المثقف - قراءات نقدية

البراعة العالية في الصياغة المشتملة على الصيرورات الموّلدة للتنامي القصصي

(مابعد الخريف) مجموعة قصصية للقاص عبد الكريم الساعدي صدرت عن دار أمل الجديدة، سورية – دمشق، وهي من القطع المتوسط جاءت ب (91) صفحة وتضمنت القصص التالية، ليلة اليمة – رسائل الموتى – دموع خرساء – في بطن الحوت – حرائق ساخرة – ارتعاشة آخر ليلة – كان الدرس صحواً – ليلة احتضار النور – أمنية معلم – اغتيال مجنون – الرقص على اصوات الصفيح – رجل من ورق – عطر محلي – هي ذات الروائح – مسوخ وعناكب – مقهى المدينة الفاضلة – شارع المعبد الغريب – أحلام وذباب – شهقة طين – مابعد الخريف .

في هذه المجموعة وجدت أن هناك صوراً تظهر كتلة واحدة، ربما رسمها القاص في مخيلته وجعلها خاضعة لتقنيات عمل متميز من حيث الصياغة اللغوية التي تصل بين طرفي الشكل الكتابي والتفكير الذهني، وهنا لابد أن أعرج على الصياغة التعويضية التي استخدمها الكاتب في ظل التخمين والواقعة معتمداً على الفهم التقديري له، وهذا ما أهله لأن يكون مستكملاً لمهيئات السرد كونه أسهم وبشكل فاعل في تخصيب الضربة القصصية بابعاد مختلفة .

(ولما علا التصفيق والصفير، لاأدري لِمَ كان يخيّل أليّ إنّها خرجت من فجّ إبليس، كنت انتظر الخطاب بلهفة لحامل احلامنا قبل ان يستعمرني وجلّ خفي . أبصرته عن بعد رجل لم يطأ الخمسين بعد، محاطاً بفتية يحملون السلاح عيونهم تحدّق دونما إتجاه، وعيون الحاضرين كعيون المومياء يملؤها الهواء) قصة رجل من ورق ص 57 .

أما عن الصياغة الدلالية في هذه المجموعة فأن القاص قد جعل الكلمة وسيط بين الدال والمدلول، أي السبب والمسبب واعتماد علاقة إرجاع الدال الى المدلول أو مدلولات أخرى وجَعْلالطبيعية ْ الجمل هي الآخرى تتقاسم دوالها ومدلولاتها تساوياً مع مجمل الاداء السردي، ففي الحالة الطبيعية يحاول القاص استحضار ادوات الكتابة وأفضل آلياتها إضافة الى تحديد المظهر المفترض ذهنياً، لكن العمل حين يلج الطبيعة الذهالية فأنه لن يراعي ذلك، فحضور الصور الكثيرة المثيرة والمعبرّة عن حوادث وشخوص ومسميات واماكن وأزمان تغتني بوجوه متعددة للضخ الهائل التدفق (كانت خطواتي قاتمة في غمرة الليل، ليل يحكي في السرّ حقيقة فضائح سنين عقيمة، استطالت فيها ليالي الظلم، ليال اطعمتنا حزناً وروتنا عطشا، حدود من ليلة موحشة، تحاصر قلقي، انتظر سماع صراخ مولود، يتأهب لعناق أحلامنا ودفء عالمنا المنفي على اعتاب هاجس الفناء، وسلامة زوجتي التي أرهقتها السنون، " هل سنخلع رداء الخوف والإنتظار، ونغني فرحاً لدفء هذه الليلة؟ هل يحق لنا ان نفرح تحت اصوات القذائف، ورعشة البنادق وامام عيون مدججة بالرعب، ينزّ منها الموت ؟ ") قصة ليلة احتضار النور ص 40 . الأفعال السردية تقوم بمهمة البث لإيصال الإخبار الحدثي ولكنها ايضا تهتم بالملائمة والتغطية لما تبثه باعتبارها منافذ بؤر رئيسة للأحداث لتتيح للتصور ان يأخذ مداه الأقصى من التأويل، فلكل كلمة في السرد وجود ضمني حتمي منظم في توزيع بنية التركيب، وأي خلل في هذا سيؤدي الى ضياع جهد صاحب الإنشاء، ولأن جملة السرد مثل جميع الجمل تقتضي توجيها خارجيا أو داخليا، لذا فمن الأفضل العناية بالمحفز الخارجي (الحادثة) والمحفز الداخلي (نظام الحبك) وهاتان المهيئتان تمثلان قواعد لغة وقواعد سرد في آنٍ واحد . (لم يعد الليل يتسع للتفاصيل، عَبدة هاجرت حواسها، إله مسجّى، متجهّم، مخلوقات غريبة تنعب، ذباب يصفعه الطنين، سنّارة تحلم بأجساد عارية، يجمعها، فيمسّ بعينيه رائحة القناديل، بخطوة فائرة، يخرج محتمياً بظلّ امرأة تشهق بالدعاء) . قصة شارع المعبد الغريب ص 79 .

لهيكلة الكتابة عمقان، أفقي وعمودي، الأول يمثل الآليات الإنتاجية البصرية، والثاني يمثل آلية تشعيب قنوات التوريد، ويلتقي العمقان في خزين الذاكرة التجميعية ثم يطلقان مبثوثاً تحليقياً بفهم وجداني وعقلاني، فالتجميع الذاكراتي الفعّال بما يحتمله من طروحات فكرية ووجدانية وبما يؤول عليه من انعتاق شبه صوفي ضمن الحالة الكتابية الذهالية الفنية، لذلك ان الإنشاء التركيبي لصيرورة الإيجاز اثناء لحظة الإنشاء تستحضر المقدرات الذاتية واستجلاب هيكل الحكاية لتمتد اليد بعدها لجس صفات الشخصية .

(يمضي الجميع الى حيث التلال واحداً تلو الآخر، محاربون يحملون اسلحة خاسئة تنوء بقيء المزابل منذ الاسبوع الماضي، المدينة كالثكلى تتوجس قلق القادم من الأيام، تغفو على أشلاء أمن موهوم، ذات ليلة وبعد تراكم القلق والخوف ولوثة من جنون، وتكاثف صور اشباح وصراخ موهوم، سمع عواء كلاب سائبة عند اطراف المدينة أطفأ ماتبقى من الأحلام) . قصة هي ذات الروائح ص 65 .

في حركية اللغة طاقة حيوية، من بينها وجود فراغ بين الفعل الجزئي والفعل الشمولي، وينعكس عنها انتقائية لغوية شديدة التأني، كون الحوادث ستُختصرْ الى اعمق مايمكن، وهذا مايضطر الكاتب إتباع نظام خاص يُنظم علاقات اوساط البؤر بالنواة الرئيسة من غير اللجوء الى تشظية الأحداث أو شطرها كون الكيان الكتابي يتسابق مع الأنواع الأخرى للإستحواذ على الشد والتأثير والتغيير، وهنا يتم تنظيم أية حادثة لتتزود مايكفيها من معالم التخيّل الذهني للقص دون التفريط بالزمان والمكان، وهذا مايعطي وظائف السرد وضوحها المناسب نتيجة مساعدة قوى اللغة في تشبيك علائق السرد ديناميكيا، وبالتالي يتم اعطاء فضاء القص منطقاً يسوّغ فعل المحفزات الخارجية لإعطاء أهمية قصوى لنموذج الفعل أو الحدث . (الوقت اوائل الشتاء، غيوم سوداء عابرة في عرض السماء، تخفي في متاهاتها اغنية حزينة، نظرت اليها، هي ذات الغيوم التي مرّت منذ اعوام، تهطل مخاوف وكوابيس وحرائق، لايردعها صحو، فجأة تظهر سحابة أخرى من جهة الغرب، تهشّ وجه الشمس بدخان كثيف، تمدّ أذرعاً اتخذت شكل الأعاصير، تطارد ماتبقى من اقمار معلقة بسقف سماء تمور بمخاوفها : ). قصة مابعد الخريف ص 88.

عندما يتقمص الكاتب دور الريادة التركيبية وترتيب أو تأثيث أو تفتيت الأحداث لأجل اخضاعها لعملية أقلمة بين ذاته (هو) وقولية الروي – السرد – ويمازجها مع حركة الشخصية المحورية، هذا الإختلاط الوجدي سيقود الى حالة من التصوف الفني الذي يغني القاص بأفكار كثيرة وصيغ متباينة لصالح علاقات نسيجية والتي تقيم تجسيراً بين الذهن والتصور المستنسخ عنه (الكتابة).

ان حالة التوهج العقلي تزخرف ذهالها بنوع خاص من الإتصال بين الذهن التصوري والذهال التخييلي ضمن اجواء تخمينية تفترض الوهم وتصيغه نمطاً من انتاج احتمالي، لذا فأن العمل الفني سينقاد بصورة لاارادية الى برمجة سبق للكاتب ان وضع رؤى لها، حيث لابد ان تتوافر في القص حركية سرد وشفرات ودلالات كي تجعله خطاباً قرائياً، كون القص يشتمل على قوى وانواع سردية متشابكة الإداء من حيث الصور السيميائية والترميزية والتوليفية، وهذه لايتم تجسيدها الا من خلال وضع آليات لتطبيق هذه الصياغات لنحصل على استجابات توافقية بين وحدات السرد والتي يجب ان تخضع الى جماليات الجملة السردية وبحسب مامتعارف عليه ان السرد عملية تنسيقية لدلالة النسق ودلالة الجملة، بمعنى انه الهيكل التنظيمي لفعاليات الأحداث والشخوص . (يرتجف المدى في اعماقه، ينحدر الى مساحات انفاسه، يتسلل الى زوايا حادة، ضاقت بعتمة الأزمنة وجفاف المكان، عتمة تغازل انطفاء المصابيح، تلقي بعباءتها فوق الضوء الشحيح المندلق من نافذة مرتعشة بالصدأ، روحه التائقة للتحرر من قبو سنين الأسر تمخر العتمة، تسرج لهاثا مثخنا برائحة الإنتظار) قصة ارتعاشة آخر ليلة ص 31 .

ان القاص عبد الكريم الساعدي في مجموعته هذه تمكن وببراعة عالية من ان يصوغ قصصه بما يشتمل على الصيرورات الموّلدة للتنامي القصصي من ابتداء القصة الى نهايتها وهذا مااعطاه بصمة خاصة، ولأن القص الجيد يشتمل وجود دلالة نسقية حاوية لمجمل الدلالات الفنية والفكرية من حيث فعاليات السرد المتوفرة في النص المنتج من خلال إطار متكامل يؤطر هذه العملية التركيبية من حيث الإختلاف والتشابه .

 

قراءة / أحمد البياتي

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 3165 المصادف: 2015-05-06 00:45:07