المثقف - قراءات نقدية

حول مصطلح (الادب السوفيتي)

غالبا ما اطالع  مقالات باللغة العربية حول مصطلح (الادب السوفيتي) هنا وهناك، بل اني قرأت قبل أيام ليس الا مقالة، يتحدث كاتبها عن هذا الموضوع، و يشير الى كتب ظهرت اثناء الفترة السوفيتية لم يعد يعرفها القارئ العربي المعاصر – من وجهة نظره  طبعا -، ويذكر نتاجات لمؤلفين سوفيت كتبوها  بلغات شعوبهم وتم ترجمتها الى اللغة الروسية او نتاجات ادباء روس دون تحديد،  وجاء  كل ذلك بشكل مرتبك ومبهم ومتشابك ولا يتناسب بتاتا مع الوقائع المحددة والدقيقة لمسيرة آداب الشعوب السوفيتية  اثناء الفترة من 1917 الى 1991، اي الفترة الزمنية لدولة الاتحاد السوفيتي في القرن العشرين منذ ثورة اكتوبر 1917 الى تاريخ انهيار الدولة السوفيتية عام 1991 .

 نعم، يمكن لنا ان نستخدم مصطلحات وتعابير ومفردات عديدة مع هذه الصفة (اي سوفيتي او سوفيتية)  مثل  - (الصناعة السوفيتية) او (الجيش السوفيتي) او (الحدود السوفيتية) او (السياسة السوفيتية) او (التاريخ السوفيتي) او (الحكومة السوفيتية) او (العاصمة السوفيتية) او (الدولة السوفيتية) او(الموسوعة السوفيتية) او  او او ...الخ العشرات من  هذه المصطلحات الصحيحة والمحددة، لكننا لا يمكن ان نستخدم تلك الصفة مع كلمة الادب . وأذكر اننا درسنا هذه المادة العلمية عندما كنا طلبة بكلية الاداب في الاتحاد السوفيتي في الستينات  وكانت تسمى – (آداب شعوب الاتحاد السوفيتي) وليس (الادب السوفيتي) وهي تسمية علمية دقيقة صاغها - بشكل موضوعي ومحدد - المتخصصون السوفيت الكبار في حينها، وكان هناك قسم علمي مستقل و متخصص يضم اساتذة  معروفين عالميا، ويشرف  هذا القسم على تدريس تلك المادة العلمية الواسعة جدا، وكان هناك كتاب منهجي نستلمه من مكتبة الكلية بهذه التسمية  ايضا لمساعدتنا على استيعاب هذه المادة اضافة الى محاضرات الاساتذة . بعض رجالات الفكر الروسي واوساطه آنذاك كانوا يستخدمون مصطلح (الادب السوفيتي) بشكل عام بمعنى الادب الصادر في تلك الفترة السوفيتية و الذي يترجم الى اللغة الروسية من آداب الشعوب السوفيتية، بل كانت هناك مجلة سوفيتية بهذه التسمية تصدر بعدة لغات اجنبية خاصة بتلك النتاجات،  وكانت توزع في العديد من بلدان العالم بما فيها بلداننا العربية، وكان هدفها بالطبع ايديولوجي بحت، الا ان هذا كله لا يعني ان هناك مصطلح محدد ودقيق بهذه التسمية .

ان الامبراطورية الروسية ثم الاتحاد السوفيتي  ثم روسيا الاتحادية – كانت و ما تزال لحد الان – دولة  متعددة القوميات والشعوب بشكل كبير جدا، و ليس من باب الصدفة ابدا ان انهيار الاتحاد السوفيتي قد أدٌى الى ولادة 15 دولة جديدة،  ومع ذلك فان روسيا الحالية (اي الاتحادية) لا زالت اكبر بلدان العالم مساحة كما كانت سابقا، ولا زالت تضم عشرات القوميات والشعوب غير الروسية، بل ان المواطن في هذه الدولة لا يسمى (روسٌيا) وانما (روسيانين)، وهي كلمة عصيٌة على الترجمة في كل اللغات الاخرى، وتعني مواطن تلك الدولة الروسية بغض النظر عن قوميته، فالروسي في روسيا الاتحادية هو روسيانين (وهم الاكثرية)، والتتاري هو ايضا روسيانين، والاوكراني والاذربيجاني والشيشاني والجورجي والصيني والفيتنامي والفرنسي (والان ظهروا  افارقة) ووووو بما فيهم العراقيون المتجنسون في روسيا  هم جميعا روسيانيون، مثلما كانوا (سوفيت) زمن الاتحاد السوفيتي، ولكن النتاجات الادبية التي ابدعها هؤلاء (الروسيانيون او السوفيت) بلغاتهم القومية لم تكن ضمن (الادب السوفيتي) او (الادب الروسياني)، بل بقيت تلك الابداعات ضمن آداب شعوبهم نفسها لانهم كتبوها بلغاتهم القومية تلك، والا فاننا يمكن ان نصل حتى الى ان  رواية (النخلة والجيران) لغائب طعمه فرمان، والتي كتبها في موسكو ستكون رواية سوفيتية  كما هو الحال بالنسبة لكل رواياته الخالدة الاخرى، ويمكن بالطبع الاشارة الى امثلة كثيرة اخرى مماثلة لذلك، ويكفي ان نذكر اسم ناظم حكمت ليس الا، رمز الادب التركي الحديث، والذي اضطر ان ينتقل الى موسكو وبقي فيها سنوات عمره الاخيرة وتوفي فيها وتم دفنه هناك كما هو معروف، او اسم الشاعر المبدع الكبير رسول حمزاتوف رمز الادب الداغستاني في العالم وووو...الخ .

ان هذا المصطلح (اي الادب السوفيتي) غير الدقيق وغير العلمي ايضا يمكن ان يؤدي بنا الى استنتاجات و مصطلحات غير دقيقة مماثلة اخرى مثل القول بوجود (الادب العثماني) مثلا، او الادب النمساوي - الهنغاري (نسبة الى الامبراطورية النمساوية - الهنغارية)، ويمكن بالطبع الاستشهاد بامثلة اخرى كثيرة جدا في هذا المجال .

الادب هو فن من الفنون يرتبط بلغة محددة، وذلك لأن اللغة هي اداة  التعبير في هذا الفن، ولا يوجد أدب دون لغة محددة يرتبط بها، والادب الروسي يرتبط بالشعب الروسي وباللغة الروسية بغض النظر عن نظام الحكم السياسي في روسيا، ولا توجد (لغة سوفيتية)، ولهذا – وبالتالي - لا يوجد (أدب سوفيتي)، وان آداب الشعوب التي كانت ضمن اطار الامبراطورية الروسية او ضمن اطار الاتحاد السوفيتي او ضمن دولها المستقلة في الوقت الحاضر -  تبقى (اي تلك الآداب) مرتبطة بتلك الشعوب ولغاتها القومية بغض النظر عن النظم السياسية السائدة في تلك الدول في مراحل تاريخية معينة، ولهذا كانت عندنا  مادة علمية ندرسها في جامعة موسكو في الستينات عدا مادة -  (آداب شعوب الاتحاد السوفيتي)  وهي مادة  – (الادب الروسي في القرن العشرين)، ويعني هذا المصطلح العلمي الدقيق دراسة الادب الروسي ضمن الظروف التي استجدت عندها  في روسيا السوفيتية، ولازالت هذه المادة العلمية تثير نقاشات حادة بين الباحثين والمختصين ونقاد الادب الروس والاجانب (وخصوصا الغربيين) على حد سواء، اذ انها تتناول النشاط الكبير للادباء الروس خارج روسيا بعد ان تركوا بلدهم احتجاجا على ثورة اكتوبر، الا انهم يستخدمون بالطبع في نقاشاتهم تلك مصطلحات علمية صحيحة و دقيقة.

المشاركون في هذه المحادثة

تعليقات (1)

This comment was minimized by the moderator on the site

المعروف عن الادب الروسي قبل عام ١٩١٧ انه لم يكن يحمل فكرا سياسيا محددا بل كان يعرض معانات الناس البسطاء في تلك الفترة امافي مرحلة مابعد الثورة فاصبح يسير ضمن خط ونهج الفكر السائد في هذه المرحلة وقوانينه

يوسف الدليمي
لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 3213 المصادف: 2015-06-23 02:59:02