المثقف - قراءات نقدية

أداء الممثل في مسرحية شاورما ضمن المهرجان المسرحي العراقي

sarmad sarmadiقد ينتشي الممثل العراقي لو وصف بصاحب الصوت القوي، المضخم دونما مساعدة من هندسة الصوت، وبكل صدق كنت منذ العام 1998م مع بدء دراستي البكلوريوس وأنا مستغرب السبب الذي جعل الممثل المسرحي العراقي يصرخ من على خشبة عرض مسرحي حتى لو كان يهمس بآهات مونولوج مع نفسه، وإذا بي على أعتاب الدكتوراه اكتشف أهمية ظرف وصية ستانسلافسكي التي اعتبرها بعض الممثلين..وصية المرحوم.

بحثت في مسرحية شاورما التي عرضت في المهرجان المسرحي العراقي الأول ضد الإرهاب بتاريخ 13-06-2015م، ولم اجد تطبيقا لهذه الوصية في اداء اثنين من الممثلين يجلسون في اقصى اليمين واقصى اليسار، ومن على خشبة المسرح يتخذ احدهم مدفأة يحتضنها وهو شبه عار، والثاني يلوح بيده ممسكا مروحة يدوية في الوقت الذي يرتدي فيه المعطف الشتوي، لن ادخل بتحليل المعاني التي ربما اراد المخرج ان ينقلها للمتلقي على الصعيد الفكري، خاصة وان هذا التشكيل قد توسطه دوران لمجموعة من الممثلين في اعلى وسط المسرح، حول قطعة من الديكور، وقد سبق للمخرج والممثل المسرحي محمد الحربي الذي نال شهادة الماجستير من كلية الفنون في جامعة بابل ان كان له مشروع التخرج في مرحلة البكلوريوس مسرحية بعنوان ( قطار القبو السري)، والتي تضمنت ذات اداء الممثلين الأثنين الصامتين مع فارق ان احدهم كان يدخن النركيلة والثاني كان يعمل اسكافي، المهم في الأمر ان ايقاع المروحة في يد الممثل ذو المعطف وايقاع اليد المرتجفة عند الممثل ذو المدفأة زائد ايقاع دوران مجموعة الممثلين حول قطعة الديكور، ينحو نحو انسجام منشود، على مستوى الأداء الحركي بشكل خاص، لم يتأكد صوتيا، على الرغم من ان دور الممثل ذو المعطف والممثل ذو المدفأة كان خاليا من الحوار الصوتي، في الوقت الذي امتلكت المجموعة بشكل انفرادي تارة وجماعي ايضا تلك الخاصية الحوارية، الا ان الواضح كون الأنسجام لم يكن قسريا، بل نتاج مران على تمكين الممثل من الأسترخاء، بالتالي كان انسجاما على مستوى الحركة الموضعية للممثلين الأثنين في ركني المسرح، يتوسطهما حركة دائرية للمجموعة، مما يصعب معه التقاط اي تناقض يفضي بوجود آلية الحركة التي طالما تفقد الممثلين حيوية مباشرتهم للجمهور، وهي الصفة التي يمتاز بها المسرح بشكل عام، وكان هذا سر نجاح اخراج مسرحية (قطار القبو السري) والتي لم يلقى الضوء اعلاميا عليها لمجرد ان المخرج من اتباع السيد الصدر، حيث كان العرض في وقت نظام الطاغية، لكنه أي هذا الاختيار لم يكن موفقا لمسرحية (شاورما).

 

لقد قال ستانسلافسكي بما اعتبر فيما بعد وصية منه إلى الممثل، بضرورة أن يمتلك الممثل المسرحي صوتا من القوة لدرجة إن تستطيع سيدة عجوز ضعيفة السمع تجلس في آخر صالة المسرح ان تسمعه بوضوح تام، وبغض النظر عن إصرار هذه العجوز على أن تمزق حناجر ممثلي المسرح العالمي لأرضاها ما بعد انتشار هذه المقولة، وعلى الرغم من كونها الحد الأقصى الذي افترضه ستانسلافسكي لكي يهتم الممثل بصوته في التعبير عن الشخصية المسرحية، فضلا عن كونه شرطا منطقيا بأن يكون للممثل صوت واضح وقوي فهو واسطة نقل رسالة المسرحية عبر الحوار في مسارح تركز على نقل الكلمة عبر أداء الممثل للدرجة التي كان فيها المؤلف تشيخوف يحضر بنفسه ليتابع تمرينات مسرحياته التي يخرجها ستانسلافسكي، كان هذا الشرط في اعلى درجاته عند الممثل الرئيسي في المسرحية، الذي قام باداء شخصية استاذ جامعي يقبل على الموت بسكين ارهابي، بل كان مبالغا فيه في بعض اللحظات، والذي جعل هذه المبالغة الصوتية في اداء الممثل تصل حد الملاحظة اليسيرة الالتقاط، وجود الممثلين في ركني المسرح، والصمت المطبق الذي أجاداه، كذلك تباين شخصية الأستاذ وشخصية الأرهابي صوتيا بما لم يخدم الموقف دراميا، حيث الهدوء زائدا الاسترخاء الذي تميز به ممثل شخصية الارهابي، فتح باب مقارنة ليست في صالح ممثل دور الاستاذ، على الرغم من وجود تباين صوتي اخر في صالح الممثل المذكور، عند فتح باب مقارنة ما بينه وبين شخصيات المجموعة في حواراتهم الفردية التي تسلسلوا بالقاءها من فوق قطعة الديكور التي داروا حولها طوال وقت العرض المسرحي.

في هذا الجو الاحتفالي الذي اقره المخرج وسيلة نقل للأداء التمثيلي من حالة التشنج المعهودة في المسرح الجاد العراقي، إلى استرخاء نفسي عند الممثل ساعد في ترسيخه تلك الحوارات باللغة العامية التي تم توزيعها بشكل يناسب قدرة النطق وقابلية التلفظ باللغة الفصحى، حيث يلاحظ بشكل ليس بالعسير، كيف تم توزيع حوارات الشخصيات باللغة الفصحى على الممثلين الأكبر عمرا، وكيف تم تركيز اللغة العامية في حوارات من هم اصغر عمرا من الممثلين، لكن أليس من الغريب أن تستمر هذه السيدة العجوز بالهيمنة على أداء الممثل ليومنا هذا مع توافر إمكانية إرضاءها بمايكروفون لا يتجاوز الخمسة دولار، لينقل الهمس همسا لا صراخ، تقنية لم يكن ستانسلافسكي ليحيد عنها، بل عدم توفرها حتى آخر عطاءه الفني المسرحي والإنساني لتاريخ وفاته في 1938م هو السبب الوحيد لبقاء مقولة العجوز في عز الشباب، أما آن الأوان لهذه السيدة العجوز ضعيفة السمع أن تغادر عقل كل ممثل مسرحي عراقي، معاصر.

حينما نقول معاصر، ندرك معها حتما الصعوبة التي ترافق محاولة تغيير طريقة التحضير للدور المسرحي، التي ينتهجها الممثل لسنوات طويلة، لذا يكون الأمل بالممثل المعاصر، أكثر مدعاة للتفاؤل، على الرغم من كون الخبرة التي امتلكها ممثلو المسرح في العراق على مر سنوات العمل الفني هي مفتاح للتجديد في أساليب تعاملهم مع مشاكل قد تواجه الممثل على صعيد الأداء الصوتي، بحكم الخبرة، إلا أن هنالك من توافرت لهم الخبرة العملية، والنظرية المتمثلة في شهادة أكاديمية عليا رصينة، ومع هذا لم يلاحظ المتلقي أي تغير في مستوى الأداء، بل على العكس، يمكن القول باتخاذهم للنمطية، والتمثيل بشخصية الممثل وليس بشخصية الدور ذاته، طريقا لاستكمال مسيرتهم الفنية، وهنالك من الأمثلة الكثير.

بعيدا عن الإشارات المباشرة التي تغضب البعض وكأن النقاش حول المسرح لا يعدو القدح والمدح في سوق عكاظ النقد المسرحي كما هو واضح في صفحات لا تساوي كلماتها ثمن الحبر الذي كتبت به، ومع أني لا أخشى الغضب لكن الزعل، يمكن ملاحظة بعض الممثلين من الأساتذة الجامعيين والذي يحلو للبعض تصحيح الخطأ الشائع باستبدال كلمة الأساتذة بكلمة الأساتيذ، ولا اعرف أي فائدة ترجى من استبدال كلمة اسد بكلمة ضرغام مع ان المعنى واحد، المهم، على الصعيد الأكاديمي وبمقارنة بسيطة بين شخصية الأستاذ وطبيعة الأدوار التي يتصدون لها في فن التمثيل، ولتجد بكل يسر، ان ما من دور يخلو من نبرة الأستاذ، على مستوى الأداء الصوتي، بل وقد يذهب تحليلك لأبعد من هذه النقطة حد التماهي شبه التام على صعيد الأداء الحركي، وحتى الأزياء والأكسسوار الخ، وقد تكون هذه وصية اخرى،.. حيث إن ستانسلافسكي قد لجأ إلى تغيير اسم عائلته الأصلي والذي هو الكسييف، إلى قسطنطين ستانسلافسكي، بدلا عن قسطنطين الكسييف، لأنه خشي أن يضطر يوما ما لأداء دور مسرحي لا يشرف سمعة والده زعيم مقاطعة الكسييف في روسيا، قبل قيام الاتحاد السوفيتي، لهذا نركز في خطابنا على الممثل المسرحي المعاصر، لأن الوصايا التي أمامنا كثيرة، وقد لا يكفي للإقناع بزوال مرحليتها السطر تلو السطر بل والعمر تلو العمر.

لقد تعامل المخرج مع ممثليه بمكيالين، وهذا ليس عيبا كما شاع عن هذه الجملة سياسيا واجتماعيا، فعلى المستوى الفني تقدر لمخرج العرض ان يمنح الممثلين كبار السن حرية بذل جهودهم الشخصية في التعبير عن الشخصية، للدرجة التي يمكن لهم ان يجلسوا لأخذ قسط من الراحة كما حدث في الدقيقة 27 من وقت العرض مع شخصية المرأة، كذلك في الدقيقة 29 مع شخصية الأستاذ، وقد امتدت فترة راحته لتعادل فترة اداءه الحركي وهو واقف ان لم تكن قد تعدتها، وذلك على ما يبدوا من لياقة الممثل المحدودة طريقة لأبقاء الحد الأدنى من ادواته التعبيرية، والتي اقتصرت بعد ذلك على الأداء الصوتي فقط، بينما نجد الممثلين الأثنين مع المجموعة قد تم التعامل معهما بمكيال آخر، فحينما نادى ادوارد جوردن جريج بأنه يتمنى ان يكون الممثل دمية في يده، كأي دمية خيطية في مسرح الدمى، تحرك من خلال خيوط يمسك بها محرك الدمى في كواليس سقف مسرح مخصص لهذا النوع من العرض، لم يكن جريج يقول بأن على الممثل ان يمتلك مهارات تجعل منه سوبر، كما هو المصطلح الشائع سوبر ماريونيت، بل انه اراد من الممثل ان يكون ك ابر ماريونيت، أي اشبه بالدمية المعلقة بالخيط، ليستطيع كمخرج التحكم بالممثل كما يتحكم محرك الدمى بالدمية، لا اعلم من اين جاء مصطلح سوبر، لكن الواضح ان هنالك خطأ شائع في عدم التفريق ما بين كلمة اب وكلمة سوبر، اب تعني اعلى وابر ماريونيت تعني دمية تحرك بالخيط من الأعلى، اما سوبر ماريونيت، فليست في سياق وصف امنية جريج بخصوص الممثل المسرحي، بالتالي لم يكن للتمثيل في هذا العرض طريقا الا بكون الممثل دمية انقطع خيطها او دمية إلى نهاية العرض، مع ان الحوارات الموزعة على الشخصيات لم تجعل من هذا الأداء مبررا بالدرجة التي يمكن للحرية الممنوحة لشخصية الأستاذ على مستوى الحركة ان تكون منسجمة مع موقف بطولي مثلا، على خلاف مواقف الآخرين، لأن الحكاية بموضوعيتها كانت تسرد بشكل متساو من قبل الجميع على الخشبة، ما عدا الممثلين ذوي الأدوار الصامتة، فلم يكونوا داخل مساحة التعبير الدرامي عن القصة منذ البداية للدرجة التي يمكن معها للمتلقي ان ينساهم، فهم يشكلون بدون انسجام واضح مع الفعل المقدم من على الخشبة، عقبة في طريق التلقي.

 

سرمد السرمدي

المشاركون في هذه المحادثة

تعليقات (1)

This comment was minimized by the moderator on the site

هل سرمد السرمدي
اسم الممثل

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 3211 المصادف: 2015-06-21 22:36:26