المثقف - قراءات نقدية

وثائق سردية بلغة شاعرية مبهرة .. قراءة ف مجموعة (مابعد الخريف) للقاص عبد الكريم الساعدي

abdulkarim alsaadiعن دار (أمل الجديدة) صدرت للقاص (عبد الكريم الساعدي) أول مجموعة قصصية بعنوان (ما بعد الخريف) ومن ضرورات القول أن ننبه إلى إن القاص بدا الكتابة على الأقل من مستهل الثمانينات ولكن أسباب تأخره في طبع كتاباته ونشرها هو ذلك التغييب الذي أصاب عدد كبير من المثقفين الذين لم يمنحوا فرصة لطبع أعمالهم ونشرها لأسباب ربما سياسية قبل 2003وعدم اهتمام الحكومات ما بعد ذلك التاريخ بالثقافة مما اضطر البعض ممن يملك موردا مناسبا لطبع أعماله من مدخراته ولا توجد في العراق اليوم دار نشر واحدة تتبنى أي طاقة ثقافية جديدة او تجازف في تقديمها للقراء ما لم يكن اسما معروفا يضمن لتلك الدار ربحا مؤكدا، ومن هنا نجد إن القاص عبد الكريم الساعدي نبه إلى إن زمن القص لمجموعته يقع بن عام 1984وعام 2014 أي انه قد اختار قصصا قد كتبها خلال 30 سنة وهي حقبة طويلة من المؤكد إنها تحمل في طياتها تاريخ أحداث مليئة بالمتغيرات وأبطال عاشوا ثلاث عقود لتصبح تلك المجموعة بمثابة تاريخ سردي مهم على الرغم من صغر حجمها (96 صفحة من القطع المتوسط)، تضمنت المجموعة 20 قصة كانت حصة الأعوام الأخيرة 2013و2014ثلاث قصص لكل منهما وتوزعت البقية قصة واحدة لكل سنة،طبعا لم يكن نتاج الساعدي فقط هذه ال20قصة لكنه اختارها من بين مجموع كتاباته لتمثل أحداث تلك المرحلة سرديا بما يراه كمؤلف حيث يفسر اختلاجات أبطالها المتماهية مع عنوان مجموعته بالقول " هي ذات الألم،أكفان،جوع،وخوف،كنت وحيدا سقيما،لما احترفت الكلام يخالني امسك ضوءا يستفز ذاكرة الوجع،كان خريفا متجبرا،مكابرا " بهذا الاعتراف الشاعري يقرر القاص نسغ السرد الذي تبناه في قصصه، الذاتية المكتوية بهموم الجميع، الواقعية الشاعرية التي اختارها من القصة الأولى "ليلة أليمة " 1984 إلى آخر قصة والتي حملت عنوان المجموعة " ما بعد الخريف "2014، " كان آخر المتسللين من الدار التي تختبئ وراءها إسرارهم،منطلقا من تحت رماد الغضب جذوة توقد صمت السنين،تهزه طقوس التحدي ليقتلع جمر الفساد وجيف العروش الجاثمة على أنفاس الحياة "ص9 بهذه الجمل الشعرية يبدأ المؤلف قصته الأولى مصورا تلك القناعات الرافضة للنظام بلغة مكثفة دون استغراق فكري أو سياسي وكأنه يصور الواقع سردا شعريا متجنبا ذلك الوصف التقليدي لسلوك النظام البائد الذي استهلكته النماذج السردية المكررة،لكن القاص لا يهمل الحكاية بل يواصل ليحكي لنا هروب البطل من متابعة أزلام النظام ليجد نفسه مختبئا في مكان خصص للهو وللتسلية غير المشروعة،ويكتشف عالما بائسا مضافا وضحايا من نوع آخر،ولكن هذا المكان يتحول إلى سبب لبراءته من شكوك النظام فينجو ويتم اعتقال بقية أصدقاءه، لكن خلاصه صبح هما اذ يحاصره شعوره بالذنب،" يتساءل منذهلا : أخيانتي أثبتها الرفيق ام براءتي ؟ وقع في فخ آخر،لا يعرف كيف يمسح غبار الشك من المدينة،بعد ما اتهمته السنون القادمة بالخيانة " ص13، في قصته (أمنية معلم) 1997يرحل بنا القاص الى اشد مراحل القسوة والألم حيث اتفق النظام والقوى الدولية على استمرار الحصار ليعيش الشعب بين السندان والمطرقة ينتخب لنا القاص موضوعا شكل هاجسا لكل المحرومين من سكن لائق،النموذج هنا معلم يفني نفسه من اجل تلاميذه لكنه يحلم بمسكن لائق،بمنزل مضاء،بوطن يشعره بأنه في وطن " لابد أن يأتي ذلك اليوم،ها انا اجمع المال لم يبق الا محطة انتظار عابرة وأسدل ستار الترحال والنزوح من بيت لاخر دوني " لكنه كلما جمع مبلغا من دنانير النظام المستنسخة يجدها قيمتها قد تهاوت وسقطت صرعى إمام وحش الدولار، يصف القاص انهيار أمنية رسول المعرفة المعلم بلغة يستعيد معها زمنا لم يزل يذكرنا بحرمان السكن اللائق، وبعد ان تشتد معاناة هذا المعلم،يفاجئنا القاص بالحل " كان المال كافيا لتحقيق أمنيته،في اليوم التالي كان فرحا حن اشترى خمسة أمتار مربعة في مقبرة واد سلام "، نجح القاص هنا في تحويل المأساة إلى سخرية مريرة دون فيها بؤس النظام والسياسة الدولية من خلال قصة معلم،في قصة"مسوخ وعناكب" توغل بنا القاص إلى زمن الخطف والذبح والإرهاب " حقق معهم،جردهم من أشياءهم،ثم اغرس مخالبك في كل جزء من أجسادهم،عند الفجر مطالب بسبعة رؤوس " ص67 نكتشف ان القاص قد واصل لغته الشعرية المميزة حتى على لسان المنحرفين لكي يؤكد على السنغ المشترك لمجموعته على الرغم من الفارق في تواريخ قصصه، البطل هنا عمل مع المسوخ ينفذ الأوامر لكنه يصدم بوجه اسير يعرفه تربطه به أواصر صداقة حميمة " كيف لي ان اطعن ثغرا طالما قبلني بعد كل فراق " ص68 يطلق سراحه من الأسر، يغضب الرئيس يطلقهم ليحصلوا على راس سابع، لكنه لا يجد إلا رأسا ينتمي لقبيلته وحين ينبهه احدهم لذلك رد عليه " ..لا يهمني شيء سوى ان تكون عندي سبعة رؤوس " ص71، في الواقع لاول مرة اقرا نصا توغل في دواخل تلك العصابات ويتقن سرد انفعالاتها وقناعاتها،فالقاص لم يقف على مسافة بعيدة ليشتمهم او يدينهم دون تشريح لنسيج تكوينهم بورشته السردية ليترك القاري ينتهي إلى تلك الإدانة دون حكم مسبق،في القصة التي حملت عنوان المجموعة (مابعد الخريف) 2014 نلمس اتجاها رمزيا عميقا اضافة الى الشاعرية التي انتهجها في بقية النصوص " غوم سوداء عابرة ف عرض السماء ..ه ذات الغوم الت مرت منذ اعوام ..تهطل مخاوف وكوابيس وحرائق..فجاة تظهر سحابة اخرى من جهة الغرب..." ص88، " ف مكان آخر ..ينظر البطل الى التوابيت ويكلم صاحبه " ياترى متى سيحملني لا توسد أرضنا الجدباء ؟" ثمة حصار ونهاية مرتقبة، مسحة الحزن والتشاؤم والموت تهيمن على هذا النص،واختيار القاص هذا النص كعنوان لمجموعته كان مقصودا ولربما ثمة علاقة فلسفية ووجدانية بين خلاصة تجربته وبين هذا النص،في الواقع نستطع ان نقول ان مجموعة القاص المبدع عبد الكريم الساعدي (مابعد الخريف) تستحق القراءة وتشكل وثيقة شاعرية واضافة مهمة لفن السرد العراقي الحديث.

 

عبد السادة جبار  

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 3216 المصادف: 2015-06-26 10:25:02