا ، والعكس صحيح أيضا. وقد قال أبو هلال العسكري:" المقابلة إيراد الكلام ثم مقابلته بمثله في المعنى واللفظ على جهة الموافقة أو المخالفة.[6]" ويتضح هذا جليا في قصيصة (الحكاية الأخرى):

" وهن العــظم منه ، يتكئ على عصاه، يترنح بها..

يمر بقادِرين[7] يتهامسون:

" طعامنا يسوء..هذا الحطب لا يجدي.."

الشيخ يلقي بعصاه وسطنارهم،

وينضم إليهم..

لا يأكل طعامهم، هم يأكلون..

يحكي لهم حكايتهم، ولا يسمعون..[8]"

يستعمل الكاتب صورة المقابلة إثباتا وإيجابا بطريقة معاكسة (لايأكل طعامهم، هم يأكلون، ويحكي لهم حكايتهم، ولايسمعون). ومن ثم، تعبر هذه المقابلة عن جدلية التنافر بين حكيم ناصح وقوم لايفقهون. وتتخذ هذه المقابلة طابعا ذهنيا (الحكاية) من جهة، وطابعا ماديا (الأكل) من جهة أخرى.

 

صـــورة الميتوس:

تتميز صورة الميتوس أو صورة الأسطورة بنسج حكاية أو حكايات قد تكون خرافية أو حقيقية حول رمز من الرموز البشرية أو الحيوانية أو الخارقة. وتحمل تلك المحكيات معاني إنسانية ثرة ، كما في قصيصة (المنجل):

" تسقط الأمطار بغزارة..

يحل الحصاد مبكراً هذا العام..

تحمل "نونجا" منجلها ..

تبدأ من نفسها...

وتصدها أوحال الأزمنة الغابرة..[9]"

يلاحظ أن ( نونجا) رمز أسطوري في الثقافة الأمازيغية، وهي امرأة جميلة حسناء، ورمز للذكاء والحكمة وصواب الرأي، على عكس (ثامزا/ الغولة) التي هي رمز الشر والحقد والعدوان. ويبدو أن نونجا ، في هذه القصيصة ، رمز للتغيير والممارسة الفعلية، إذ تبدأ مهمتها بتغيير نفسها أولا، قبل أن تنتقل إلى تغيير الواقع المهترىء بالترسبات الصدئة.

 

صـــورة المشابهـــة:

تستند صورة المشابهة إلى التشبيه، والتشخيص، والاستعارة بنوعيها: التصريحية والمكنية. والغرض من ذلك هو الأنسنة والإحيائية، وخلق الدينامية الحيوية في المستعار له ، بنقله من حالة السكون إلى حالة الحركة والنماء والتدفق، كما يبدو ذلك بينا في قصيصة (مطلقة):

" يترنح حزنها في ثوب حدادها..

يفرخ كربها ،

وتلملم بعض الذكرى المترسبة في العمق،

تجمعها برفق،

وكطفل صغير شكلت منها قلباً من ورق..

ثم رمته من نافذة لم ُتفتح منذ سنين..[10]"

تنبني صورة المشابهة، في هذه القصيصة، على التشخيص (يترنح الحزن) ، والاستعارة ( يفرخ- تلملم- تجمع- رمته)، والتشبيه (كطفل صغير)، من أجل خلق صورة مأساوية للمطلقة التي كان ينخرها الحزن والكرب والذكريات البئيسة؛ بسبب غياب الحب النابض بالحركة والحياة والدفء الشاعري.

 

صـــورة التــدرج:

يقصد بصورة التدرج (Graduation) التعداد الزائد أو الناقص، وقد يدل على الترتيب في مختلف توجهاته ومناحيه. ومن ثم، تحمل الصورة طابعا كميا دالا ، كما يتبين ذلك جليا في قصيصة (كؤوس عربية):

" البراد متوج كأمير هندي وسط كؤوس البلار..

الجدة محاطة ببناتها السبع تصب الشاي..

الكأس الأولى، المذاق حلو،

الثانيـــــــة،     مُـــــر،

الثالثــــــة،   بدون سكر..،

والرابعة، و...   ،   ...

البنات بصوت واحد:

" يا للعجب!.. كؤوسنا من بطن واحدة.. و شاينا مختلف "..

وتحكي لهن الجدة حكاية الكأس العربية...

والفم الكبير المسطور على بقاياها منذ تسعة قرون..[11]"

تعتمد هذه الصورة القصصية على التدرج الكمي والعددي (الكأس الأولى، الثانية، الثالثة، والرابعة، بصوت واحد، البنات السبع، تسعة قرون) ، بغية التعبير عن ثنائية الوحدة والفرقة، وتشخيص واقع الأمة العربية في انقسامها وتشذرها وتمزقها، وتجسيد مأساة ذلك الشرخ وعواقبه الأليمة.

وتظهر صورة التدرج بوضوح أكثر في قصيصة (حياة) :

" حلف بالمحرجات الثلاث ألا يعودإليها..

صبر لليومالسابع..

في الثامن اضطرمت شهوته،

وقَـرِمتلهاتُه،

وفي العاشر طرقتْ بابَه أخـــرى..

خرج إليها عارياً ، فلبستهللأبد[12].."

تمثل هذه الصورة التدرج الصاعد الذي يكشف عن تصاعد الليبيدو الشبقي لدى الشخصية المرصودة ، وانسياقها المتلهف وراء نزواتها اللاواعية، وانقيادها الطائش بشهواتها الغريزية التي تعبر عن رغبات مقموعة أو مكبوتة حسب التصور الفرويدي(Freudien).

 

صـــورة المفارقــة:

تنبني صورة المفارقة على انفصال النظرية عن الواقع، وتطابق المتضادات، وتداخل المتنافرات إلى حد السخرية والغرابة والاندهاش، كما يبدو ذلك واضحا في قصيصة (الخريطة):

" الكتاب مفتوح.. ولا يقرؤه أحد..

في التقديم ،

" كل العرب ،كما نعرفهم، فَكِه مُنافث .

يطربون ما لا تطرب المثالث.."

وفي كل الصفحات،

"   إسرائيل تفلي الحديد، وترسم الخريطة..[13] "

تقدم هذه القصيصة صورتين متناقضتين ومفارقتين على مستوى الفعل والإحساس والشعور: صورة كاريكاتورية بشعة للإنسان العربي المنغمس في جهله وشهواته وانبطاحه الوجودي والكينوني، وصورة واقعية إيجابية لإسرائيل، وهي تملك زمام القوة والسلطة والغلبة لرسم خريطتها على أرض الواقع العربي.

 

الصـــورة المضمـــرة:

تتأسس الصورة المضمرة على خاصية الحذف والصمت، والمنع من البوح والفضح والتصريح. ومن ثم، فالمضمر تعبير عن رغبات مكبوتة ومقموعة، لايمكن أن تتجلى أو تظهر على سطح الأنا، كما يبدو ذلك جليا في قصيصة (رعب):

" في (...) أتوسد همي،

أحترق بنار أهلي ،

بين الموتى لا أعثر على جثتي..

ما همني غير طفل بجانبي،

رضاعته في فمه لا تزال..

أحضنه ونغرق في حمم..[14]"

تترنح هذه الصورة المضمرة بالمأساة والعنف والعدوان البشري، ويختلط رعبها بالزمان والمكان. وتتخضب الإنسانية والطفولة بمرارة الموت، وقرحة الفجيعة، وندوب الجروح الغائرة.

 

صورة الامتــــداد:

تستند صورة الامتداد إلى تشابك الأحداث وتعقدها وامتدادها في الزمان والمكان، وتوسعها على مستوى التحبيك والتمطيط السردي والخطابي، كما يبدو ذلك واضحا في قصيصة (دم بارد):

" هـناك ،

الدم أحمر..

وهـنا،

لا لـون له..

العنف يقتحم شاشات البيوت..

الناس يشربون الشاي، يأكلون الفستق،...

و يشاهدون قيامة غزة ، وضحايا الإرهاب و الكيماوي..

في الصباح يتأنقون...

ينتشرون في الأرض..

ويمارسون الحياة..

يعـــودون مساء..على خبر عاجل:

" اللعنة عليكم جميعاً ".."[15]

تمتد هذه الصورة السردية الموسعة في الزمان والمكان، كما تتأرجح بين القرب والبعد، بين الموت والحياة، مكونة بذلك صورة اللامبالاة أوصورة المفارقة بين النظرية والتطبيق.

 

الصـــورة الإحاليـــة:

نعني بالصورة الإحالية تلك الصورة القائمة على التضمين، والاقتباس، والتناص، واستثمار المعرفة الخلفية، كما يبدو ذلك واضحا في قصيصة (جاران):

"(عبد الغني) ثري ، وابن جلا..

يدعـو إلى مأدبته الجفلى..

وجاره منبوذ لا نصيب له منها،

رث الثياب، عاصب البطن..

في زاوية، بانكسار، يتأمل الحشود الوافدة،

يتملى سياراتهم الفارهة، ويحسبُــها كطفل..

لا يدخل بيته، إنما يظل الليل ساهراً،

يحرسها مجاناً..[16]"

تحبل هذه القصيصة بصور الإحالة ، مثل: صورة " ابن جلا" المأخوذة من خطبة الحجاج بن يوسف الثقفي:

أنا ابن جلا وطلاع الثنايــــــا         متى أضع العمامة تعرفوني

صليب العود من سلفي نـــزار       كنصل السيف وضاح الجبين

 

وصورة " يدعو إلى مأدبته الجفلى" التي تحيلنا على بيت الشاعر الجاهلي طرفة بن العبد:

 

نحن في المشتاة ندعو الجفلى     لاترى الآداب فينا ينتقر

 

وصورة " عاصب البطن" التي تحيلنا على بيت الحطيئة:

وَطاو ثَلاثٍ عاصِبِ البَطنِ مُرمِلٍ

         

ببيداءَ لَم يَعرِف بِها ساكِنٌ رَسما

وهذا إن دل على شيء، فإنما يدل على مدى تمكن ميمون حرش من أدواته الثقافية، وغنى معرفته الخلفية، وتنوع خطاطاته ومدوناته وسيناريوهاته الإحالية، وثراء جعبته التراثية، ولاسيما الأدبية منها.

 

الصــــورة النقيضـــة:

تستند الصورة النقيضة إلى مجموعة من الدوال المتناقضة والمتطابقة التي تعبر عن اختلاف الدلالات والرؤى والتصورات بين الأصوات المتجاذبة داخل النص، كما يظهر ذلك واضحا في قصيصة (زوجان):

" أحبُّ الليل ،

وتحب النهار..

الشمس تمارس طقسها غير مبالية بنا،

تشرق وتغرب ...

في المساء،

في سرير واحد نتعرى، وننتن من كثرة النوم،

بلذة الجنس ندمر عشنا بسبب الضجر..

وفي الصباح،

نستر عوراتنا،

نتأنق ،

وننشغل بحماس بإعادة بناء زواجنا من جديد..[17]"

 

تطفح هذه القصيصة بمجموعة من المتناقضات المتنافرة التي تعبر عن جدلية الصراع بين الزوجين، على الرغم من التساكن المؤقت الذي يغلب عليه الضجر الوجودي.ومن أمثلة الصورة النقيضة نذكر( أحب الليل، وتحب النهار- تشرق وتغرب- المساء والصباح- ندمر ونبني).

 

الصـــورة الوصفيـــة:

تعتمد الصورة الوصفية على ذكر النعوت والصفات والأحوال، إلا أن الوصف، في القصة القصيرة جدا، يتسم بالانتقاء والتركيز والاقتضاب، بدل الإسهاب والتفصيل والإطناب، كما يبدو ذلك جليا في قصيصة (قناص):

" بحزم ليل شتوي طويل، ينزوي في ركن قصي بوجه مقنع،

لا تظهر من رأسه المُلتاع سوى عينيْن جريحتين، و من كوة في الحائط يرصد "ضحاياه "، يمسح فوهة مسدسه بيد لا تخطيء..يرنو داخله، يضع يده على قلبه قبل الطلق..

نبض رقيب كان يشاهده يتسارع، وعلى فمه يجف سؤال:

" متى يسدد؟!"

(...)

طلقة ، طلقتان..

لا صراخ.. فقط أرواح.."

صاح أحدهم من كوة أخرى : "لن يموت أحد..مادمتَ مُتوارياً أيها المأفون ..[18]"

تتضمن هذه الصورة الوصفية مجموعة من النعوت التي أسبغت على القناص الذي يرصد الضحايا والأرواح بدقة حادة، مثل: ليل شتوي طويل، وفي ركن قصي، بوجه مقنع، عينين جريحتين.

إذاً، ينتقي ميمون حرش أوصافا هادفة ومعبرة ، دون التطويل أو التشعيب أو التفصيل، مراعيا قواعد الجنس القصصي القصير جدا.

 

الصورة الميتاسردية:

تقوم الصورة الميتاسردية على فضح الكتابة السردية، وتبيان آلياتها الإبداعية والنقدية، وتصوير سياقات الخلق والابتكار ، ورصد طرائق التخييل وعوالمه المرجعية والخارقة، كما يتضح ذلك بينا في قصيصة (اغترار):

" فاز بمسابقة القصة القصيرة جداً ،

اغـــتر..

فأحرق الروايات الطويلة..[19]"

تشير هذه القصيصة إلى جدلية الصراع بين الأجناس الأدبية، ولاسيما الصراع الموجود - الآن- بين القصة القصيرة جدا التي تبوأت مكانة متميزة في الساحة الثقافية ، وباقي الأجناس السردية الأخرى، كالقصة القصيرة ، والأقصوصة، والرواية. بيد أن الكاتب يدعو إلى نوع من الانفتاح الأجناسي، بغية تطوير الكتابة السردية لتتخذ طابع التهجين البوليفوني.

 

الصــورة المدمجـــة:

 

يقصد بالصورة المدمجة إدماج أعمال سردية مختلفة في نص دامج واحد، كما في قصيصة (خطبة):

" "ريف " الحسناء ما زالت مؤمنة بأن المرأة التي لم تتزوج أكثر من رجل واحد لم تتذوق حلاوة الحياة..

تتذكر هذا الآن ويد الأخرس بن صمام ممدودة...

ساءتها الإعاقة في الرجل الذي يطلب يدها...

لكن أرضها التي حرثتها لعنة الأزواج من جفاف ومَحل تناديها..

الجَمال الأخضر موكبُ حُبّــها الآن..

لن ترفض ..

سيتم الزواج قريباً..

وخير التاريخ ما كان غداً..

(ذلك التاريخ الذي يصنعه أزواجُها، وابن صمام واحد منهم.. )[20]"

أدمجت هذه القصيصة عملين سرديين في نص واحد تأليفا وتركيبا وتناصا وحوارا، حيث أدمج المبدع مجموعته (ريف الحسناء) ومجموعة ( حدثني الأخرس بن صمام) لجمال الدين الخضيري في قصيصة واحدة ، بغية خلق صورة سردية مركبة ومهجنة، تعبر عن تهافت الأزواج والخطاب لنيل ود ريف الحسناء.

 

الخاتمــــة:

وخلاصة القول، لقد استعمل ميمون حرش، في قصصه القصيرة جدا، مجموعة من الصور السردية التي تندرج ضمن البلاغة الرحبة. وبالتالي، لم نعمد ، في بحثنا هذا، إلى استقصاء كل الصور التي تتضمنها مجموعته، فهي كثيرة ومتنوعة ومتميزة، وتحتاج إلى صبر وتأن وجلد من أجل سبر أغوارها، وإبراز بناها، واستجلاء دلالاتها ، واستكشاف وظائفها.

وعليه، تندرج كتابة ميمون حرش ضمن الكتابة السردية المهجنة التي تجمع بين التجريب والتأصيل. ومن ثم، تتميز لغته بالعتاقة ، والرصانة التراثية، والتهجين الإحالي، والأسلبة البوليفونية، علاوة على سمات أخرى تتميز بها صوره المنثورة هنا وهناك، مثل: السخرية، والمفارقة، والنقيضة، و الكاريكاتورية، والحوارية، والروح النقدية...

وبناء على ما سبق، يمكن القول بأن ميمون حرش ميال إلى الإيحاء، والترميز، والأسطرة، وتوظيف التناص، وتشغيل المعرفة الخلفية، واستعمال الكتابة التراثية بناء وتجنيسا وصياغة ورؤية، دون الانغماس في التراث إلى أخمص قدميه، إذ كان منفتحا، من حين لآخر، على الواقع الراهن بكل تناقضاته الجدلية، مع التوسل بكتابة معاصرة لينة ومهذبة ومنقحة وسلسلة فصاحة وبلاغة وتداولا.

 

د. جميل حمداوي

.....................

[1]- ميمون حرش: ندوب، قصص قصيرة جدا، رباط نيت، المغرب، الطبعة الأولى سنة 2015م.

[2]- د.جميل حمداوي: بلاغة الصورة السردية في القصة القصيرة، منشورات الزمن، العدد: 41، الرباط، المغرب،الطبعة الأولى سنة 2014م، ص:29.

[3]- ميمون حرش: ندوب، ص:20.

- [4] ميمون حرش: نفسه، ص:21.

[5]- ميمون حرش: نفسه، ص:37.

[6]- أبو هلال العسكري: كتاب الصناعتين، تحقيق محمد البجاوي ومحمد أبو الفضل إبراهيم، القاهرة، مصر، طبعة 1952م، ص:337.

 

[8]- ميمون حرش: نفسه، ص:22.

[9]- ميمون حرش: نفسه، ص:23.

[10]- ميمون حرش: نفسه، ص:24.

[11]- ميمون حرش: نفسه، ص:29.

[12]- ميمون حرش: نفسه، ص:33.

[13]- ميمون حرش: نفسه، ص:30.

[14]- ميمون حرش: نفسه، ص: 36.

[15]- ميمون حرش: نفسه، ص:39.

[16]- ميمون حرش: نفسه، ص: 40.

[17]- ميمون حرش: نفسه، ص:125.

[18]- ميمون حرش: نفسه، ص: 134.

[19]- ميمون حرش: نفسه، ص: 117.

[20]- ميمون حرش: نفسه، ص:111.

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 3121 المصادف: 2015-03-23 00:30:36