المثقف - قراءات نقدية

رواية قبل اكتمال القرن: قرن الخراب العراقي العظيم للمبدعة ذكرى محمد نادر

husan sarmakسيرة موجزة لعائلة الرضواني ومصائر أفرادها:

الرضواني الجد الأكبر: ضابط كبير في الجيش العثماني، اعتُقل ومات في سجنه بسبب تمرد حفيده عبد الرحمن الرضواني الملقب بـ (المُلّا) ضد العثمانيين.

الرضواني الأب: عانى كثيرا من سلوكيات ابنه وتمرداته.. توفي أخيرا بعد زواج ابنه من فتاة بدوية هي (الشمرية).

الرضواني (الإبن): عبد الرحمن الرضواني الملقب بـ (المُلّا). تمرّد ضد الاحتلال التركي وضد الغزو البريطاني على حدّ سواء. شخصية أسطورية. تزوج الشمّرية والخادمة الزنجية التي جاء بأمّها - جدُّهُ - سبيّة. أنجب من الشمّرية ذكورا هم: خليل، طه، مرتضى، الصفوان، وإناثا هنّ: الوضّاءة، وفضائل. ومن الزنجية عدة أولاد عوملوا بمهانة ومنهم: عباس.

عازف الربابة: هو ابن سائس خيل الرضواني الإبن.. فقد بصره تدريجيا. كان يغني القصائد التي تتغنى بقوة ومجد سيّده، فقد البصر تدريجيا. عاش قرناً كاملا تقريبا كان فيه شاهدا على كل الحوادث التي عصفت بعائلة الرضواني.

خليل: مات شانقاً نفسه في بستان العائلة بسبب عجزه الجنسي وحمل زوجته من البستاني.

طه: مات بسبب نزفٍ مرعب من كل فتحة من جسمه. حمّل مرتضى أمه الشمّرية مسؤولية موته لأنها سقته شراباً غريبا كانت تعتقد أنه سيمنعه من السفر للدراسة خارج العراق بسبب حبها الشديد له.

الصفوان: مدرس رياضيات. تزوج من القادرية، معارض سياسي فصل من وظيفته وطورد وسُحل بالحبال وعُلّق بعمود الكهرباء.

مرتضى: مدرّس. تزوج من البلورية التي كانت طالبة صغيرة عنده. رُزِق منها بسبعة أطفال: مراثي، سُبُل، عُميرة، الجهم، الوليد، الوضّاح، وتغلُب. هجر زوجته وتزوج (العوراء) يتخطيط من القادرية. معارض سياسي. سُحل أخوه أمام عينيه وظل يحمّل نفسه مسؤولية موته. وقّع براءةً من الحزب السياسي المعارض الذي ينتمي إليه، ولم يَسَلم. إغتيل أخيرا في بيته بطلقة هشّمت جمجمته.

مراثي: أحبّت عامر ابن فضائل وتخلّى عنها بسبب ملابسات وضعه السياسي المعارض. أحبّت أستاذها الجامعي " المُهلّب "،وتزوجته بعد حب عاصف.

المهلب: زوج مراثي، التحق بالحرب فأُسِر لسبع سنوات عاد بعدها مُضطرباً نفسيا ويتصرف كالأطفال.

سُبُل: أحبّت - وهي طالبة في الإعدادية - طالبا يكبرها في كلية الهندسة حباً عجيبا، ثمّ هجرها لأن عائلتها مشبوهة سياسياً. اعتُقلت مع أبيها وأخيها الجهم. وفي المعتقل تعرفت على الجلاد (نوّاف الضامن) الذي خطّط للإيقاع بها في شباكه. تزوّجها سرا.. وأجهضها بعد حملها منه.

عميرة: الأخت الأصغر أنجبت بدون حب. تحرّش بها عمها "عباس" جنسيا، واكتشفتهما سبل، ولكنه أدار التهمة عليها فضُرِبت، وهربتْ من البيت لتصبح أشهر مومس في العاصمة، لُقّبت بـ (الباشا).

الجهم: أكمل كلّية السياسة. من فصيل معارض لحزب السلطة. اعتُقل. انهوس بمقاومة الأمريكان في حرب عام 1991. أحبّ (هانيا) ابنة فضائل، لكنّ امها أفشلت علاقتهما.

تغلُب: انتحر بعد أن عرف أن اخته (عميرة) أصبحت مومسا بإطلاق النار على نفسه.

الوليد: شارك في الحرب العراقية الإيرانية وبتُرت ساقه في إحدى المعارك.

الوضّاح: الأخ المحبوب، شارك في حرب 1991 ولم ينسحب، وظلت سبل ومراثي تسألان عن مصيره في كراج النهضة.

فضائل: أم عامر. تزوجها عبد الجليل الجراخ (شيوعي سابق) لكنه تعلّق بأختها (الوضّاءة) حتى الموت. وبعد سلسلة من النكبات الهائلة - خصوصا اعتقال ابنها عامر من قبل ابن خاله السجّاد دون أن يتعرّف ملامحه إلا متأخرا، قامت بالانتحار بحرق نفسها.

هانيا: بنت فضائل، أجهضت امّها تجربة حبّها مع الجهم. ارتبطت بضابط أحبها بإخلاص وعندما لم يحصل على الموافقة الرسمية للزواج منها قامت بفض بكارتها بسبابتها أمام أمّها فضائل ثم فقدت عقلها.

الشمّرية الأم: ماتت بعد أن رحل أولادها بمأساوية: خليل وطه والصفوان، وزوجها الرضواني.

الزنجية (الضرة): ماتت مريضة بعد أن عاملتها الشمّرية بقهر وإذلال.

عامر: ابن فضائل. أحب مراثي وهجرها بعد أن ضبطهما العم "عباس" متعانقين، فأشبعها ابوها مرتضى ضربا. وخذلها عامر ولم يتدخل. كان سياسيا معارضا. اعتُقل عندما جاء ليعتذر منها، واختفى إلى الأبد.

نوّاف الضامن: الجلّاد الماكر. تزوج سُبُل سرّاً بعد أن أسقطها أخلاقيّاً بمؤامراته، ثم أجهضها فطردته من البيت. سمّم أجواء العائلة بسلوكه المدمّر.

عباس: إبن الزنجية الأكبر، كان حاقدا على العائلة وخلق لها الكثير من المشكلات (فضح مراثي، التحرش الجنسي بعميرة، مساندة الجلّأد نوّاف في البيت في كل شيء).

السلطانة: قوادة مشهورة. أم (القادرية) زوجة الصفوان. رعت عميرة و (ربّتها) ولقبتها بالباشا.

 

فن الصفحة الأولى: مفاتيح وألغاز:

تدرك "ذكرى محمد نادر " أن الصفحة الأولى من الرواية - بخلاف القصة التي يحلّ فيها الاستهلال - قد تكون حاسمة في شد القاريء وملاحقته لأحداثها من خلال إثارة التساؤلات التي ستبحث عن الإجابات ومحورها المركزي، وهو الخيط المتين الذي ينظم حلقات الرواية وهو:

ما الذي حصل وجعل عائلة الرضواني تؤول إلى هذا المصير الأسود، من جدّ حالم بالفروسية المجيدة، ثري يفتح المدارس للفقراء ويحصل على وسام من الملك، إلى بؤس مروع تتدفأ فيه البنت الصغرى وأطفالها بنار رقعة شجرة العائلة، ويلعبون بالوسام الملكي بدلا من الدمى.. إلى حال أخلاقي مدمر حيث تصبح إبنة الجيل الرضواني الثالث مومسا بل "باشا" العاهرات في بغداد كما سنرى؟؟ من سماوات التغني بالشرف الرضواني إلى حضيض تداوله الرخيص.. رحلة بمائة عام تقريبا نقطعها مع ذكرى محمد نادر. ولا أعتقد ان أحدا من النقّاد والقرّاء العراقيين قد منح هذه الرواية الإهتمام والإحتفاء الذي تستحقه، وهم محقون في ذلك لأن الأخوة ماريا فارغاس يوسّا أو غابرييل غارسيا ماركيز أو مارتن زوسكند وغيرهم سوف يعتبون عليهم.

منشيء عائلة الرضواني - التي تصوّر حيوات أفرادها ومصائرهم الكاتبة لتعرض من خلالهم تحولات المجتمع العراقي وعواصفه التاريخية وانهياراته بل مصيره - هو "عبد الرحمن الرضواني" أو "عبد الرحمن الملّا" الذي كان يتمتع بشخصية قوية متمردة تحمل أبوه "الرضواني ذو الكرش الودود" كما تلقبه بسببها الكثير من الأذى. كان متحدّيا وذا روح تعرضية جسور خلقت الكثير من المشاكل لأبيه وحتى لجدِّه. لقد نازل المصارع التركي (حكيم دادا) رغم الفوارق بين قوتيهما.. وكان يغطس في مياه دجلة، في رهان لإثبات القدرة على الغطس، لأطول مدة حتى يشعر الأب المراقب بالفزع من احتمال انقطاع أنفاسه ثم ينبثق فجأة من تحت الماء.. ولكن انفلاته وتمرده كانت له وجوه إيجابية كبيرة: فهو لم يكتف ببيع إحدى مزارعه لفتح مدرسة للأطفال الفقراء حسب، بل قام باقتسام أرضه الهائلة مع الفلاحين المسحوقين موجّهاً صدمة كبيرة لأبيه. لقد درس في القسطنطينية وعاد وهو يتحدث اللغة الفرنسية بطلاقة والانكليزية بصورة لا بأس بها.. رافضا تعلم كلمة واحدة من التركية. كان يكره الأتراك.. ويمتعض من جدّه الضابط البارز في الجيش التركي.. كان يشتبك مع جُباة الضرائب قساة القلوب ويدفع من كيسه عن الفلاحين التعساء.. ولهذا لم يجد معضلة تواجهه عندما بدأ الغزو البريطاني للعراق في الحرب العالمية الأولى. والكاتبة تثير هذه المعضلة / المحنة التي هي من العلامات الفارقة في تاريخ هذه البلاد التي يوضع شعبها دائما بين اختيارين مُدمّرين، بين الرمضاء والنار.. هذا الموقف العصيب تكرر في حرب الاحتلال الأخيرة.. مع بداية الزحف الإنكليزي في عام 1914 طلب الأتراك العون من رؤوس العشائر ووجهائها وقيل لهم: راية المسلمين وخليفتها على الأرض تطلب دماءكم.. لقد انشق العراقيون - آنذاك - فهُم - وفي أي "اختيار" يتخذونه - سيستبدلون هولا بهول.. وفاجعة بأخرى قد تكون أبشع منها.. هذا الموقف المتضاد أبداً هو الذي جعل شخصية الفرد العراقي متضادة –ambivalent، وليست ازدواجية كما يقول الراحل "علي الوردي".. شخصية تتصارع فيها دوافع الإقبال والإدبار.. الحب والمقت.. الخير والشر في الآن نفسه، وهي سمة طاغية في التركيبة الشخصية لأغلب شخوص الرواية كما سنرى. لكن الرضواني قلب صراعه تجاه محنة الاحتلال التركي والغزو البريطاني بأن اتخذ موقف مقاوما ضد الإثنين فصار يغير مع عصبته من الشباب ضد المعسكرين.. على طرق امداداتهما ومستودعات تموينهما:

(في البداية لم يفهم الشباب الأمر: كيف تكون عدوّاً لإثنين ؟ لابد أن تكون في أحد الجهتين: تركيّاً أم كافراً بريطانياً لا سمح الله - ص11).

لكن الحفيد كان يقول للشيوخ:

(ليس هناك فرق كبير بين أقدام التركي المسمومة، وأقدام الإنكليزي المطوّقة برباط أبيض طويل وحذاء ثقيل، واحتقار لنا يرتيديه تحت خوذته الفلينية - ص 13).

وبسبب تمرد الحفيد، تم سجن الجد رغم خدماته الجليلة للأتراك فمات كَمَداً في زنزانته في اسطنبول بسبب انقلاب أسياده عليه.

لا تسير الروائية على مسار سردي "مستقيم" في عرضها للحوادث، فقد صار الخط السردي المستقيم من سمات الرواية القديمة، إنها تسير على طريقة "الرقعة الشطرنجية" السردية إذا جاز التعبير، وهذا التكنيك يتصاعد مع تنامي أحداث الرواية واحتدام صراعاتها وتشابك علاقاتها.. ولا أعتقد أن هناك تقنية مناسبة غير هذه بسبب تعدد شخوص الرواية وكثرة الأحداث التي ترتبط بكل فرد والانتقالات الزمنية الكثيرة والعريضة التي تشهدها. فهي – أي الكاتبة - عندما تتتابع المواجهة البريطانية ممثلة بالقائد (طاونزند)، والتُركية مُمثلة بـ (نور الدين باشا) ثم (خليل باشا)، فإنها لا تمضي مع التقدم الزمني للوقائع بين الطرفين، بل تتنقل أماما وخلفا وجانبا لأن هاتين الجهتين ترتبط بهما أفعال شخوص أخرى هي: عبد الرحمن وأبيه وجدّه..

لقد كانت لروح عبد الرحمن الاقتحامية أثرها في أنّه، وعصبته، قد انغرسوا في وجدان الناس كثوار مخلصين لا يهابون شيئا.. لقد التقى عبد الرحمن بطاونزند في ليلة مدلهمة.. شتم الثاني الأول، فرد عليه الرضواني بشتيمة أقسى سيتذكرها مدى حياته. وسيقف الرضواني على فرسه الصهباء لينظر إلى الجنرال الأسير الذي تعرّف عليه: فتى الليلة المدلهمة، وسيتذكر فورا:

(التماع عينيه الجسورتين تكويانه وتؤججان أحقاده التي سيتذكرها كأنما هي وليدة اللحظة ذاتها) – وهنا ستتضح ميزة أخرى هي ميزة الحاسة النقدية التاريخية والنفسية التي تربط الحوادث بأواصرها التحليلية السردية لا التحليلية الموضوعية فالواقع السردي – وهذا ما تدركه الروائية بالتأكيد وما يجب أن يدركه القارىء بقوة لاستيعاب اسرار فعل الكاتبة – يختلف عن الواقع الموضوعي، والكاتب يمكنه أن يتحدث حاضرا عن مستقبل "قائم" لكنه خارج الدائرة الزمنية السردية. وفي هذا التقدم "المراوح" ترسم الكاتبة "صورة" لا تتوفر عليها إلا الكلمة.. عصية على الفنان التشكيلي.. فالفن التشكيلي فن "مكاني" في حين أن الفن السردي هو فن "زماني". الرسّام يجب أن يوقف الزمن كي ينجز عمله التصويري لكن السارد يستطيع التلاعب بابعاد الزمان وعناصره بخلاقية عالية. هذا ما سيتجلى في الرواية كسمة راسخة. وفي حديثها عن اللحظة " الراهنة" التي شاهد فيها الجنرال الأسير التماعة عيني الرضواني الجسورتين، "تعيد" الكاتبة المستقبل، تعيده بأحداث تترتب على الماضي "الراهن":

(تذكر فورا التماعة عينيه الجسورتين تؤججان أحقاده، التي سيتذكرها كأنما هي وليدة اللحظة ذاتها، بعد سنوات أخرى - وهو يتابع بحماس في صالة منزله تفاصيل حصار آخر للقوات الإنكليزية في عشرينات هذا القرن، حين بدأت تتساقط تباعا شموس ماسات التاج البريطاني، يطوي بخطواته العسكرية العريضة الغرفة المفروشة بسجادة إيرانية منهوبة من دائرة كمارك علي بابا، لتحملها عفاريت علاء الدين إلى بيت الماركيز الطاونزندي السابع... متذكرا رؤوس البغال المسلوقة تفوح زناختها متفوقة على آلام الجوع، وتنازل ضبّاطه بكبرياء حزين عن جيادهم، ليتناولوا لحمها الضامر بحسرة الفراق، فيزداد عقد الحقد الانجليزي حبة أخرى، لوطن أبينا آدم الذي لم يعد ممجّدا لهم كما يجب، إذ غادرو أرضه صاغرين- ص 17).

 

حسين سرمك حسن

بغداد المحروسة

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 3155 المصادف: 2015-04-26 10:31:52