المثقف - قراءات نقدية

لعبة شطرنج وطقوس وجع

saleh altaeiقراءة انطباعية في رواية "رقعة شطرنج" للأديبة الجزائرية نجاة مزهود

تعودت أن أبدأ كل موضوع اكتبه ـ على شاكلة هذا الموضوع بالذات ـ بجملة (قراءة انطباعية) لكي لا يتوهم البعض أني ناقد أدبي، ولأؤكد أني لا أرقى لأن أكون ناقدا أدبيا بقدر كوني رجلا ذواقا يبحث عن متعة فكرية بين الحروف المصفوفة التي تقبع بين يديه؛ في الوقت القصير الذي يقتنصه من ساعات عمله الطويلة، إذا ما عانقت عيونه منجزا لأحد المبدعين، أجهد نفسه في محاولة منه لإثراء حياتنا بنوع من الجمال الذي نفتقده حتى ولو كان جمالا يتحدث عن مأساتنا وخيبتنا الكبيرة.

إن الإنسان إذا ما تجاوز الستين يصبح حريصا على ساعات عمره كيف ينفقها وهو يدري انه لم يعد يملك منها في جعبته إلا النزر اليسير، أف للعمر كم سلب من بهجتنا، وكم يرعبنا حينما يشعر أحدنا أن الحقائب امتلأت، ورزمت بعناية، والسائق يقف متهيئا لنقلنا إلى حيث تبدأ رحلة اللاعودة وقد مل طول الانتظار، وبدأ يتأفف ضجرا.

بعد النصف الثاني من الستين من سنوات العمر الهرمة، يكون المرء قد نجح بتجاوز عشرات المتاهات الصعبة التي مرت عليه والتي جابه في بعضها خطرا كاد يودي به إلى الهاوية، ولذا تراه يتحول إلى ما يشبه نقطة الضوء الحارق الذي ينتج عن اختراق الأشعة للعدسة المكبرة، يبدأ بجمع كل تلك المتاهات ويحولها إلى متاهة بلا حدود تتداخل ألوانها وعطورها وأجواؤها ورسومها وهيئتها بما يشعرك أحيانا بالغثيان والرعب والرغبة بالبكاء بدون توقف، فما أقسى أن يشعر المرء أن نفسه تسخر منه فتكدر عليه هدوءه، إن العالم مليء بالتناقضات ولكن من ينجح بمعرفة نفسه يشعرك أكثر من أي وقت آخر بالتناقض الموجود في الكون، عشرات المرات التي يجهش فيها المرء بالبكاء حتى من دون أن يشعر بالحرج، ولكنه يشعر بالحرج كله حينما يتوجب عليه أن يبكي فيعجز عن إنزال دمعة.!

إن مشاغلي الكثيرة تمنعني عن متابعة كل ما يهديه لي الأصدقاء من كتب ومجاميع، ولذا استغل السفر عادة ـ على قلته ـ لأقرأ بنهم، مرة لتحرري من مسؤولية البحث والمتابعة فيما يخص ما أنا متورط فيه من موضوع يحتاج إلى المتابعة والتقصي، ومرة لكي لا أتابع مناظر الخراب التي تنتشر على جانبي طريقي المزري، فتزداد مأساتي ويزداد توجعي، ولكني حتى مع هذه المشاغل الصغيرة أجد ما يثريني بالوجع، فيا له من قدر غريب. حينما كنت اخط هذه الكلمات مستغلا توقف السيارة في إحدى السيطرات الأمنية الكثيرة، وصلني صوت انفجار كبير لا ليقطع سلسلة أفكاري فحسب وإنما ليؤكد لي أن فوائد هذا الخيار الصعب لا تجدي في كل المرات.

إن الخزين الفكري الثر يوطن النفس على تحمل أعباء ما يأتي به القدر لدرجة وكأن الأمور المفاجئة لا يعد لها من أثر، ولا تجلب الدهشة كما في عمر الشباب، لكن الأديبة الجزائرية "نجاة مزهود"، فاجأتني بشدة لدرجة أني نسيت كل ما يحيط بي، واندمجت برائعتها"رقعة شطرنج" اندماجا روحيا غريبا، سلخني من واقعي لأتحول إلى روح سندبادية تطل على الأقاليم القصية، وتفتح أبواب الأقانيم لا لتكتشف شيئا جديدا؛ فما من جديد في كوننا، وإنما لتتأكد أن كل ما يدور هنا، يدور هناك، ربما بنمط آخر، فهي تطل للمقارنة فحسب بين ما يدور، وكم هي مأساوية حالة من يكتشف أن كل ما يدور في كل جغرافياتنا يبدو بفعل فاعل واحد، ونتاجا واحدا لمهزلة العقل البشري.

على مدى ثلاثة فصول مملوءة بالدهشة زفت إلينا نجاة مزهود وجع عرينا العربي، وعمرا عربيا مديدا معمدا بالوجع والآهة وفقد الأحباب، وحينما كانت تتحدث "عن المدن التي تخلع ستارة الفضيلة لتقع فريسة التعري من كل شيء جميل" ذكرتني بمدينتي الفاضلة التي نزعت سترها على يد أبنائها.

على مدى ثلاثة فصول وبالرغم من وجود "الخيبات والهزائم والبحث عن ستارة أخرى تخفي تشوهات الجسد المحروق"، تنساب الأحداث مرة برتابة خالية من الإدهاش، وأخرى عنيفة مدهشة حد شعورك بحرقة الآهة التي تخرج من داخلك.

مع "رقعة شطرنج" ومن الأسطر الأولى، تشعر انك ستصطدم بمشكلة صراع الأجيال السرمدي وما يخلفه من انطباع روتيني، لكن نوع العلاقة بين بطلي الرواية المعلم المتقاعد عبد الكريم وزوجته زكية التي تؤمن أن التضحية وحدها هي عمود المنزل، والتي لم تحظ إلا بالقليل من التعليم، وهي علاقة احترام حد القدسية، يفاجئك، فتغير رأيك، فتعتقد أن هناك نمطا تقليديا من الكتابة، لكنك لا تثبت على حال فالأديبة نجاة تريد أن تغامر بك لتصبح أنت أيضا لعبة من لعبها داخل الرواية ربما لأنها تؤمن أن الكاتب لا يكتب للعبث أو إشباع الفضول وإنما يحاول من خلال ما يكتب تمرير ما يؤمن به وما يريد قوله إلى الآخرين، فهي لا تثبت على صورة حتى تنتقل إلى صورة أخرى، تنتقل من حديثها عن اثر الضوضاء وزحفها إلى الأرياف لتتحدث عن فلسطين وقضيتها الأبدية، إلى اشتراك العرب كلهم بكره السكن العمودي وتفضيل السكن الأفقي عليه، إلى وجود حالات الفساد المالي والإداري في بلاد العرب، إلى اليأس نفسه الذي يعمر قلوب كل العرب، وهذا ما تلخصه المحاورة بين عبد الكريم وولده نور الدين حينما كانا يتحدثان عما يحدث في سوريا:

"قال عبد الكريم: لا اله إلا الله، ما الذي يحدث، أين العرب"؟ وهو السؤال التقليدي الذي يتردد على ألسن العراقيين والليبيين والسوريين والفلسطينيين، وربما العرب أجمعين.! فيرد عليه نور الدين؛ الذي كان واقفا: "كأني بك يا أبي تحلم. عن أي عرب تتحدث؟"

          أكثر من سؤال مثل هذا يصدمك في الرواية؛ التي جاء في الصفحة الأخيرة منها في الحوار الذي أثاره مجدي "عن شيء سماه الناس بالربيع العربي، فإذا به يتحول إلى شتاء عاصف دمر الحياة والإنسان"، وفي خضم هذه الضوضاء والحيرة يأتي السؤال: "ما الهدف من القتل والتدمير، ولماذا يحدث ذلك في أوطاننا العربية ونحن أحوج إلى البناء والتجديد والسلم والحب؟"

أما الحديث عن الإرهاب هنا وهناك، وعلى مدى صورة وجه وطننا العربي فهو السمة الأكثر اشتراكا بين العرب. إن الحديث عن (الملثمين) الذين "يجوسون خلال الديار، فينتهكون الحرمات، ويقتلون، ويعودون دون أن يوقفهم أحد" في الجزائر يبدو صورة نمطية عن الملثمين المجرمين في سوريا والعراق وليبيا. ومثله الحديث عن ضحايا الإرهاب الأبرياء في مغربنا العربي؛ فهو الحديث عينه الذي يتناقل أهل المشرق قصصه، فيا لوحدة المصير.

من صور الرواية التي أثرت فيَّ كثيرا، كانت صورة بحث العائلة الكبيرة عن قطعة ارض لتبني عليها سكنا يجمعها عوضا عن السكن في الشقة الضيقة المتعب المزعج؛ مع أن العائلة لم تكن تملك المال الكافي لشرائها، باستثناء رغبة مشتركة بذلك؛ كما في قول زكية لعبد الكريم: "لا تحمل هم المال، المهم ابحث أنت والأولاد عن قطعة ارض سنتشارك جميعا في شرائها" بكل ما فيها من رمزية البحث عن ملاذ آمن بعد أن بات الإرهاب يتهدد حياتنا في كل خارطتنا العربية، يوحي بالخوف وعدم الاطمئنان، يوحي بالشعور أن العربي في مشرق البلاد ومغربها لا زال يشعر بالغربة في وطنه.!

إن رقعة شطرنج رواية تتحدث بلغة: "وها نحن في سنة جديدة ولا شيء تغير لا تزال التفجيرات والاغتيالات تطبع ارض العراق". لقد أرادت نجاه مزهود القول: "إن الأمنيات وحدها تجعلنا ننتظر دون ملل، والخيبات وحدها قادرة على تحطيم ذلك الانتظار"، وان كل بلد من بلداننا العربية هو بأمس الحاجة "إلى كل فرد في الوطن العربي".

لقد أثبتت نجاة مزهود في روايتها هذه أن الأديب حينما يمارس سكوته يختلف عن الآخرين فسكوت الأديب ينتج دهشة وتأملا، فضلا عن ذلك وجدتها كثيرة الاهتمام بالجزئيات الصغيرة بما يبدو وكأن حميمية تربطها بهذه الأحداث التي لا نلتفت إليها عادة، ربما لأن المشاكل الكبيرة التي تحيط بنا تشغلنا عن النظر إليها. وكانت لنجاة فلسفتها في هذا الاختيار، قالت عنها: "اللحظات الجميلة التي تجعلنا سعداء تكمن في التفاصيل الصغيرة التي لا نعيرها اهتماما، ولأن الحياة تنتعش بالحب كما تنتعش الأرض بالماء، فهي لا تفعل ذلك بمحض الصدفة، إنما استجابة لمصل يسمى الاهتمام" ويبدو ذلك واضحا من خلال اهتمامها بمفردات لهجات البلدان العربية التي ورد ذكرها في الرواية مثل العراق وسوريا وليبيا.

لقد أدهشتني حبكة الرواية وسلاستها وبساطة مفرداتها وعذوبتها وواقعيتها كونها من الأدب الجاد، وتركت فيَّ انطباعا أن المبدعين لا زالوا يحملون راية التغيير التي نبحث عنها بين أكداس ركام مدننا التي دمرها الإرهاب. ولذا بعد أن أتممت قراءة هذه الرواية خلال الرحلة، صرخت بصوت عال: أحسنت يا ست نجاة، أحسنت والله، لقد أثريتني، وأثرتي في داخلي روح اللوعة التي ما إن تستكين حتى تجد صورة أو حرفا أو صوتا يستفزها لتثور.!

 

صالح الطائي

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 3199 المصادف: 2015-06-09 00:55:11