المثقف - قراءات نقدية

المغترب: صورة الإنسان المعاصر فى "شخص حزين يستطيع الضحك"

mahmod mohamadmakyيغوص صابر رشدي فى مجموعته القصصية "شخص حزين يستطيع الضحك" - التى صدرت فى القاهرة - فى أعماق النفس البشرية المعذبة بحثا عن ماهية الإنسان أو كينونته، وإن شئت فقل بحثا عن جوهره فى استبطانه للنفس البشرية ودروبها، فمنذ البداية يأخذك الكاتب فى مدارج شتى متنوعة الدرجات والدركات فى كل قصة من قصص المجموعة التى تمثل كل منها عتبة أو مدخلا لغياهيب النفس البشرية تختلف إحداها عن الأخرى. فمنذ السطرالأول يدرك القارىء أن القاص كأنه يبحث عن هذا الجوهر الفرد داخل النفس البشرية: استكشافا واستبطانا. كأنك ترى صورتك فى المرآة أثناء قراءة قصص هذه المجموعة، فترى الذات الإنسانية فى أحلامها وأضغاث أحلامها، وفى آمالها وانكساراتها.

لا يحتاج القارىء إلى جهد ليدرك أن قصص المجموعة الثماني عشرة تربطها فكرة الإغتراب النفسى وهو أقصى أنواع الإغتراب حيث نثرت أفكارها وتتابعت فى سرد قصصى جمع بين البساطة والعمق متناولا الظاهرة من جوانب عديدة. هذه الشخصيات المغتربة التى تقدمها لنا قصص هذه المجموعة تنتمى كلها بلا استثناء إلى جيل ضائع مدمر يهرب من الواقع، جيل وصف فى الأدب الغربى بأنه "الجيل المجهول generation X " أو الجيل الضائع lost generation الذى ظهركافرا ناقما على القيم التى تحكم الحضارة الغربية سواء فى شقها الدينى الذى تقوده الكنيستان الكاثوليكية والبروتستانتية أو شقها فى المناقض التى كانت تقوده روسيا الحمراء، كان ذلك الإغتراب بعد أن واجهت البشرية أكبر تدمير ومقتلة تتعرض لها فى التاريخ على يد الحضارة الغربية بمفهومها الكوزموبوليتانى والغرب نفسه – وأن أشتركت اليابان فيها ولكنها اشتركت بألة قتل غربية وشخصية غربية تماما. ولكن الإغتراب فى "شخص حزين يستطيع الضحك" له أسبابه المختلفة قدمها الكاتب فنيا متجسدة فى أبطاله، هذا الإغتراب الذى يدفع أبطاله إلى الإنفصال عن واقع الحياة، إنفصال يصل أحيانا إلى حد الكلية أو القطيعة المطلقة، هو إغتراب الشخص عن نفسه وأهله وعن وطنه أو فيه.

لن الفت نظر القارىء عندما طالع عنوان المجموعة المتميز "شخص حزين يستطيع الضحك" المكون من أربع مفردات تبدأ بجملة اسمية المبتدأ فيها كلمة "شخص"، ولن احدثك عن التقابل الواضح بين "حزين" و"الضحك"، ولكن العامل المؤثر فى كل ذلك هو الإنسان المجهول المسحوق الذى تحول إلى مجرد "شخص" نكرة فى الوجود، فاصبح مغتربا عن ذاته و وأهله ووطنه.

ومنذ أول قراءة يدرك القارىء أن المجموعة كتبت بهندسة فنية عالية تصل لحد الإتقان. أولا عناونين قصص المجموعة الثمانى عشرة، ترواحت بين كلمة مفردة مثل "الطيور" و"دروب" و"إغواء" أو كلمتين مثل "ضوء شفيف" و"ثعابين ملونة" أو ثلاث كلمات مثل"أصبع على الذناد" و "موت على الهوى" أو أربع مثل "شخص حزين يستطيع الضحك" و "الرجل الذى اكتشف الطمأنينة". ثانيا كل أبطال قصص المجموعة، بل كل شخوصها أيضا، جاءت غفلا من الاسماء، لأنها تعالج هما إنسانيا مشتركا للإنسان المعاصر، ولتذيد من قسوة الإغتراب ولتعمق مرارته.

كما نرى في قصة "شخص حزين يستطيع الضحك" التى تحمل المجموعة اسمها، حيث نرى صورة الإنسان الكافكاوى التعس المحطم داخليا والبائس خارجيا، الغريب عن ذاته والمغترب عن أهله، فهو فقير مهزوم مأزوم منكسر يعيش فى غرفة فقيرة تملؤها أعقاب السجائر، عندما ينظر فى المرأة ينكر نفسه فهو خالى من المواهب إلا من موهبة الحزن. هذا الحزين المنكسر تتحول أمامه أعقاب السجائر التى على أرضية حجرته كأنها جثث قتلى يراها تتراص أمامه. ومما يضاعف حزن هذا الحزين المنكسر المسحوق أنه يحس أن كل شىء فى الكون يسخر منه حتى الفأر الذى تسلل إلى غرفته لم يخافه، وإنما تجرأ عليه فظل واقفا يتأمله وكأنه تمثال من حجر. القصة كأنها قصة تحولات – تلمح إلى تحولات أوفيد أو الجحش الذهبى لأبوليوس – فأعقاب السجائر تحولت إلى جثث قتلى، والبطل تحول إلى تمثال حجرى غطاه الغبار، ولك أن تتخيل كم البؤس الذى يلف هذا الشخص حتى أنه يتذكر المرة اليتيمة التى ضحك فيها. جاء البطل – كما سبق الإشارة إلى بقية شخوص المجموعة – غفلا من كل ملامح خارجية تحدد ماهيته، زمانا أو مكانا، اسم أو رسما.

لذلك ترسم الجموعة صورة للإنسان المعاصر فى كل زمان ومكان: الإنسان المهزوم الغريب المغترب الذى يكسوه الخوف ويسكنه الرعب، كما فى قصة "لا تخف" التى نرى فيها البطل يخرج من بيته خائفا يترقب، حيث يرقب كل الأشياء عندما يخرج لأنه يرى أن العالم كله يحاربه، هذه ظلال من أبطال كافكا أو إدجار ألن بو كما "سقوط منزل عائلة أشر" أو "وردة لإميلى"، فتلك القصة – كبقية قصص المجموعة – نفسية وفلسفية بإمتياز: تتسآل أين تذهب أصواتنا ولماذا لا تنهمر علينا مثل المطر الذى يخرج بخارا ويعود للأرض قطرا؟

فى قصص المجموعة لا تناسق ولااتساق أو إنسجام بين شخوص المجموعة والكون المحيط بهم ولا حتى فيما بينهم. تقوم بنية المجموعة على علاقة الثنائيات: الروح والجسد، النوم واليقظة، الحلم والواقع، النور والظلام، الداخل والخارج، الوجود والعدم، العلوى والأرضى، الغنى والفقر، أو الجبر والإختيار.

لم يحاول صابر رشدى أن يقلد أحد وإن وقف على مناهل شتى من لمن نبغوا فى فن القصة من كافكا إلى بو و نجيب محفوظ. تمثل هذه المجموعة صوتا متميزا متفردا لأسباب كثيرة منها ما يتعلق بالشكل أو المضمون، فهو يستخدم الفصحى حوارا وسردا طيعة جميلة فى كل قصص المجموعة، حيث أن اللغة هى وسيلة التواصل بين المبدع والقارىء، فاذا فقدت هذه الوسيلة أو أصابها عطب فشل الأديب فى أن يوصل إلى القارىء ما يريد. فمن حيث اللغة نجح القاص نجاحا متميزا - بل ويكاد يصل إلى حد التفرد – فى استخدامها. فهو فى هذه المجموعة القصصية صاحب أسلوب يستخدم العربية فى سلاسة وتمكن، حتى تكاد تخلو المجموعة من الاخطاء اللغوية والأسلوبية، إلا فيما ندر، التى انتشرت بين الدخلاء على عالم الأدب؛ حتى زاد الأمرسوء وأصبحت اللهجة العامية صرعة بينهم ولوثة أصابت بعضهم، لا لشىء إلا لأن أعينهم على جوائز مشبوهة مخصصة لكل ما يكتب بهذه اللهجة ويترك الفصحى.

انتظروا صوتا متميزا متفردا قادما لينافس على عرش القصة فى العالم العربى.

 

بقلم: محمود محمد مكي- القاهرة

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 3201 المصادف: 2015-06-11 00:49:27