المثقف - قراءات نقدية

قبل اكتمال القرن: قرن الخراب العراقي العظيم للمبدعة ذكرى محمد نادر (7)

husan sarmakتحطيم الأنموذج الأبوي الحامي: إن تحطيم الأنموذج الأبوي الحامي هو من الإجراءات الأساسية التي يتبعها الطغاة الجلادون . يأتون بالسجين الذي يصمد، ويدخلون أباه كي يؤثّر في فلذة كبده الذي ستحطمه عجلة القهر . أو يأتون بالسجينة ويغتصبون أمّها أمامها . هكذا يتم سحق كل الرموز المقدسة في حياة الفرد راسمين - وبدقة - ما ينتظر الفرد في مستقبل الخراب القريب. لقد وعد "نوّاف" سُبُل بأنه سوف يطلق سراح أبيها مرتضى. وقد برّ بوعده وأعيد الأب إلى البيت:

(كان مرتضى عاجزا عن الوقوف، جلس على البلاط البارد متشبثاً بجسد "فضائل" الهزيل تفوح منه رائحة البول والعرق والخوف . هُرعت إليه زوجته العوراء وهي تولول:

-دَنْعَل أبو السياسة .. هاي الحَصَلْته منها ..

ستلعن العوراء السياسة على المدى المتبقي من عمرها لأنها ستعرف بعد ليلة واحدة أن الخوف أخصاه نهائيا، وأنه لن يعتليها مجددا في تلك اللعبة الليلية المبهجة – ص 154 و 155 ) .

لقد تم إخصاء مرتضى الأب .. أخصاه الطغيان .. لقد أعطب سلاحه الذكوري، وسيبقى تذكارا متدليا لا جدوى منه على الإطلاق . لكن هناك إخصاءَ الأنموذج المخلّص الذي سيملأ فراغه "نواف" بالتخطيط المتقن الغادر . حتى سُبل التي حبست دموعها بجَلَد لم تستطع إلا أن تلوم أباها على انهياره وخذلانه لها . كان نواف يقصّ عليها حكاية انحطاط أبيها وتهشمه المهين بتشف مُقرف:

(ضحك "نوّاف الضامن" من أعماقه وهو يسرد على سُبل تفاصيل التحقيق مع مرتضى:

- كان وشيش تبوّله عالياً، وسمعت بوضوح اصطكاك أسنانه، فينكسر الكلام بين شفتيه .. قرأت في أوراقه [= أوراق البراءة القديمة] شيئا مختلفا .. يا له من مسلٍّ عظيم .

إلتفت إلى سُبل يبحث في وجهها عن تأثير كلماته .. قال بصدق آخر، يحمل نبرة رجل حكيم ومحايد:

- أهذا ممكن؟ لقد تبوّل المسكين قبل أن يجيب عن اسمه .. أتعزين أن للخوف مبضعا يخصي البشر ببراعة أكيدة؟

بلعت سُبل دموعها قبل أن تقول: لعله قد صار مسنّا أكثر مما ينبغي

لكنها لم تستطع كبح إحساس بالخذلان يجتاز خاطرها أوصلها إلى همسة عتب مؤلمة:

- لمَ هكذا يا مرتضى؟ - ص 155) .

وهذه، بالمناسبة، ليست أول وقفة عتاب مع مرتضى من فرد - هو من أبنائه أو من جيل شاب يُفترض أن يمنحه هو حكمة السلوك والجسارة . قبلها عاتبه (الجهم) - إبنه الأصغر - عندما أصعدهما رجال الأمن إلى السيارة، وكان الإبن أكثر تماسكا من الأب المفزوع، وهو يصرخ:

- يابه .. والله ما عندي شي .. عيوني لقد وقّعِتْ .. بس ..

كاد يبكي فأحس الجهم بحنق كبير فصرخ به:

- كن رجلا يا أخا الصفوان – ص 143)

وصيغة الإسناد هذه (أخا الصفوان) ليست بريئة من جانب الجهم . فهي امتداد لموقف أسبق أشد قساوة . فبعد سنوات طويلة من مقتل "الصفوان" سأل "الجهمُ" أباه مرتضى عن حقيقة مقتل عمّه، فحكى له أبوه تفاصيل ما حصل وكيف سُحِل العمّ وأخوه يسدّ فمه بيديه كي لا يصدر صوتا يدل القتلة الرعاع عليه . فكانت ردة فعل الإبن مليئة بالإدانة والاحتقار:

( تعاظم إحساسٌ بالإزدراء في وجدان الفتى [= الجهم]، فوجد نفسه يقول له وهو ينظر إلى عمق عينيه المنكسرتين: - كان حريّاً بك أن تموت معه . فقط أستغرب من أمر: كيف للمرء أن يحيا مع خزي كهذا؟! – ص 63 و64) . وهاهو نواف يجهز - مرة واحدة وإلى الأبد - على صورة الأنموذج الأبوي الحامي أمام عيني سُبل الوحيدة العاجزة عن كل شيء. هكذا تتوالى خطوات إسقاط الضحية في براثن الجلّاد . صار الوضع النفسي للضحية مُمهّدا كي يطرح الجلاد ذاته كمخلّص . وهذه أخطر مراحل الترويض ؛ أن تجد الضحية الخلاص في جلّادها .

لكن ذكرى تتقن اكتشاف أسرار النفس البشرية العميقة . يقول معلم فيينا: (إن الشعراء والروائيين حلفاء موثوقون وينبغي أن تُثمن شهاداتهم عاليا، لأنهم يعرفون أشياء كثيرة ما بين السماء والأرض ليس بمقدور حكمتنا المدرسية بعد أن تحلم بها. إنهم أساتذتنا في معرفة النفس، نحن الناس العاديين، لأنهم ينهلون من ينابيع لم نجعلها في متناول العلم بعد) . (سجموند فرويد - الهذيان والأحلام في قصة "غراديفا" جنسن- ) . وهي كمبدعة فذّة تمسك بما هو مخفي في شخصية الجلّاد، ما يتستر وراء هذه الصورة الضخمة من القوة والسلطة والقسوة والوحشية . في علم نفس التعذيب تكشّفت حقائق تصدم العقل العادي الذي ألف المُسلّمات . مثل هذه العقول لن تستوعب حقيقة أن العنف في السلوك البشري قد يكون دفاعا . " آلية نفسية دفاعية - defence mechanism psychological" مداورة لتغليف مواطن الضعف في الذات .. وقد يصل أحيانا حدود أن يكون " صرخة استغاثة – cry for help " . تقول هذه "المحللة النفسية" عن الجلاد نواف الضامن: (كان يعرف أنه يتوق إلى أن يكون محبوبا . ومنذ صعد دكة سنواته الأربعين كل صباح حين يطالع وجهه في المرآة مُحدقا في حاجبه الكث المائل وعينيه الصغيرتين اللتين لا تخلوان من مكر طفولي، يشعر بحاجته لأن يرى وجهه في عيني شخص محب . كان يتوق للحظة تستولي عليه تدفقات قلبه لتخلق مناخا معادلا للقسوة اليومية اللامتناهية والمضطر على أن يحياها، فكم من المرّات وجد نفسه مُتحسّرا على دموع المعذبين الواقفين تحت رحمته، فكان يكفّر عن خطيئة الرحمة بزيادة جرعة العذاب – ص 152) .

وفي وقت لاحق ستشخص سُبل هذا "الاضطراب" النفسي المغلّف بالقسوة عندما تقول له متسائلة:

- ألا تظن أن القسوة هي تعبير عن جوعٍ أليم للإحساس بالحب – ص 153) .

وقد أدركت سُبل طبيعة التركيبة العجيبة لهذا الجلاد . وهي من أخطر التراكيب الشخصية . كارثة عندما ينطوي الجلاد على نزق طفل صغير وروح شاعر. لا يجتمع هنا الرحمن والشيطان أبدا، بل يتراكم فعل الشيطان والشيطان . وتستفحل كارثة هذا التراكم حين يصبح الشيطان عاشقا !!

ولا يمكن أن يضطلع أيٌّ منا بدور الجلاد دون أن يثير ذلك الشعور بالذنب في أعماقه، وما يترتب عليه من محاسبة ضميرية مؤرقة . ليس يسيرا أن تصبح جلّادا . إنها طريق مكلفة خصوصا في مراحلها الأولى . ولكي يخفّف الطغاة من الإحساس بالإثم الذي ستنشأ في أعماق الجلادين الصغار، فإن من المطلوب أن يصبح تعذيب الآخر "عملا" .. عملا عاديا يؤديه الفرد مثل الأعمال الأخرى فلا يثير شيئا في الذات . والأهم من ذلك هو أنه كلما توفر "مبرّر" لهذا العمل كلما صار أداء الجلاد أكثر اتقانا و "إخلاصا" .. كلما كان هناك إطار نظري يحيط بفعل التعذيب .. كلما شعر الجلاد بأنه إنما يقوم بفعله الوحشي من أجل " هدف " عادل، كلما كان أكثر اندفاعا وحماسة في تدمير الآخر . ونواف يعتقد بقوة أن من يعذبهم هم أناس (ضالّون عن الطريق المستقيم .. ضالون عن الصراط، فتزداد قناعته رسوخا عندما يسمع توسلاتهم بالتوبة أملا بالغفران . إن على الناس قاطبة أن تصدق أساليب رحمتنا، كان دائما يقول:

- على الجميع أن يصدق، قسرا إذا لزم الأمر، أنهم يعيشون في جنة الرحمة السفلية التي وعد الله بها الصالحين . أنهم يجب أن يدفعوا الكثير ليستحقوا البقاء في هذه الجنة: جنتنا – ص 153) .

وخلاف ما يعتقده الكثيرون، فإن الجلاد يصبح أكثر وحشية عندما يصبح مثقّفا !! فعن هذه السبيل سوف يمتلك الكثير من التخريجات النظرية التي تبرّر عمله . فوق ذلك أنه قد يخلق "نظرياته" الخاصة به . لقد قرأ نواف الكثير عن التاريخ واستخلص "نظرية "، استخلص "حقيقة" جديدة عن علاقة الغاية بالوسيلة، عن صلة النتائج بالأدوات التي تُستخدم لبلوغها، وهي نظرية / حقيقة تشكل الإطار النظري لسلوكه الوحشي وتبرّره:

(إن الوسائل للوصول بالأشياء إلى ذروتها ستزول لتبقى النتائج وحدها في ذمة التاريخ المكتوب، أما ما تبقى من مقدار الألم أو التضحيات سيمكث صامتا في تاريخ الوجدان الذي لا صوت له – ص 153) .

وهو في اجتراحه "نظريته" هذه، والروائية من خلفه طبعا، يضع اصبعه على منطقة ملتهبة لكن مغيّبة من التاريخ العراقي العجيب، وهو "ضعف" الذاكرة الجمعية الذي يجعل هذا الشعب المازوخي يُلدغ من الجحر نفسه . يقول الضامن:

(نحن شعب لا ذاكرة . من يتذكر ماذا؟ إنهم ينسون ! نحن برحمتنا ننسى خطايا المواطنين ونسامح أحيانا قدر الإمكان عصيانهم . تسهل الأمور أكثر حين تكون بلا ذاكرة . إنها دائما بداية جديدة – ص 153).

 

الجلّاد الشاعر:

كان هتلر النازي فنّانا (رسّاما) مولعاً بالرسم ويكتب القصة أيضاً . أمّا (رامسفيلد) الأمريكي الوغد حارق بغداد فلديه مجموعة شعرية . والآن ... اقرأوا هذه الأبيات: " متحولا إلى حشد إيماني الجديد أقدم لكم ما لم يعرضه أحد من قبل أقدم لكم عدم الرحمة والنبيذ الشخص الذي لا يجد الخبز سيتناول ضوء شمسي للناس لا شيءَ مُحرّم حسب يقيني هناك هم يحبون ويشربون ويتطلعون نحو الشمس حسبما تريد وهذه الإلوهية لا تحرّم عليك شيئا يا إخوتي .. أيها الحشد .. أطيعوا دعوتي " .

هل تعرفون لمنْ هذه الأبيات؟

إنها جزء من قصيدة طويلة للرئيس الصربي السفاح " رادافان كارادزيتش " الذي على يديه ذبح مئات الألوف من الرجال ( والكثير من الأحياء الذكور تم قطع أعضائهم التناسلية ) واغتصاب عشرات الألوف من النساء من المسلمين كنّ يُعدن عاريات مشياً إلى عوائلهن .. ورمي الأطفال المسلمين الرُضّع في خلّاطات الإسمنت أمام عيون أمهاتهم . هذا السفاح شاعر .. وفوق ذلك هناك ما هو أمر وأدهى .. فهو طبيب اختصاصي بالأمراض النفسية !! . وتطيح ذكرى بأنموذج نواف الضامن - والغالبية من الحالات العملية تسند ذلك - بأطروحة الشاعر المكسيكي " أوكتافيو باث " القائلة:

" إن رأس السياسي إذا خلا من الشعر تحول إلى طاغية " .

صار الطاغية شاعرا .. بل يكتب شعرا جميلا !! .

وسلوك نواف فيه الكثير من الشاعرية . ها هو يقدم طلبا مكتوبا لسُبل: صاحبة العصمة كما يلقبها، يلتمس فيه أن يقبّل يدها، لكنها تقترح عليه أن يقبّل قدميها، فوافق وبدأ بلثم أصابع قدميها إصبعا إصبعا بامتنان يشبه التقوى . تُعقب المُحللة:

(كان للمرة الأولى يستمتع بلا قيود بجذور ضعف لذيذ كان يخشى أن تمر السنون دون أن يلتذ بممارسته – ص 151) .

ولعل أكثر الأوصاف دقة التي استخدمتها ذكرى على لسان بطلتها سُبل لوصف شخصية نواف هو:

" طفل نزق يلهو بحبل مقصلة " .

وفي وصف دقيق آخر قالته سُبل لأختها مراثي قالت فيه:

(- كان يبدو كقاتلٍ في ثوب شاعر، أو ربما شاعر بأصابع قاتل، أكرهه ... مراثي كم أكرهه – ص 154) . ولكن ستثور هنا تساؤلات خطيرة هي: إذا كانت سبل تكره نواف الضامن، فكيف تزوجته؟ كيف ترتبط الضحية بجلادها برباط مصيري مثل الزواج؟ هل تمارس سُبل "سلطتها" على نواف عبر جسدها الفاتن وجمالها الساحر بعد أن مارس نواف "سلطته" السياسية عليها؟ هل كان سلوكها شكلاً مراوغاً ومنكّراً من أشكال تمرير حكمة الحكيمة السلطانة عاهرة بغداد؟ ومن المؤكد أن المصائب الشخصية والعائلية التي أحاطت بسبل في تلك المرحلة - ومن كل جانب - كان لها دور في تليين إرادتها وفي قرارها العجيب . لقد قُتل عمّها الصفوان بسبب السياسة .. ومات زوج عمتها (عبد الجليل) وهو يهذي بأسماء رفاقه من واقعة القطار الشهيرة التي أرسلت فيها أعداد كبيرة من الشيوعيين بقطار ذي عربات مقفلة مليئة بالقار فأوشكوا أن يموتوا عطشا وجفافا .. أخوها الجهم مُعتقل بمصير معلق ومفتوح وبأمل إطلاق سراحه من قبل نواف .. أبٌ محطم مخصيّ عليه أن يدفع ديونا نفسية ثقيلة .. ابن عمتها عامر هارب، وهو مطارد أيضا .. ثم سلسلة تجارب الحب التي تحطمت وكان أطرافها الأشخاص المقربين جدا منها: أختها مراثي هجرها عامر بعد أن خذلها عندما اصطادهما عمّها "عباس" متعانقين وتعرضت لضرب مبرح من أبيها .. أخوها الجهم في حبه العاصف لابنة عمّته "هانيا" والذي لا رجاء منه لأنّ أمها رفضت رفضا قاطعا هذا الحب المحكوم بالخسران .. هجرة عمتها "الوضّاءة" إلى بلدان الثلج والاغتراب .. هروب أختها "عميرة" التي غازلها عمها "عباس" جنسيا ثم قلب الأمر ضدها، فهربت لتصبح مومس المدينة الأولى (الباشا) .. وانتحار أخيها (تغلب) بسبب هذا العار ... إلتحاق أخويها، الوضاح والوليد، بالخدمة العسكرية وبقاء البيت خاويا بلا رجال ( يقول المثل العامي: الرجل رحمة حتى لو كان فحمة !! ) ....

ثم، وهذا هو الأهم، تجربة حبّها الملتهبة التي انتهت بالفشل بعد سنوات من العلاقة الغرامية العجيبة .. تركها حبيبها فجأة فبقت تنتظره كل يوم إثنين لمدة ( ست ساعات وعشر دقائق) . وقد اتبع ماركيز هذه الطريقة العددية في تأريخ قصة حب بطل روايته (الحب في زمن الكوليرا) لحبيبته (فرمينا داثا) . لقد هجرها حبيبها واختار يوم الأثنين – يوم انتظارها المنهك اللذيذ - موعدا لزواجه، وكان سبب الهجران هو أن على العائلة شبهة سياسية أخطر من شبهة الدعارة . وقد ترافق هذا الهجران مع خيبة (هانيا) في علاقتها مع حبيبها الضابط . لقد قال لها أن الموافقة على زواجه منها لم تتم . تصوروا أن البلاد وصلت حدّا أن الحكومة هي التي تحدد زواجك !!:

(-إنهم يقولون .. إنكم .. أعني العائلة .. ليست .. أعني مشكوك في ولائها .. أتفهمين؟ .. أخوك .. عمّك .. ليس العيب !! جاء الخبر كالصاعقة ليهشم تماسك "هانيا" النفسي والعقلي .. عادت إلى البيت وتمددت على ظهرها لتفض بكارتها بسبابتها، غضبا وعصيانا ويأساً، فهي لا يمكن أن تستوعب لماذا لا تحصل الموافقة على زواج ضابط من فتاة يعشقها وهي في منتهى الجمال والشرف؟!

(تستعرض الإصبع المغمس بالدم تشهره بوجه "فضائل" الذاهلة: - ليس هناك رجل على هذه الأرض يستحق غشائي . إنه لك خذيه . بكتْ بلوم وقهر وحرقة وهي تتمتم: - لسنا إلا تهمة سياسية .. لا شيء سينقذنا .. لا شيء سينقذنا البتة حتى لو وقّع "مرتضى" تحت اسمه للمرة الألف – ص 194) . إنهم مشبوهون .. الأولاد والأحفاد مشبوهون بشبهة السياسة التي وصمت آباءهم وأجدادهم .. والأخوات مشبوهات بشبهة السياسة التي وصمت أخوانهن .. وهي فعلا – وهذا ما لمسته سُبل بوضوح – شبهة تماثل شبهة الدعارة .. بل تفوقها ضراوة وتدميرا . لقد عبّرت سُبل عن هذا الموقف الشائك بوعي عال عندما عادت من الاعتقال في إحدى المرات: ( لا فائدة نحن متورطون رغما عنّا أكثر منهم . ألم أقل لك ذلك من قبل .. لا بُدّ لنا من دفع الضريبة ردّدت مرارا: نحن متورطون .. متورطون حتى الأعناق . كتبتْ مراثي بسبابة كفها اليمين على ضباب النافذة: لا مفرّ – ص 170) . وفعلا هي مصيدة مميتة هذه الورطة .. ولا أبلغ من وصف مراثي لها: لا مفرّ . فهل وجدت سُبل الخلاص، بفعل كل تلك العوامل مجتمعة، مع تكتيكات الجلاد المدروسة، في الزواج من "نواف الضامن" وبصورة سرية؟؟

هناك مقترب آخر للإجابة على هذا التساؤل، المرير والمعقد، وهو أن ندع سُبل نفسها تسرّنا بالإجابة، وذلك عندما أُطلق سراح الجهم بتأثير نواف، وجاء أخوها منفعلا ليسألها عن "عذريّتها" .. كان يخشى أن وساطة نواف ثمنها بكارة أخته فطمأنته خجلة: (- بخير .. أنا وهي بخير ..

انتظر "الجهم" برهة قبل أن ينصرف . لم يكن يعرف أنها بعد أسابيع لا بأس بها ستمنح راضيةً بكارتها لنواف الضامن وهي واقعة تحت تأثير مشاعر متضاربة لم يكن الإكراه بينها . وأنها بدافع الفضول لمعرفة حكمة الجسد وقليلٍ من الامتنان لرجل الخلاص من عذابٍ مُحتّم وبعض اليأس من أنها لن تتزوج برجلٍ ما، ترنّ في رأسها أجراس كلمات الرجل البائس الذي أحبّته:

- يُقال إن لكم انتماء سياسيا مختلفا . أتدرين؟ قد يدفع المرء مستقبله ثمنا لارتباطه بكم ! أنت ورطة لأي رجل طموح !

مضاف إلى كل ذلك الاعتياد على ملمس أصابعه على جسدها، وعلى سماع قصائده وترنيماته وتنهداته الحارة، وإيمانها بصدق محبّته، وأنه كما كان يقول - بعد أن صارت زيارته تشتد - يسترسل بساعات طويلة مختلسة في الليل والنهار – ص 187) .

 

حسين سرمك حسن

بغداد المحروسة

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 3172 المصادف: 2015-05-13 10:34:52