المثقف - قراءات نقدية

قبوط هتلر ودوائر اللعبة

saleh altaeiقراءة في "قبوط هتلر" المجموعة القصصية الجديدة للأديب الواسطي حميد الزاملي

حينما تسير بك العجلة مسرعة في طريق مفتوح لا بنايات تحط على جانبية وثمة أعمدة تصطف بكسل سوف تشعر وكأنها تسابقك، تستولي على شعورك بالوحدة وتشاركك متعة وتعب السفر، بل وتسرق منك تركيزك، أنت جالس تسير بك المركبة أما هي فواقفة على جانبي الطريق ولكنك تشعر بها تهرول معك إلى اللامكان تستفز فيك رؤى ما كانت لتتوارد لولا وجود ما يجلب انتباهك هناك في خارج حيز العربة الضيق الذي يشعرك بالوحدة حتى عندما تسترق السمع لتعرف بماذا تهمس زهرة الياسمين وكأنك تخلط الأسطورة بالواقع لتخلق واقعا جديدا على مقاسك الذي تريد،

ليس من اليسير على المرء مهما كان مبدعا أن يرسم صورة لما يعتلج في قلب إنسان يتعذب، فالعذاب يتحول أحيانا الى متعة سادية تعري حقائق البشر ولاسيما حينما يضطر المرء بسبب الفاقة والحاجة إلى بيع قطعة من شيء يعتز به ويعتبره رمزا للأبهة والكبرياء لمجرد أن يحصل على علبة دخان أو صحن صغير من القيمر للإفطار وكأنه يريد أن يقطع العلاقة مع فكرة ظلت مسيطرة على شعوره سنين طوال تخدعه تستفزه تسعده أحيانا وتحزنه أحيانا أخرى.

إن لحظات اليأس في حياة الإنسان تحيطه أحيانا بهالات عرفانية، وتحمّله في أحيان أخرى هموما مصدرها أن ينتبه الإنسان بعد مسيرة عذاب أخذت من عمره سنينا، بل أخذت عمره كله؛ ليجد انه خلال كل ذلك العمر الطويل لم ينجح في أن يصنع مجدا لنفسه ليس لأن الأقدار عاندته وإنما لأنه عاش في الخيال يبحث عن شيء إذا ما عرفه أو عثر عليه لن يحقق له مكسبا يذكر.

قبوط هتلر ليست اجترار لذكريات عفا عليها الزمن، ولا مجرد سرد محاكاتي لوقائع مغمورة في عمق الذات، فغناها في تواصل محطات العمر حينما يصبح الماضي جزءً من الحاضر وجسرا نحو المستقبل، فثمة تداخل في الألوان يشتت الفكر أحيانا ليعود به في لحظات التأمل إلى حقيقة نجاهد غالبا لكي نخفيها ثم طوعا وبدون إكراه من أحد نتطوع للبوح بها مصحوبة بتنهدات حارة في لوعة حاضر ولوعة ماض تبدو أجمل.

بالرغم من قراءاتي السابقة لكثير من منجز الأديب الزاملي إلا أني وجدته في "قبوط هتلر" متدثرا بوجع عاشه وأراد أن يشاركه معنا ليس بدون مقابل، وإنما لأنه يشعر أن الهم بين العراقيين مشترك، فما مرسوم في خيالنا عن الجمال يشتته سوء اللحظة الطويلة التي تمتد لتصبح عمرا، وكأنه اعتراف بالهزيمة وأسف على دهر ولى، دهرا كان جميلا بالرغم من كل المنغصات، وهو ليس كذلك ولكن سوء الزمن الذي نعيشه ألجأنا للبحث عن ذاك التاريخ.

الزاملي لا يتغني بالزمن الجميل بل يُحَّمِلهُ بعض مساوئ الحاضر ويتخوف على المستقبل منه، أما تداخل الأزمنة والمسافات فلا يبدو عملا اعتباطيا بقدر كونه تداخل رؤى يشبه هذيان المحموم، فحياتنا التي تطاردنا بكبواتها حولتنا إلى مرضى بالوهم إلى محمومين يبحثون في ظلمات الماضي والتهيئات الضبابية التي تتوارد على الخاطر عن فرصة للسعادة تكاد لا تتوفر.

لم ينجح الإنسان بالوصول إلى السعادة الذروة لأنه عاش حياته كلها في صراع مرة مع الطبيعة وأخرى مع المفترسات وثالثة مع إخوته البشر ورابعا مع نفسه، ولكنه مع ذلك يجد ثيمات السعادة منثورة في حقل عمره حبيبات متباعدة غطاها تراب النسيان وأحياها قهر السنين.

قبوط هتلر ليست عملا اعتباطيا من تلك الأعمال الفنطازية الخالية من الهدف والباحثة عن المتعة الرخيصة لأنها في كل جملة من جملها ترسخ في عقلك قناعة من نوع جديد يصل أحيانا إلى مرحلة التسامي مع الذات.

أنا لست ناقدا أدبيا ولا أعرف الكثير عن الاشتغالات الأدبية ولكني كمتذوق أنفر أحيانا من بعض الأعمال لدرجة أني لا أحتمل رؤية غلافها، وانشد أحيانا أخرى إلى بعض الأعمال لدرجة أن أتسمر في مقعدي إلى أن أتمها مهما طال الوقت. هبوط هتلر من النوع الثاني فمن يقرأها يشعر وكأنه يأكل لوح شوكلاتا نسوا أن يضيفوا إليها السكر ولكنه يتجاوز طعم المرارة من خلال مذاق الشوكلاتا الرائع، وكما نكهة الشكولاتا تبقى في الفم كذلك نكهة قبوط هتلر تأبى أن تفارق الذاكرة.

قبوط هتلر رائعة الأديب حميد الزاملي هي مجموعة قصص قصيرة صدرت عن دار عدنان للطباعة والنشر بواقع 112 صفحة تضم 19 قصة، تبدأ بقصة "لعبة في زمن الموت"، وتنتهي بقصة "اغتيال العميد" وبين الموت في البداية والنهاية، سطر الزاملي عمرا من عمره مفعما بالذكريات.

 

صالح الطائي

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 3179 المصادف: 2015-05-20 00:39:40