المثقف - قراءات نقدية

الأغتراب وتشرذم الذات في رواية "قشور بحجم الوطن" للروائي العراقي ميثم سلمان

699-muthemلدى كلّ قارئ توّقع ما في داخله حينما يشرع في قراءة عمل أدبي. ويتراوح هذا التوقع بين المتعة الجمالية والفكرية او المشاركة في تجربة الكاتب الحياتية المبثوثة عبر النص. ويمكن قياس هذا التوقع لدى كل قاريء، الى حد ما، عبر قدرته على اكمال العمل الادبي حتى النهاية او القائه جانبا متذمرا منه. ورغم ان الامر يبقى في كل ابعاده خاضع لطبيعة القاريء ومستواه المعرفي وزاوية نظره وهدف تذوقه وغيرها من المؤثرات الاخرى، لكن يمكن القول، أن القاريء يتمنى ان يحصل على اقصى ما يمكنه مقارنة بما يقضية من الوقت الذي يقتضيه العمل الادبي المعني.

يمكن لنا من هذه المقاربة إخضاع رواية " قشور بحجم الوطن" للروائي ميثم سلمان التي صدرت عن دار فضاءات في عمان عام 2011، لمعرفة المدى الذي استطاعت فيه الرواية من الاستجابة الى توقعات القاريء.

 

ثيمة الرواية ونسيج السرد:

699-muthemيشير الفيسلوف الالماني آرثر شوبنهاور(1860-1788) في واحدة من مقالاته عن التأليف ":المؤلفون نوعان: نوع يكتب من اجل الموضوع الذي يتناوله ونوع يسوّد الورق من اجل الكتابة ذاتها. وأولئك الذين يكتبون من اجل الموضوع تكون قد عنت لهم ضروب من الفكر، او مروا باشكال من التجربة، يجدونها جديرة أن يلم بها الآخرون بها. أما الذين يتخذون من الكتابة حرفة (....) الفكر لديهم، جزء من صنعة الكتابة ذاتها.(...) والفكرة التي تمر باذهانهم، في اطول سرد ممكن" ثم يضيف " ولا يطول الامر بهم قبل ان يكشفوا عن زيفهم، فلا يلبث القاريء الفطن ان يتبين انهم لا يستهدفون في حقيقة الامر، الا تسويد الورق، وإراقة المداد".(1).يمكن القول أن رواية ميثم سلمان هي من النوع الاول الذي اشار اليه شوبنهاور. فهي رواية قصيرة لا يتجاوز عدد صفحاتها 84 صفحة، كتبت بعناية فائقة وبلغة سردية موجزة .

تشتغل الرواية على ثيمة الهوية والاغتراب الذاتي، وهو اغتراب ناتج عن قمع اجتماعي وسياسي، يضاف اليه وجه آخر، الغربة عن الوطن ومواجهة الآخر الذي يعمق هذا الاغتراب عبر استعادات ماضوية ومقارنات متعددة في السلوك الحياتي والثقافي والمعيشي مع الاخر بعد الانتقال الى المنفى. وحول هذا السؤال تتمحور موضوعات اخرى اهمها فكرة الحرمان، الحرمان من الحرية، من الجنس، من التمتع بحياة الطفولة، المحرمات الاجتماعية، الخوف من الآخر وغيرها. وهي بهذا تلمس جوانب انسانية عديدة؛ السايكولوجي والسيوسولوجي والسياسي والثقافي، او ما يسمى في الدراسات الثقافية مفهوم "الاتصال الثقافي المتعدد" الذي ظهر بعد الستينات.

تُفتتح الرواية باللوحة الاولى "يقظة " حينما تتوسط الشمس في المسافة بين اغترابها وشروقها يستيقظ الوجع كمارد قد غط في قيلولة، فاتحا حدقتي على الخواء وسؤال الهوية"ص7. هنا يقدم لنا الكاتب، منذ البدء، حياة قلقة بين حالتي غروب وشروق، تعاني من وجع كامن فيها، وهو وجع يفتح بصره ليطل على الخواء وسؤال الهوية،المتسربل بمعنى الاغتراب والشك بالوجود! انها يقظة منقوصة، يشوبها شيء من التشويه والالم والقلق الذاتي.

الرواية تعرض لنا تشظي هوية "محمد" منذ ان كان مقيما في العراق. ففي الوطن كانت حياته مليئة بالممنوعات ص.63" فروض وقوانين ونظم وفرمانات وواجبات كلها تكبح حريتي وتحيلني الى آلة لتطبيق ما يشتهي الآخر وليس ما أرغبه حتى صرت غريبا عن نفسي، وغدا وجهي يعكس تلك السلوكيات والنظم والاسماء الجديدة التي لا تمثل كينونتي" ص.64

بعدها هروبه من العراق عبر دول مختلفة حتى وصوله الى كندا كلاجيء والاقامة فيها، و ما يواجهه من إشكالات ذات طابع جديد تعمق بصورة اكبر شروخ الذات لديه، كما يعبر عن ذلك بلوعة " لم اكن اصدق ان كندا ستضاعف من تلكؤ مسيرتي" ص.8. هذه المواجهة الجديدة مع الذات تقوده الى طريق مسدود فلا يرى مخرجا سوى الموت كسبيل وحيد للخلاص من الوجود العبثي لحياة متعثرة ضاعت بين وطن يعيش في ظل الارهاب والحروب والاحتلال، ووجود جديد في بلاد غريبة عنه في ناسها وسلوكهم ومشاعرهم ولغتهم. يتراكم هذا الاغتراب والشعور بالوحدة والانفصام الذاتي حتى ينتهي به الى انتحار فاشل، حيث يجد نفسه في المستشفى ويتم انقاذه من موت محتوم. مساعي الانتحار الذي يرافقه على مدار الرواية هي اشارات تنفيس، او محاولات لتجنب هذا الضغط الهائل للخسارات، وليس اختيارا فكريا وجوديا، فهو يعترف بنفسه بذلك" لحظات المواجهة الحقيقية مع ذاتي مخيفة حتى انّي أحيانا أعمد الى غسل رأسي بالماء البارد كي اطرد رغبة حزّه بالسكين" ص.8

في نهاية الرواية يسافر الى العراق في محاولة جديدة للبحث عن هويته المتمثلة في نبش قبر اخيه "حسين" المدفون في غرفة نومه السابقة، الا انه يتفاجأ بالبيت مُدمرا بصاروخ " مجهول المصدر، ربّما من السماء او الضفة الاخرى أو ربّما الجيران. فلا أحد يعرف مصدر النيران هذه الايام".ص.84

مما له اهمية ان الرواية تُختتم بلوحة تحت عنوان" يقظة-ص.81-84"، مثلما تم افتتحها بنفس العنوان، كما لو أن الكاتب يشير ثانية على استمرارية حالة اغتراب بطله وتوزعه الذاتي رغم مرور سنوات طويلة عليه ومعايشته لاحداث وتغييرات قصفت بحياته دون ان تترك اثرا حميدا يذكر عليه.

 

تقنيات السرد:

تم بناء الرواية على شكل لوحات- مشاهد، كل لوحة تسرد لنا فصلا من فصول حياة الرائي الذي يحمل أسمين (محمد- حسين). انها استعادات واستذكارات لماض شاخص بصورة حادة في وعيه. الاستذكار، هنا، هو نوع من الترميم الذاتي وواحدة من اهدافه سد الرمق" من جوع مزمن وجفاف دائم وفشل متراكم وضياع ابدي" ص.7

تضم الرواية 29 لوحة بتقنية محسوبة بدقة. فالنصوص- اللوحات يمكن ترتيبها او تغيير أماكنها دون ان تصيب شكل الرواية او مضمونها بأذى أو تضعف ديناميكية الحكي او ترابط الافكار الرئيسية فيها، فقد تمكن الروائي ان يكشف بموهبة عن عرض الاحداث المتراكمة والموضوعات التي تشكل نسيج نص الرواية دون الحاجة الى وجود فواصل متدرجة بين اللوحات .

منح الكاتب هذه اللوحات عناوينا مختلفة تشبه عناوين القصائد الشعرية "يقظة، هجرة، مفردات، شتائم، عاهرة، صداقة، تابع، نساء، ضياع، حيرة، اقنعة، لقاء، مهنة، أبوة، غزو،، حرب، بلاد، موت، تاريخ، دين، جوهر، فتوحات، غريب، نهاية، فرار، واقع، سيرة، يقظة". يذكرنا اسلوب الكتابة وتوزيعه على اللوحات كمن يزور معرضا للرسم، حيث تمثل كلّ لوحة عالما خاصا بها، متضمنة صراعات وافكارا وقيما تنبع من تفاصيلها هي، لكنها من الجانب الآخر تشكل حلقات متكاملة للّوحات الموجودة في المعرض، وترتبط بخيط داخلي موضوعا واسلوبا، لتكوّن مع باقي اللوحات عالم الفنان. من هنا يمكن القول ان الروائي استخدم فن اللوحة او المشهد المسرحي لكي يعرض لنا الاحداث والموضوعات، وكل لوحة تمثل بحد ذاتها كيانا مستقلا، دون ان يضحي باللحمة الداخلية للاحداث، وبهذا يكون الروائي قد استغنى عن البنية التقليدية للرواية التي تقوم على عقدة رئيسية تعتمد التشويق الفني، الذي يهدف الى شد القاريء وابقائه في مجال النص، عبر تصعيد درامي للاحداث وتحولات الشخصيات، يتوقع عبرها القاريء الوصول الى خاتمة محددة تمثل ذروة الرواية.

ولهذا فان قاريء رواية ميثم سلمان لا يمكنه وهو يتنقل من لوحة الى لوحة أن يتوقع او يخّمن مسبقا ما ستحمله الاحداث بصورة منهجية تراتبية. اللوحات هي باختصار، دليل يقودنا الى هدفنا دون حاجة الروائي لاعلان عن خارطة طريق مسبقة لاقناعنا بدقة وجهة مسيرة الاحداث.

بؤرة هذه اللوحات، التي تشكل بمجموعها، موضوعات الرواية وخيوطها الداخلية، تتجمع، كما اشرت، حول أسئلة الهوية والاغتراب، ؛ من انا؟ والى اين امضي ؟ وكيف انتهيت الى هنا؟ ولماذا كل هذا العذاب؟. الروائي لم يقدم أجوبة، بل اكتفى باثارتها، بصورة غير مباشرة، من خلال سرد مشاهد احداث عاشتها شخصية الرواية الرئيسية. فهي تعيش في عالم مجزأ متشرذم، تحاول فيه أن تعيد لملمة أجزاءه، لعلها تنجح في الحفاظ على وحدة الأنا المتصدعة. وهذا التصدع في الذات يتضح شيئا فشيئا عبر إشكالات الاغتراب كاللغة، أو مواجهات انسانية ؛ كعلاقته المضطربة مع صديقه حميد، او التباسها مع السائق اللبناني، او اللقاء مع مواطنين كنديين،او من خلال الاحساس الجديد بالحرية الجنسية، والبحث عن علاقة حب مع أمرأة يكتشف انها معوقة بسبب شلل اصابها.

 

السخرية والتهكم اللاذع..!

السمة الاخرى التي تميزت بها الرواية هو استخدام السخرية والتهكم اللاذع في بنيتها. فقليلة هي الروايات التي جعلت من السخرية كتقنيات سردية تساعد في أضاءة الثيمة الرئيسية، خاصة حين تشتغل الرواية على موضوعات ذات طابع مأساوي وعنيف. الا ان الخيال الواسع للروائي ميثم سلمان، عبر التقاطات نبيهة ص10-11، ص.15، ص.28-29،ص.56-57، للمشاهد الساخرة، ساعد في نقل القاريء قريبا الى الواقع دون ان تفقد الرواية بُنيتها التّخيلية للافكار والاحداث، كما لو ان الكاتب اراد بذلك إتاحة فرصة استراحة للقاريء، ليمكّنه من إسترداد انفاسه وهو يعيش حالات فزع ورعب وآلام مرّ بها خلال احداث الرواية، فلا يضيع تماما في تفاصيلها، فيكتشف بذلك الجانب الآخر من العملة، ايّ، التمزق الذي اصاب هوية الرائي وحالات الاغتراب التي كانت تتعمق في مسار حياته.

لقد ادرك الفيلسوف الدانماركي الوجودي سورن كيركگورد، منذ اكثر من مئتي عام، اهمية التهكم والسخرية كأدوات مهمة للتعبير والاتصال مع القاريء، ولكشف المعاناة والآلآم الانسانية. وهو ما عالجه في اطروحته "مفهوم التهكم طبقا لسقراط" عام 1841. وقد اطلق على اسلوبه الذي استعاره من سقراط "ديالكتيك القص او الإتصال". وقد رأى كيرككورد ان هدف و مقاصد الكاتب مخفية بصورة او اخرى، وهو يعبر عنها بصورة غير مباشرة عبر السخرية والتهكم أو استخدام الأسماء المستعارة او المتناقضات وغيرها. (2) وشدد على ان "ديالكتيك الإتصال" يمنح فرصة مستقلة وفعالة للقاريء لما يطرحه الكاتب، في إطار المعضلات والمفارقات الوجودية التي تواجهه في الحياة. وقد بقي كيرككورد أمينا لاسلوبه في معظم نصوصه الادبية واعماله الفكرية والفلسفية.

 

لغة السرد :

يبدو الاعتناء باللغة السردية والموضوع واضحا بدءا من عنوان الرواية" قشور بحجم الوطن". فعنوان النص له اهمية كبيرة في الاحالة على محتوياته ومضمونه. ويمكنه أن يدل القاريء منذ البدء على مضمون العمل الادبي او يخلق عنده بعض التصورات عن هذا العمل. فالقشور هي المحن والخسارات التي يواجهها الرائي (محمد- حسين)، الأنا التي يتجسد فيها، في آن واحد، صوت الشخصية الرئيسية وصوت الروائي، باسلوب يزاوج بين التخييل والسيرة الذاتية بصورة لا يمكن معها فصل الواقع عن الخيال، والحادثة عن التصور. هذه القشور هي " الغربة في الوطن، الغربة في المنفى، لا يوجد اي من عائلتي او اصدقائي القدامى او اقاربي، لا أحمل حتى اسمي الحقيقي، طبقات من القشور" ص.42، انها نوع من الاقنعة المختارة ذاتيا او المركبة عنوة التي يصارع ويحلم، كما يقول الراوي " بالخلاص من كل الاقنعة" ص21. ولغته تمتاز بالايجاز، موشاة احيانا بتعابير فلسفية، وذات تكثيف عال يصل حد الشعرية ص33،ص.57، ص.59،ص.70، الا انها، و في حالات قليلة، تقع في شرك الخطابة السياسية او تنحو الى اسلوب المقالة، ص30، ص38، ص43، ص45.

 

الأغتراب والتشرذم الذاتي بين ثنائية الداخل والخارج:

يستخدم الكاتب لتعميق فكرة التشرذم والاغتراب الذاتي تقنية التعارضات السايكولوجية - السوسيولوجية، التي يلتزمها على طول الرواية، بين الذات ومحيطها، الداخل والخارج، سواء عبر العلاقة باللغة، الاشياء، المكان، او البشر.

فاللغة، حيث " الاشياء تغدو كلمات جاهزة" ص.9، تضعه امام محنة جديدة، وتولد فيه قلقا دائما وشكا وخوفا مستمرا حول هويته " اللغة باب إن فتحته على مصراعيه وذابت مع الآخر ساكون غريبا عن ذاتي، وإن أغلقته سأكون أجنبيا وغريبا تماما لدة الآخر" ص.8 . ومثلما حياته معلقة بين الغروب والشروق، فهي تقف هنا في منتصف الطريق ايضا، ويضيف الى عجزه السابق عجزا اكثر تعقيدا وصعوبة، الكبت الجنسي، الفحولة المعطلة " ليس هناك في العالم ما يعوض حرماني" انه ذات معطوبة. والاغتراب يبدو واضحا في المكان، كما في "لوحة حيرة- ص19"، حيث الشعور الدائم بانه مواطن لقيط .انه يشعر دائما انه غريب ومطارد وموجود في المكان الخطأ. لقد فقد بوصلته، مكان ولادته ووطنه الذي كان فيه اصلا مغتربا حيث يتذكر قسوة ابيه ومعلم مدرسة اكثر قسوة وحياة معيشية فقيرة. ويتعمق هذا الاغتراب في العلاقات مع الآخرين؛ فصديقه حميد الذي ساعده بامور كثيره، كان يعيش شيزوفرينيا ثقافية دينية، حيث لاحظ "نزاع حاد بين غريزته وايمانه الحاد" ص.13. حميد الذي فر مع آلاف العراقيين من العراق، ومن ثم أسكنوهم في صحراء رفحه في السعودية بعد انتفاضة عام 1991، عاش هو الآخر قسوة الصحراء والتعذيب والكبت. وهو نفسه الذي قاد "محمد-حسين" الى بائعات الهوى ص.14. حميد يتحول الى صورة آخرى مخفية، وإن كانت غير كاملة، تذّكره بذاته المثلومة واحزانه واغترابه ص.13-14،بحيث يشعر بلحظة ضياع حين يقرر الانفصال عنه بسبب سلوكه المتناقض. وهذا الفشل يقوده للتفكير بالبحث عن علاقة ثابتة مع امرأة املا في الاستقرار. يلتقي بامرأة عن طريق الانترنت ويتواصل بالحديث معها، حتى تدعوه الى زيارتها في مدينتها التي تبعد عنه مسافة طويلة، فيصعد الباص، في رحلة مداها ثمان ساعات، وحين يصل محطة المسافرين، التي تنتظره فيها مع ابنها الصغير، وهي تجلس في كرسي متحرك للمعوقين، يصطدم بالمشهد، فيحاول تجنب لقائها لانه شعر بانها خدعته: "لماذا لم تأبه لمشاعري؟ لماذا لم تكن حقيقية وصادقة معي ؟" ص.17. يضاعف هذا المشهد حالة الاغتراب عنده بصورة اكبر والخوف من الآخر وكذب العالم،ويغالبه شعور بالجزع، وهو يسرع بالابتعاد عنها باتجاه البوابة الخارجية للمحطة، وتجنب اللقاء بها "لا تعذب انسانا آخر، فانت مشلول ايضا" ص.18. وقد عبر عن هذا الخوف من الآخر في مكان آخر ايضا، في " لوحة حيرة"، فإن "تزوج كندية ستتبخر ثقافته وإن تزوج عراقية فسيواجه احفاده مشكلة الانتماء الى الارض" ص.20-21. وحتى حين فكّر بحل ما، كالعودة الى الوطن مثلا، والتخلص من هذا الخوف من الآخر، لم يكون الامر محسوما لديه، فهذا الانشطار الذاتي، هذا الاحساس الدائم بالثنائية وهو يفكر بموضوع العودة، يجعله يطرح السؤال الاكبر والاكثر رعبا:" بأيّ اسم سأعود، المزيف أم الحقيقي؟ "ص. 21، او كما يطرح سؤالا في "لوحة حيرة" :ما عمق جذوري في العراق ؟" ص.19، بحيث يتحول هذا التاريخ الى سؤال محنة ومعاينة ومقارنة دائمة عن الذات وحقيقتها واصالتها. وتتعمق هذه النظرة الشكّاكة الى الذات حين يقارن نفسه بالشرطي الكندي من اصل صيني، الذي يقوم باعتقال احد المواطنيين الاصليين في كندا، اي الهنود، فهو لا يختلف عن هذا الشرطي الذي يطبق النظام على المواطن الاصلي، ص.19، ثم زميله سائق التاكسي اللبناني الذي دعاه الى بيته فتسبب بانفصاله عن صديقته بسبب مفاجأة غير محسوبة منه. في "لوحة غزو" ص.36-39"،يزاوج وهو يراقب حالة ولادة امرأة اضطرارية في سيارته التاكسي، في الوقت الذي كان يستمع فيه من الراديو الى سقوط صدام، هذه الولادة بالموت، وهو يقول " الا ان أذني كانت مشدودتين لصوت المذياع. سمعت إعلان تهشم تمثال القمع وسط بغداد وأنا اتوقف مشدوها اراقب الجنين وهو يتنفس الهواء اخيرا" ص.36. لم تكن الولادة- صناعة الحياة- تشغله عن الموت القادم الى بلاده، لانها كانت ايضا ولادة غير طبيعية، كان يمكن أن تؤدي الى الموت..شعر بانها ولادة كانت ملطخة ومشبعة بالدم، تبعت سقوط الصنم والنظام واحتلال العراق. وهما صورتان مشبعتان برمزية ذكية. فالروائي احس بالدم، دم احتلال العراق قريبا منه، الى درجة انه شم رائحته واحس بفضائعه، وهو يحاول بعد ذلك غسله من السيارة، رغم ابتعاده عن وطنه العراق الذي يعيش مصيرا آخرا مجهولا يختلف تماما عن وضعه. شعر بالم كبير وهو يسمع دخول الاميركان الى بغداد، عاد الى بيته ليغسل دماء الولادة التي اصابته، وكانت به رغبة ان يذهب الى جارته كاندي الكندية، لكي يشرح لها اسباب إزالة هذه الكمية من الدماء ؟ قائلا لها بلهجة خاسرة:" لقد حتلوا وطني !" ص.36، حيث لم يتبق معه في تلك الليلة سوى " الوحدة والقهر والخسارة " ص.37

وهكذا يتجدد انشطار الذات مرة اخرى، كان يعيش همّ ثنائية الموت -الاحتلال في العراق " والولادة في كندا. !، وهي اشارة لوصف حالة القلق بين الموت والولادة والاغتراب بينهما. وبين هذين الوضعين كانت حياته معلقة وهويته مثلومة"، ثمة اغتراب مضاعف؛ غريب يحتل الوطن، ومولود غريب يأتي الى العالم في سيارته التاكسي.

تنتهي حياته، كسائق تاكسي، بقدم بلاستيكية ومعونة شهرية شحيحة للمرضى والمعوقين" ص.61، نتيجة مشاجرة مع احد الركاب التي جعلته يجري على الجليد لساعات هربا من جريمة ارتكبها احد الركّاب في سيارته، اذ قام بقتل صديقته، ادى الى بتر قدمة واصبعين في الاخرى . ص61. وهكذا تتسبب علاقته بالآخر بثلم هويته الفيزيولوجية، وتترك لديه شعورا نفسيا بالتشرذم.

وهكذا فقد ساعدت كل تلك التعارضات والاتصالات والمواجهات برسم صورة اوضح لذات الرائي المتشرذمة وحالات اغترابه المستمرة.

 

الخاتمة                                                                        

رواية ميثم سلمان، هي الرواية التي يبكي ويضحك فيها القاريء في آن واحد. انها رواية كتبت بحرص عالم نفس يغور في اعماق شخصياته، دون ان يلصق بها من المفاهيم الثقافية والعبارات المفتعلة لاقناعنا بصدقها، بل يذهب الى التجربة ذاتها، لكي يكشفها لنا كما هي بحذاقة الرائي المبدع، بسردية شعرية موجزة ومكثفة الى اقصى حد، وهي سردية تتركز على محور واحد الانسان؛ في غربته وتحولاته الصعبة والمتناقضة في محنة الاغتراب الوجودية، من خلال مشاهد و اسئلة مصاغة بدقة وبحرقة وسخرية لاذعة، يختتمها بشهادة موحية عن بلاد احبها تتعرض للتخريب والدمار، وضعته في محنة امام السؤال الصعب الذي ما زال يتكرر:" انعطافة الاحداث في هذا المنحنى اربكت قناعتي وجعلتني احاكم نفسي، هل أؤيد مقارعة المحتل واقف بجانب هؤلاء الذين يقاتلونه للعودة الى سلطانهم الضائع متواطئين مع المتعطشين لدماء غالبية الشعب؟ أم اقف مع باقي الشعب الرافض للاحتلال سلميا بتشبثه بعملية سياسية هشة يقودها مرتش أو قائد مليشيات او متطرف او سائس للدسائس؟ ام ارضخ لليأس المطبق من اي امل بالتغيير، وقتل الاهتمام بما يدور، والتنصل حتى من الانتماء للوطن؟ ص.40 من هنا فانها رواية تستحق اهتمام القاريء بها وتلبي توقه الى متعة جمالية وفكرية وحياتية من قراءتها.

 

..................

المصادر:

1) الاستشهادات التي اشرت اليها داخل المقالة وارقام الصفحات مأخوذة من رواية : ميثم سلمان: قشور بحجم الوطن، عمان : دار فضاءات، 2011

2) بيلي سوندرز: فن الادب- مختارات من شوبنهاور، ترجمة وتعليق شفيق المقار، القاهرة: المركز القومي للترجمة، 2012، ص47

3) Jean Amery: At the mind's of Limits- Contemplations by a Survivor on Auschwitz and its realities, tr. by Sidney Rosenfeld and Stella P. Rosenfeld, Bloomington: Indiana University Press, 1980, p.28

4) Birgit Bertung : Kierkegaard - begreber, ordbog for Kierkegaard+ læsere, Vinge: Forlag 1, 2010, p.58-59

  

 

         

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 3139 المصادف: 2015-04-10 23:53:33