المثقف - قراءات نقدية

قراءة في مسار الأديب العربي بنجلون

myna kaseeriما الكتابة؟ .. إنه السؤال الذي يتبادر لأذهاننا بعد كل عملية قراءة نمارسها في حياتنا، سؤال يدعونا لمعاودة القراءة، بحثا عن مؤشرات في المقروء، تُحيلنا على مصدر اللذة، أو المتعة، أو الافتتان الذي نستشعره أثناء القراءة.

والنص الموضوع هو صانع الحدث..تلك هي كتابات العربي بنجلون على تنوعها، متحررة من التقليد والاتباعية، تماما كما كانت بدايته الأولى، حين اختار التحرر من سلطة والدته، التي كانت رَدَّةُ فعلها تخضع للطبيعة والعُرف آنذاك: طفل يحمل درهما يساوي طفلا يقتني قطعة حلوى عوض شيء آخر.وكان العربي بنجلون هو هذا الأخير الذي فضَّل اقتناء كتاب بدرهم العيد، حيث عُوقب بصفعة على خَذِّه، وجَّهته الوجهة التي بلغ بها شأنا كبيرا، وصنع لنفسه اسما تألق داخل أرض الوطن، وعلى مستوى العالم العربي أيضا..وقد كانت وسيلته الوحيدة في العبور، أعماله ذات النكهة الخاصة، والرؤية النقدية المتأنية والموضوعية.

اِنطلقت بدايتها على متن جريدته الأولى التي أنشأها بمدينة مولاي

إدريس، والتي حمَّلها عنوانين: عنوان أمامِيٌّ وهو - للطفل-، وآخر خلفي وهو- زرهون- إنها ثنائية، تعكس حقيقة شخصية الكاتب، وخصوصيتها التي ستَظَلُّ وَفِـيَّةً لها فيما بعد، وهي: الاهتمام بالمرحلة الأولى لحياة الإنسان كبنية تحتية، والتأسيس لما بعدها من المراحل في علاقته بالمحيط والأحداث.

وقد كانت جريدته تلك أول جريدة تصدر بهذه المدينة *زرهون*.

ومما يميز بنجلون ككاتب أيضا، هو ذاك الامتداد لمرحلة الطفولة..أو بالأحرى بقاء الطفل كامنا بداخله لم يبرحه، فنجده يعْتَنِي بلغته، ويتَعَمَّق في أوصافه، ويُزَخْرف صوره بألوان قزحيةٍ بديعةٍ متوسِّلا لغة بسيطة في عمومها، غامضة قوية في العديد من محطاتها، وساخرة في بعض مواقفها.

أسفرت اجتهادات هذا الكاتب عن مجموعة من الأعمال، تتوزع بين الكتابة للطفل وتشمل القصة، والشعر، والمسرحية، وبين الكتابة بمختلف أجناسها. وتشمل النقد أساسا، والقصة، والسيرة الذاتية، والمسرحية. وهي أعمالٌ أفْرَجت عنها قريحته دون تهيئ أو تدبير منه. فعندما كانت تحضره موضوعة معينة يكتب فيها، ولا يُؤَجِّلها.. سيرةً كانت، أم نقدا، أم عملا آخر. لأن قانون الإبداع يحظر الإجهاض!..على حَدِّ تعبيره في سيرته الذاتية.

وكل هذه الأعمال على تنوعها يعتبرها واحدة، أي مجرد أشكال للكتابة، وإنِ اختلفت في تجنيسها فهي تحمل رؤيته للعالم..ألا وهي: تربية الإنسان وتكوينه. إذ يرى أن البشرية مهما بلغت من درجات الرُّقي والتقدم والتطور المعرفي والتكنولوجي..فالإنسان ما يزال في عصر الهمجية، لم يستطع الانضباط لقول الفلاسفة الرومان: الإنسان للإنسان شيء مقدس..وواقع الحال أن *الإنسان للإنسان ذئب*. ودليل كاتبنا هو الهيمنة الحالية على الشرق العربي، أو تكالب الغرب على الثروات العربية، وغيرها من الصور المعبرة عن سقوط القيم وارتقاء المصلحة، وغياب شروط العيش بأمان.

إنه يُحمِّل المثقفين من الأدباء والمفكرين مسؤولية إزاحة العتمة عن العالم وتسليط الضوء على مكامن الضعف المتسببة في التراجع.

   ـ ففيما يخص أدب الطفل: نجد للأديب بنجلون، أكثر من ألف ومائتيْ كتاب بين ما هو قصصي، وما هو مسرحي، وما هو شعري..وكلها تُنْتَظَمُ في عقد واحد - صياغة القيم الإنسانية والبيئية والصحية- ويحتفي في بنائـها الفني بالخيال خصوصا، منطلقا من قناعته أن الخيال وسيلة فعَّالة للتعلم، وأن الحلم بالشيء طريق مُعَبَّد لتحقيقه. فهو يعتبر الخيال عنصرا أساسيا في بناء الحضارة الإنسانية، والأمةُ التي لا خيال لها لا يمكنها أن تحرز تقدما.لهذا يحرص على استثمار خيال الطفل عن طريق مرافقته على متنه، والقيام بالتصحيح أو التوجيه وهو برفقته.

وأدب الطفل ليس بالأمر اليسير، أو الممنوح لكل مشتغل بالكتابة، إنه خصوصية تشترط في رُوَّادها معارف دقيقة بحياة هذه الفئة العمرية، وقد حددها المُحْتَفى به في سيرته ص175 حين قال: الأسس الخاصة التي ترتكز عليها الكتابة للطفل هي: أولا- إلمام الكاتب بالمراحل العمرية للطفل (...) ثانيا- التزام الكاتب بترسيخ المبادئ والقيم الإنسانية المُثْلى...    

   ـ وفي المجال النقدي: نجده يلامس النصوص الأدبية، سواء المغربية أو العربية أو العالمية، وينتقدها برفق دون أن يمس بشخص الكاتب، كما قال عنه الدكتور إبراهيم السولامي في تقديمه لكتابه *تيار الوعي في الأدب المغربي المعاصر* الصادر بسوريا.إلا أن تركيزه الأساسي في دراساته النقدية المتعددة، كان هو إبراز تقنيات وأدوات الكتابة المُعْتَمَدَةِ في النصوص التي يتناولها. إنه يُمهد أو يُؤسس لرؤية نقدية بسمات خاصة، اكتفى

بالتلميح لها في نصه النقدي *إعدام النص ومشروعية القراءة*.

وقد أبان في الآونة الأخيرة عن اهتمامه الكبير بالأدب المغربي، توَّجَه بإصداره الأخير: سؤال الكتابة في الأدب المغربي - الذاكرة والتحولات..مما يُشكِّلُ انعطافة نحو الأدب المحلي يقف فيه على أسباب تأخر نهضة الأدب المغربي، ويُشيد فيه بفضل المدارس المشرقية مصر سوريا والعراق في التأسيس - لنهضة فكرية وأدبية مغربية تطورت لترسم لنفسها ملامح خاصة- إلى جانب رواد مغاربة كانت انطلاقتهم من هناك.

   ـ أما السيرة الذاتية، أو الترجمة الذاتية كما يصطلح على تسميتها أيضا، فهي عند بنجلون؛ نصوص أخرى تتحلى بالصدق والأمانة الأدبية، وتتميز بأسلوب قصصي شيق..فيه من البساطة والدقة في الحكي ما يشُدُّ القارئ إليه. تناول فيها، رحلاته إلى الشرق والغرب، وعلاقاته بدور النشر وطفولته بدون منازع، وقد كشف هذه المجالات جميعها، أو بالأحرى عرَّى الخلل فيها بسخرية لاذعة تنم عن تأثره بقراءاته الأولى للأديبين المصري: *عبد العزيز البشري، والروسي: *نيقولاي كوكول. ولم تقتصر آلة هذا الأسلوب الساخر كما أسلفنا على السيرة الذاتية فحسب، بل امتدت إلى كتاباته الأخرى، المسرحية منها والقصصية. حيث نقرأ لديه مآسي المجتمع والعالم مُغلَّفة بالطابع السخري. وهي سمة مجموعته القصصية *الخلفية* التي تناول موضوعاتها الستة بسخرية جميلة من مواقف إنسانية مُرَّة أحيانا وغريبة أحايين أُخرى. تحمل في ثناياها رسائل ما يفتأُ القارئ يضحك لسخريتها حتى يُلفي نفسه تائها في بحر تمتلاثه لحقيقة المواقف.

   ـ وقد برزت في مجموعته تلك سمات خاصة بالكتابة القصصية لديه، تُبْرزُ إلى حدٍّ ما خصوصياته ككاتب متحرر من قيود المتعارَف عليه، وانتهاجه نهجا جديدا اختاره ليميزه.

العربي بنجلون يُعد رائدا في الكتابة للطفل والطفولة، ونموذجا في القدرة على التواصل مع هذه الشريحة. كما يُعتبر علَما في الكتابة الإبداعية، وله تطلعات نوعية في الكتابة النقدية، وأيضا يعتبر جسرا للتواصل مع الأدب العالمي، بقراءاته المتفحصة أحيانا، والفضولية أحايين أخرى، والغاية كشف أسباب نجاح -أدب الآخر- كما يُسميه وإحرازه العالمية.

وكخلاصة، لابد من الإشارة أن هذا الأديب، في الآونة الأخيرة انتقل أيضا إلى تدوين نظرياته حول التربية والتعليم، وحوْل نفسية

الطفل وعلاقته بما يمُرُّ به العالم من تطور تكنولوجي وعلمي. أي:

إنه يبحث عن مدى حضور الطفل ويقيس مستوى إدراكه،

ويتساءل عن المعيار الذي يجب أن نقيس به تفاعل أطفالنا مع الفضاء المحيط بهم.

 

مينة قسيري: كاتبة من المغرب

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 3146 المصادف: 2015-04-17 00:59:37